شيخة المنصوري: إطلاق حملة «طفولتهم أمانة» لتعزيز دور الأسرة في توفير بيئة آمنة

موزة الشومي: عدم إرسال البيانات الشخصية أو التواصل مع مجهولين تجنباً للابتزاز

جاسم المرزوقي: رفع مستوى الوعي بمخاطر «النشر» غير المنضبط

أكد متخصصون أنه لم يعد حضور الأطفال على منصات التواصل الاجتماعي مقتصراً على الصور العائلية البسيطة، بل أصبح يشمل إنشاء حسابات كاملة بأسمائهم، يتم من خلالها عرض نمط حياتهم اليومي، والمشاركة في الترويج لملابس وألعاب ومنتجات موجهة للأطفال، في مقاطع تحصد آلاف المشاهدات والإعجابات.

وقالوا، لـ«البيان»، إنه رغم أن هذه الحسابات تبدو في ظاهرها عفوية وبريئة، إلا أن هناك مخاطر متزايدة قد تترتب على تحويل الأطفال إلى صناع محتوى رقمي، أو ما يُعرف عالمياً بظاهرة «الأطفال المؤثرون».

وأضافوا أن هذه الظاهرة تثير تساؤلات جدية حول حدود مشاركة الأطفال في الفضاء الرقمي، ومدى إدراك الآباء والأمهات والقائمين على رعاية الأطفال لما يعنيه نشر تفاصيل حياة هؤلاء الأطفال اليومية أمام جمهور واسع.

منصة إعلانية

وخلال السنوات الأخيرة، شهدت المنصات انتشار حسابات للأطفال يديرها ذووهم، يظهرون فيها وهم يستعرضون ملابس جديدة، يجربون ألعاباً، أو يشاركون لحظات من حياتهم اليومية، في محتوى يجذب آلاف المتابعين.

ويرى الخبراء أن بعض هذه الحسابات تحولت إلى منصات إعلانية غير مباشرة، إذ تتلقى العائلات عروضاً للترويج لمنتجات مخصصة للأطفال، مقابل مزايا مالية أو عوائد مادية.

ودعوا إلى وضع ضوابط أخلاقية وتوعوية، تحمي الأطفال في الفضاء الرقمي، بحيث تبقى منصات التواصل مساحة آمنة للتعبير والإبداع، لا وسيلة لاستغلال براءة الطفولة في سباق المتابعين والإعجابات.

آثار نفسية واجتماعية

تؤكد شيخة المنصوري، مدير عام مؤسسة دبي لرعاية النساء والأطفال بالإنابة، أن مشاركة الأطفال في إنتاج المحتوى الرقمي، قد تبدو نشاطاً ترفيهياً في البداية، لكنها قد تحمل آثاراً نفسية واجتماعية، إذا لم يتم التعامل معها بحذر.

وأوضحت أن الطفل قد لا يكون قادراً على إدراك تبعات الظهور المستمر أمام الجمهور، أو مشاركة تفاصيل حياته الخاصة، مشيرة إلى أن نشر يوميات الأطفال قد يعرضهم لمخاطر تتعلق بالخصوصية أو التنمر الإلكتروني.

وأضافت أن المؤسسة أطلقت حملة «طفولتهم أمانة»، وهي مبادرة توعوية مجتمعية، تهدف إلى حماية الطفل، وتعزيز دور الأسرة في توفير بيئة آمنة، تركز على الحد من العنف والإهمال، ونشر الوعي بحقوق الطفل النفسية والجسدية.

وأوضحت أن المبادرة ترتكز على خمسة محاور أساسية: حماية الطفل، تعزيز المسؤولية المشتركة بين الأهل والمجتمع، رفع الوعي بحقوق الطفل وطرق التعامل السليم معه، الحد من العنف والإهمال، عبر ترسيخ مفاهيم الأمان والرعاية السليمة، وتسليط الضوء على آثار العنف، ودعم الشراكة المجتمعية.

تحرش وابتزاز

وتشير موزة الشومي نائب رئيس جمعية الإمارات لحماية الطفل، إلى أن معظم المتحرشين يستخدمون مواقع إلكترونية تستهدف فئات معينة من الأطفال، لاستدراجهم والتحرش بهم بعد ابتزازهم.

وأكدت أنه مهما كانت الأسرة حريصة على مراقبة أطفالها أثناء استخدام المواقع الإلكترونية، إلا أنه يجب أن تكون واعية بمخاطر تلك المواقع ومن يديرها، وكيفية التعامل معها، وعدم إرسال أي بيانات شخصية، أو التواصل مع أشخاص مجهولين، حتى لا يقع الأطفال ضحايا للابتزاز أو التحرش.

مرحلة حساسة

من جهته، يقول الدكتور جاسم المرزوقي مستشار العلاج النفسي والأسري، إن الطفولة مرحلة حساسة في بناء الهوية والثقة بالنفس، وعندما يرتبط تقييم الطفل بعدد المتابعين أو الإعجابات، فقد يؤثر ذلك في نظرته لذاته، ويجعله أكثر عرضة للضغط النفسي.

وأضاف أن هذا النمط من الاستخدام، قد يعرض الأطفال لمخاطر متعددة، أبرزها انتهاك الخصوصية والاستغلال، فضلاً عن احتمالات التعرض للتحرش أو التنمر الإلكتروني، مشدداً على ضرورة تعزيز الرقابة الأسرية، ورفع مستوى الوعي بمخاطر النشر غير المنضبط، إلى جانب وضع ضوابط تحمي الأطفال، وتضمن بيئة رقمية آمنة لهم.

ضغوط نفسية

ويشير الدكتور حسين المسيح خبير التنمية والرعاية الاجتماعية في دبي، إلى أن الأطفال الذين يظهرون باستمرار على منصات التواصل، قد يتعرضون لضغوط نفسية غير مناسبة لأعمارهم.

وأوضح أن الطفل قد يبدأ بربط قيمته الشخصية بعدد الإعجابات أو التعليقات، وهو ما قد يؤثر في تقديره لذاته، خاصة إذا واجه تعليقات سلبية أو انتقادات من المتابعين.

وأضاف أن الظهور المستمر أمام الكاميرا، يؤدي أيضاً إلى تقليص المساحة الطبيعية للطفولة، حيث تتحول الأنشطة اليومية إلى محتوى مخطط له ومصوَّر.

وشدد المسيح على أن الأسرة تمثل خط الدفاع الأول لحماية الأطفال من مخاطر العالم الرقمي، من خلال وضع حدود واضحة لمشاركة الأطفال في المحتوى الرقمي.

مصلحة الطفل أولاً

بدورها، تؤكد غنيمة البحري مدير إدارة الرعاية والتأهيل في مؤسسة دبي لرعاية النساء والأطفال، أن حماية الطفل تشمل أيضاً حماية خصوصيته الرقمية.

وأشارت إلى ضرورة تجنب نشر تفاصيل الحياة اليومية للأطفال بشكل مبالغ فيه، والتأكد من أن أي مشاركة رقمية تراعي مصلحة الطفل أولاً.

وترى الدكتورة غادة عبيدو أستاذة الإعلام الرقمي بجامعة عين شمس بالقاهرة، أن الإعلانات التي يقدمها الأطفال على منصات التواصل، تثير تساؤلات أخلاقية، خاصة عندما يتحول الطفل إلى وسيلة للترويج التجاري، دون إدراك كامل لطبيعة الرسائل الإعلانية.

وأكدت أن المشكلة ليست في ظهور الأطفال على الإنترنت بحد ذاته، بل في تحويل حياتهم اليومية إلى محتوى مستمر، بهدف زيادة التفاعل أو تحقيق مكاسب مادية، لافتة إلى أن بعض العائلات قد تنجذب إلى الشهرة الرقمية، أو فرص التعاون التجاري، دون الانتباه إلى الآثار طويلة المدى في الطفل.

وأضافت أن المنصات الرقمية يمكن أن توفر فرصاً تعليمية وإبداعية، إذا استخدمت بشكل مدروس، لكن التحدي يكمن في تحقيق التوازن بين الاستفادة من التكنولوجيا، وحماية الطفولة من الاستغلال أو الضغوط المبكرة.

معادلة دقيقة

وتؤكد الدكتورة شاكيل أجنيو أستاذ مشارك في علم النفس بكلية العلوم الاجتماعية بجامعة هيريوت وات دبي، أن تعامل الأسر مع ظهور الأطفال على وسائل التواصل الاجتماعي، يخضع لمعادلة دقيقة بين الفوائد والمخاطر.

وأوضحت أن كثيراً من أولياء الأمور أصبحوا أكثر وعياً بضرورة حماية خصوصية أبنائهم في الفضاء الرقمي، ورغم أن بعض الأسر ترى في هذه المنصات وسيلة لتعزيز التواصل الاجتماعي، ومشاركة إنجازات الأطفال، إلا أن هذا التوجه يقابله قلق متزايد من فقدان الخصوصية، والتعرض للتنمر الإلكتروني، أو الاطلاع على محتوى غير ملائم لأعمارهم.

وأكدت أن القيم العائلية والعادات الاجتماعية، تلعب دوراً محورياً في تحديد مستوى انخراط الطفل في العالم الرقمي، وأن المؤسسات التعليمية يجب أن تتبنى سياسات واضحة، تحمي خصوصية الطلبة، وتحصل على موافقة أولياء الأمور قبل نشر أي محتوى، مع توفير بدائل آمنة للمشاركة الرقمية، لضمان بيئة رقمية آمنة، تعزز النمو النفسي والاجتماعي، دون تعريض الطفل لمخاطر غير محسوبة.

مخاطر رقمية

وحذر المحامي والمستشار القانوني علي مصبح ضاحي، من أن نشر صور الأطفال ومقاطعهم على نطاق واسع، قد يفتح الباب أمام مخاطر رقمية، مثل استغلال الصور، أو الوصول إلى معلومات شخصية عن الطفل. وأشار إلى أن بعض الحسابات تنشر تفاصيل دقيقة عن حياة الطفل، مثل المدرسة أو أماكن الزيارة اليومية، ما يشكّل تهديداً للخصوصية والأمان الرقمي.

وشدد على ضرورة تقييد الوصول إلى حسابات الوالدين على منصات التواصل، وجعلها متاحة للأصدقاء فقط، مع ضبط إعدادات الأمان العامة، مثل تفعيل المصادقة الثنائية، واختيار كلمات مرور قوية، والامتناع عن مشاركة أي محتوى قد يضر بالطفل، مثل الصور الشخصية أو المعلومات المتعلقة بالمدرسة أو جهات الاتصال.

حقوق أساسية

وأوضح أن قانون حقوق الطفل في دولة الإمارات، المعروف بـ «قانون وديمة»، الذي أُقر عام 2010 باسم الطفلة وديمة، أسهم في معالجة العديد من الفجوات في قوانين حماية الطفل، خاصة بعد إضافة ست مواد جديدة، تهدف إلى حماية الأطفال، وضمان حقوقهم الأساسية في الحياة الكريمة.

وأكد أن القانون يوضح أن حماية الطفل تقع على عاتق الأسرة والمدرسة والمجتمع، ويضم مواد تتحدث عن كل ما يهدد سلامة الطفل البدنية أو النفسية أو الأخلاقية أو العقلية، ويؤكد على حق الطفل في الحماية الشاملة.