ناقشت جلسة حوارية نظمتها جمعية توعية ورعاية الأحداث مفهوم المواطنة الرقمية بوصفه أحد أهم مرتكزات حماية المجتمع في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم الرقمي، ودوره في بناء وعي مجتمعي قادر على مواجهة التحديات الإلكترونية، وتعزيز الأمن الفكري، وترسيخ المسؤولية الفردية في التعامل مع الفضاء السيبراني.

شارك في الجلسة الدكتور جاسم خليل ميرزا، عضو مجلس إدارة الجمعية، والدكتورة هيا عاشور، أستاذ مساعد في كلية الإعلام والاتصال الجماهيري في الجامعة الأمريكية في الإمارات، فيما أدارتها الدكتورة مريم قدوري، عضو الجمعية. وركزت المناقشات على طبيعة التهديدات الرقمية المتنامية، ودور الأسرة والإعلام والمؤسسات التعليمية في بناء منظومة وعي متكاملة تحمي المجتمع. وأكد الدكتور جاسم ميرزا أن الأمان الرقمي لم يعد مفهوماً مطلقاً يمكن ضمانه بشكل كامل، مشيراً إلى أن مستخدمي الفضاء السيبراني يتعرضون يومياً لطيف واسع من التهديدات، بدءاً من محاولات اختراق الأجهزة والهواتف الذكية، وصولاً إلى التنمر الإلكتروني ومحاولات الاستهداف من جهات مجهولة. وأوضح أن مواجهة هذه المخاطر تتطلب مستوى متقدماً من الوعي، باعتبار أن المستخدم يمثل خط الدفاع الأول عن نفسه من خلال سلوكه الرقمي وإدراكه لطبيعة المخاطر.

وحذر من تصاعد ما يُعرف بهجمات «الذباب الإلكتروني» التي تسعى إلى نشر رسائل مضللة تستهدف التأثير في وعي المجتمع أو إثارة البلبلة، مؤكداً أن التصدي لها لا يقتصر على الجهات المختصة، بل يتطلب وعياً مجتمعياً يمكّن الأفراد من التمييز بين المعلومات الموثوقة والمحتوى المضلل، بما يعزز المناعة الرقمية ويحمي المجتمع من التأثيرات السلبية للمحتوى الموجّه.

وأشار إلى أن دولة الإمارات تُعد من الدول الرائدة في مجال التحول الرقمي، حيث تقدم خدماتها الحكومية بالكامل عبر التطبيقات الذكية، ما يعكس مستوى التقدم التقني الذي بلغته الدولة. وأضاف أن هذا التطور يفرض مسؤولية مضاعفة على أفراد المجتمع، ولا سيما الشباب، لاكتساب مهارات رقمية وقائية تمكّنهم من التعامل الواعي مع التكنولوجيا وتجنب الثغرات الأمنية.

وأوضح أن كل مستخدم يترك أثراً رقمياً يُحلَّل عبر خوارزميات متقدمة لتشكيل ما يُعرف بالهوية الخوارزمية التي تعكس سلوكه واهتماماته، لافتاً إلى أن هذه البيانات قد تُستخدم بطرق متعددة، ما يستدعي الحذر في مشاركة المعلومات الشخصية، وتعزيز الوعي بأبعاد الخصوصية الرقمية.

من جانبها، أكدت الدكتورة هيا عاشور أن المواطنة الرقمية تمثل امتداداً للتربية الإعلامية، التي تشكل أساس بناء الوعي والمسؤولية في العصر الرقمي، مشيرة إلى أنها تمكّن الأفراد من فهم حقوقهم وواجباتهم، وتعزز قدرتهم على التعامل مع وسائل الإعلام والتكنولوجيا بوعي. وأوضحت أن غياب هذا الوعي قد يقود إلى ممارسات غير مدروسة تنعكس سلباً على الفرد والمجتمع، مؤكدة أن تعزيز الوعي الرقمي مسؤولية مشتركة بين الأسرة والمؤسسات التعليمية ووسائل الإعلام، مع الدور المحوري للمؤسسات التعليمية في إعداد الأجيال وغرس القيم الأخلاقية والوطنية.

بيئة أولى

بدورها، شددت الدكتورة مريم قدوري على أن الأسرة تمثل البيئة الأولى في تشكيل وعي الأبناء، وأن دورها يتجاوز الرقابة إلى تعزيز الحوار وبناء الثقة وتنمية الرقابة الذاتية لدى الأبناء، بما يساعدهم على اتخاذ قرارات واعية أثناء استخدام التكنولوجيا. وأشارت إلى أن تنامي دور الخوارزميات في توجيه المحتوى يفرض ضرورة ترسيخ التفكير النقدي، وتمكين الأفراد من التمييز بين المحتوى المفيد وغيره، لافتة إلى أن عدداً من الدول بدأ باتخاذ إجراءات للحد من مخاطر الاستخدام المبكر للتكنولوجيا لدى الناشئة.

من جهتها، أكدت سارة حمادة، رئيس قسم الأنشطة في الجمعية، حرص الجمعية على تنظيم جلسات توعوية متخصصة لتعزيز الوعي الرقمي لدى مختلف فئات المجتمع، خاصة الشباب، ضمن استراتيجية تهدف إلى تمكين الأفراد من الاستخدام الآمن والمسؤول للتكنولوجيا. وأوضحت أن الجمعية تعمل على توسيع تعاونها مع المؤسسات التعليمية والأكاديمية لنشر ثقافة الوعي الرقمي، وتوفير منصات حوارية تتيح للشباب الاستفادة من خبرات المختصين.