مختصون: غياب الأعراض لا يعني غياب المرض
التاريخ المرضي في العائلة يحفز على إجراء الفحوص
الخوف من اكتشاف المرض قد يدفع البعض إلى التأجيل
بحث المريض عن المعلومات الصحية قد يساعده على مناقشة أكثر فاعلية مع الطبيب
قد يبدأ الأمر بعارض بسيط لا يستوقف صاحبه كثيراً؛ صداع يُنسب إلى قلة النوم، أو إرهاق إلى ضغط العمل، أو تغير طفيف سرعان ما يختفي.
ومع غياب الألم المستمر، تتراجع فكرة زيارة الطبيب، ويصبح الفحص مؤجلاً إلى وقت تظهر فيه مشكلة واضحة.
هذا السلوك، الذي يربط الرعاية الصحية بظهور الأعراض، يكشف فجوة بين الوعي بأهمية الوقاية وتطبيقها فعلياً، فبينما يدرك كثيرون قيمة الكشف المبكر، لا تزال زيارة الطبيب لدى البعض تبدأ من المرض، لا من الوقاية.
وتتداخل في ذلك أسباب عدة؛ من الاعتقاد بأن غياب الألم دليل على السلامة، إلى الخوف من نتائج الفحوص، مروراً بالاعتماد على البحث عبر الإنترنت والذكاء الاصطناعي لتفسير الأعراض قبل اتخاذ قرار بمراجعة الطبيب.
ويوضح مختصون أنه في بعض الحالات، لا تبدأ رحلة المريض مع الطبيب إلا بعد أن يصبح التغير ملحوظاً بما يكفي للتأثير في حياته.
قال الدكتور محمد غطالي، استشاري طب الأعصاب، إن معظم المرضى لا يزالون يلجأون إلى الرعاية العصبية بعد ظهور الأعراض وليس بهدف إجراء الفحوص الوقائية.
وأوضح أنه غالباً ما يصل المرضى بعد ملاحظة نسيان واضح، أو تكرار الأسئلة، أو مواجهة صعوبة في إدارة الشؤون المالية، أو بعدما يلاحظ أفراد الأسرة وجود تغير.
أما لدى المصابين بمرض باركنسون، فقد تبدأ المراجعة بعد ظهور الرعشة أو تيبس العضلات أو بطء الحركة أو مشكلات التوازن، رغم أن أعراضاً أبسط قد تكون موجودة منذ سنوات.
ويتكرر المشهد مع بعض مرضى التصلب المتعدد، الذين يتذكرون لاحقاً مرورهم بنوبات من الخدر أو التنميل أو اضطرابات الرؤية أو الدوار أو الإرهاق غير المبرر، لكنهم تجاهلوها في البداية لأنها اختفت من تلقاء نفسها.
وفي المقابل، يرصد غطالي اهتماماً متزايداً بالوقاية وصحة الدماغ، مع توجه عدد أكبر من الأشخاص إلى تقييم القدرات الإدراكية والاستشارات الوراثية وبعض الفحوص المتخصصة، إلا أن الوقاية في مجال طب الأعصاب لا تزال، بحسب تجربته، أقل شيوعاً من الفحوص الوقائية المرتبطة بأمراض القلب والسكري وارتفاع ضغط الدم.
وتكمن أهمية التوقيت في أن التشخيص المبكر لا يعني دائماً إمكانية الشفاء، لكنه قد يغير مسار التعامل مع المرض.
ففي حالات مثل الزهايمر والتصلب المتعدد وباركنسون وأمراض الأوعية الدموية الدماغية، قد يمنح اكتشاف المشكلة في وقت أبكر خيارات أوسع للتدخل والمتابعة والحفاظ على استقلال المريض وجودة حياته.
عوامل وراثية
وترى أوساط مجتمعية أن وجود العوامل الوراثية هو أهم ما يستدعي إجراء فحوص دورية وأن غياب المرض لا يستدعي زيارة الطبيب.
وفي هذا السياق، تؤمن المحامية ياسمين الصغير، بأن «درهم وقاية خير من قنطار علاج»، وتشجع على الفحوص الدورية، لكن زيارتها للطبيب في حياتها اليومية لا تزال مرتبطة في الغالب بظهور مشكلة صحية، إذ لا تلجأ عادة إلى الفحص الشامل في غياب الأعراض.
وتفصل ياسمين الصغير في الحالات البسيطة التي تعرف أسبابها وطريقة التعامل معها، الراحة والتدابير المنزلية الآمنة، بينما تحرص على مراجعة الطبيب فور ظهور عارض تدرك أنه يحتاج إلى تقييم متخصص، تجنباً لتأخر المتابعة.
وترى أن وجود عامل وراثي لأمراض معينة يستدعي المحافظة على دورية الفحوص، إلى جانب أهمية الحملات التوعوية النوعية في دفع الأفراد إلى الاهتمام بالكشف المبكر.
من جانب آخر، حيث تحرص فاطمة التميمي، على الوقاية عن طريق إجراء بعض الفحوص للاطمئنان حتى في غياب الأعراض، خصوصاً عند وجود تاريخ مرضي في العائلة، إلى جانب اهتمامها بالفحوص الوقائية وما قبل الحمل.
وتعتقد التميمي أن غياب الألم قد يكون في الوقت نفسه أحد الأسباب التي تدفع آخرين إلى تأجيل الفحص، إذ قد يشعر الشخص بأنه ما دام لا يعاني مشكلة واضحة فلا حاجة إلى زيارة الطبيب.
وترى أن المجتمع لا يزال يميل بصورة أكبر إلى العلاج بعد ظهور المشكلة، وأن الوقاية لا تصبح أولوية لدى البعض إلا بعد المرور بتجربة مرضية، سواء بشكل شخصي أو داخل الأسرة.
كما قد يتحول الخوف من اكتشاف المرض نفسه إلى سبب لتأجيل الفحص، رغم أن الاكتشاف المبكر يمنح فرصة أكبر للتعامل مع المشكلة.
الهاتف أولى المحطات
وبين الشعور بالعارض واتخاذ قرار زيارة الطبيب، أصبحت شاشة الهاتف محطة أولى لدى كثيرين.
وفي هذا السياق، أكدت الدكتورة لينا مينون، استشارية طب الأسرة، أن البحث عن الأعراض عبر «غوغل» والمواقع الصحية ومنصات التواصل الاجتماعي وأدوات الذكاء الاصطناعي أصبح سلوكاً متزايداً، خصوصاً بين الشباب والأشخاص المعتادين على استخدام التقنيات الرقمية.
وقد تبدأ رحلة البحث بصداع أو دوار أو إرهاق أو ألم في البطن أو الظهر، وتمتد إلى اضطرابات النوم ونقص الفيتامينات والآثار الجانبية للأدوية.
ولا ترى مينون مشكلة في بحث المريض عن المعلومات الصحية، بل إن المعرفة قد تساعده على خوض نقاش أكثر فاعلية مع طبيبه، إلا أن الخطورة تبدأ عندما تتحول المعلومة إلى تشخيص ذاتي.
وأوضحت أن العارض الواحد قد يرتبط بأسباب متعددة، تبدأ بحالة بسيطة وقد تصل إلى مشكلة تحتاج إلى تدخل طبي، بينما لا تستطيع أداة البحث أو الذكاء الاصطناعي فحص المريض أو قياس مؤشراته الحيوية أو تقييم حالته العامة والسياق السريري الكامل.
وقد يقود البحث في اتجاهين متناقضين؛ الأول تضخيم القلق بعد ربط عرض بسيط بأمراض خطيرة، والثاني أكثر خطورة حين يمنح الشخص شعوراً زائفاً بالاطمئنان، فيجد تفسيراً يراه مناسباً لأعراضه ويقرر أن زيارة الطبيب ليست ضرورية.
وتشير مينون إلى أنها قابلت مرضى وصلوا إلى العيادة وقد كوّنوا تشخيصاً مسبقاً لحالتهم، فيما بدأ آخرون تناول أدوية أو توقفوا عنها أو غيروا جرعاتها استناداً إلى معلومات حصلوا عليها عبر الإنترنت.
ويمتد الأمر إلى المضادات الحيوية، إذ قد يفترض البعض أن السعال أو التهاب الحلق أو الحمى تعني بالضرورة وجود عدوى بكتيرية، ما قد يقود إلى استخدامها من دون حاجة، بما يحمله ذلك من آثار جانبية ومخاطر مرتبطة بمقاومة مضادات الميكروبات.
ومع ذلك، لا تعني الدعوة إلى الكشف المبكر أن يتحول كل صداع أو إرهاق عابر إلى مصدر قلق، أو أن يخضع الأشخاص لفحوص عشوائية من دون حاجة.
الفارق يكمن في معرفة العلامات التي لا ينبغي تجاهلها، والفحوص المناسبة للعمر والحالة الصحية والتاريخ العائلي وعوامل الخطورة.
وتحذر مينون من محاولة تفسير بعض الأعراض ذاتياً عبر الإنترنت، وفي مقدمتها الألم المفاجئ أو الشديد في الصدر، وصعوبة التنفس، والضعف أو الخدر المفاجئ في أحد جانبي الجسم، وتدلي الوجه أو صعوبة الكلام، وفقدان الوعي أو التشنجات، والصداع المفاجئ والشديد وغير المعتاد، والنزيف الشديد، والتفاعل التحسسي المصحوب بصعوبة في التنفس.
الذكاء الاصطناعي يدعم تقييم المخاطر الصحية
تولي دولة الإمارات اهتماماً كبيراً بترسيخ مفهوم الوقاية والكشف المبكر، من خلال برامج وفحوص تستهدف رصد الأمراض وعوامل الخطورة في مراحل مبكرة، وتحويل الرعاية الصحية من التعامل مع المرض بعد ظهوره إلى الوقاية منه والحد من مضاعفاته.
برامج
وتدعم هيئة الصحة بدبي النهج الوقائي والكشف المبكر من خلال برامج متخصصة، من بينها برنامج «بسمة»، الذي يشمل الكشف عن سرطان الثدي والقولون والمستقيم وعنق الرحم، إضافة إلى التهاب الكبد الوبائي «B» و«C»، في إطار توجه يستهدف خفض المضاعفات وتعزيز فرص التدخل والعلاج المبكر.
كما يمتد توجه هيئة الصحة بدبي نحو الوقاية إلى توظيف التقنيات الحديثة، من خلال برنامج «إجادة»، الذي يستخدم الذكاء الاصطناعي لتحديد أفراد المجتمع الأكثر عرضة للإصابة بالأمراض قبل حدوثها، بما يتيح التدخل المبكر وتقليل المضاعفات، ويسهم في الحد من الإصابة بالأمراض المزمنة وتعزيز جودة الحياة.
ويعكس البرنامج تحولاً في مفهوم الرعاية الصحية من التعامل مع المرض بعد ظهوره إلى الاستفادة من البيانات والتقنيات الحديثة في استباق المخاطر الصحية وتعزيز الوقاية والكشف المبكر.
بدورها، تواصل مؤسسة الإمارات للخدمات الصحية تطوير خدماتها الوقائية وترسيخ الفحص الصحي الدوري كجزء أساسي من الممارسة الصحية اليومية، عبر برنامج «اطمئنان»، الذي يجمع بين التقييم الصحي الشامل، والتقنيات الرقمية، وتحليل المخاطر، وخدمات المتابعة والإحالة، بما يعكس توجه المؤسسة نحو الانتقال بالرعاية الصحية من الاستجابة للمرض بعد ظهور أعراضه إلى استباق المخاطر واكتشاف المؤشرات الصحية في مراحل مبكرة.
وكانت المؤسسة قد أعلنت في يونيو الماضي أن برنامج «اطمئنان» قدم أكثر من 120 ألف فحص منذ إطلاقه عام 2021 عبر 11 مركزاً صحياً، بما يؤكد اتساع نطاق البرنامج ودوره في دعم الوقاية والكشف المبكر، مدعوماً بتنوع قنوات تقديم الخدمة ووضوح مسارات المتابعة والإحالة.
ويتيح «اطمئنان» للبالغين المؤهلين من عمر 18 عاماً فأكثر رحلة فحص صحية يمكن إنجازها خلال نحو 20 دقيقة، تشمل تقييماً لعوامل الخطورة المرتبطة بالسكري، وارتفاع ضغط الدم، وأمراض القلب والأوعية الدموية، والسمنة، واضطرابات مستويات الكوليسترول، وأمراض الجهاز التنفسي، وهشاشة العظام، والصحة النفسية، إلى جانب أنواع محددة من السرطان.
وتقدم خدمات البرنامج من خلال مراكز فحص ثابتة، إلى جانب وحدات متنقلة تصل إلى الجهات الحكومية ومقار العمل والمواقع المجتمعية، بما يجعل خدمات الوقاية أكثر قرباً من أفراد المجتمع، ويسهم في دمج الفحص الدوري ضمن أنماط الحياة اليومية.
قراءة المخاطر
ويشكل توظيف الذكاء الاصطناعي أحد العناصر الرئيسة في تطوير خدمات البرنامج، حيث يستخدم في تقييم المخاطر الصحية ودعم عملية اتخاذ القرار السريري، من خلال تحليل البيانات الديموغرافية والتاريخ الطبي والعائلي وعوامل نمط الحياة والقياسات السريرية ونتائج الفحوص المخبرية.
وتولي المؤسسة اهتماماً خاصاً بترسيخ ثقافة الوقاية لدى فئة الشباب، في ظل تسجيل الفئة العمرية من 18 إلى 29 عاماً أدنى مستويات الالتزام بالفحوص مقارنة بالفئة العمرية من 40 إلى 65 عاماً التي تسجل أعلى مستويات المشاركة، حيث يوفر وصول البرنامج إلى أعداد كبيرة من الشباب فرصة لتعزيز الوعي الصحي منذ مراحل مبكرة، ولا سيما أن عوامل خطورة مثل السمنة وارتفاع ضغط الدم واضطرابات الكوليسترول ومخاطر الإصابة بالسكري قد تبدأ في سن مبكرة حتى في غياب الأعراض.