بناء كوادر صحية مستدامة ومؤهلة للمستقبل قادرة على تقديم خدمات صحية بمعايير أعلى

«ميثا» مشروع مبتكر يتيح الوصول إلى كفاءات تمريضية من مختلف دول العالم

الذكاء الاصطناعي قادر على تحليل المؤهلات الأكاديمية والشهادات المهنية بصورة سريعة وموضوعية

أكد خبراء في قطاع الرعاية الصحية أن توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي، خصوصاً الذكاء الاصطناعي القائم على الوكلاء، يسهم في تسريع استقطاب الكوادر التمريضية، وتقليص فترات التوظيف.

وكانت مؤسسة الإمارات للخدمات الصحية قد كشفت عن مشروع مبتكر يحمل اسم «ميثا»، يعتمد على الذكاء الاصطناعي كوكيل تفاعلي لاستقطاب الكوادر التمريضية.

وتمتلك الإمارات مقومات متقدمة لتوظيف هذه التقنيات في معالجة نقص الكوادر الصحية، من دون المساس بمعايير الجودة، حيث تعكس «الاستراتيجية الوطنية للتمريض والقبالة 2026» توجهاً واضحاً نحو بناء كوادر صحية مستدامة ومؤهلة للمستقبل، قادرة على تقديم خدمات صحية بمعايير أعلى.

وأوضحوا أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يختصر كثيراً من الإجراءات الإدارية المتعلقة بفرز المرشحين، والتحقق من المؤهلات، ومراجعة الوثائق، لكنه يجب أن يبقى أداة داعمة للقرار المهني البشري، لا بديلاً عنه، وخصوصاً عند تقييم الكفاءة السريرية، ومهارات التواصل، والتعاطف، والقدرة على التعامل مع المرضى في مواقف واقعية.

كفاءة واستقطاب

وقال الدكتور كيشان باكال، الرئيس التنفيذي للمستشفى الدولي الحديث، إن التمريض يشكل العمود الفقري لمنظومة الرعاية الصحية، وإن أي تأخير في استقطاب الكوادر التمريضية يفرض ضغطاً مباشراً على الفرق العاملة.

وأوضح أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يدعم كفاءة التوظيف عبر أتمتة المهام الإدارية، مثل فرز الطلبات والتحقق من المؤهلات ومطابقة المرشحين مع الوظائف المناسبة، بما يتيح لفرق التوظيف التركيز على استقطاب الكفاءات بسرعة أكبر.

وأضاف باكال أن الذكاء الاصطناعي قادر على تحليل المؤهلات الأكاديمية والشهادات المهنية والتراخيص والخبرات العملية بصورة سريعة وموضوعية، حتى مع اختلاف الأنظمة التعليمية بين الدول، غير أن التمريض يبقى مهنة إنسانية لا يمكن للخوارزميات وحدها تقييم جوانبها كاملة، وخصوصاً الحكم السريري والتفكير النقدي والقدرة على التكيف والكفاءة العملية.

وشدد على ضرورة أن يكون الذكاء الاصطناعي أداة مساندة في التقييم لا بديلاً عن المقابلات الشخصية والاختبارات العملية والتحقق من المراجع المهنية، مؤكداً أهمية الحوكمة الصارمة عند استخدامه في التوظيف الصحي، بحيث يقتصر دوره على الفرز الأولي، فيما تبقى القرارات النهائية بيد المختصين في الموارد البشرية والقيادات الطبية.

إسهام فعال

وقالت سانيثا رون، رئيسة موارد بشرية، إن التأخيرات في توظيف الكوادر التمريضية يؤدي إلى زيادة الضغط على فرق العمل الحالية، وترفع مستويات التوتر والإرهاق بين الممرضين والممرضات.

وأوضحت أن الذكاء الاصطناعي القائم على الوكلاء يمكن أن يسهم في تسريع عمليات توظيف الكوادر التمريضية، بما يساعد على الحد من النقص في أعداد العاملين وتخفيف ضغط العمل على فرق الرعاية الصحية، لافتة إلى أن تسريع التوظيف قد ينعكس إيجاباً على توزيع المناوبات وتقليل ساعات العمل الإضافية.

وفي ما يتعلق بتقييم مؤهلات الممرضين والممرضات القادمين من دول وخلفيات تعليمية مختلفة، قالت إن أنظمة الذكاء الاصطناعي المستقلة يمكن أن تساعد على مراجعة التراخيص المهنية والشهادات والسجل الوظيفي والمؤهلات التعليمية الصادرة من دول متعددة بسرعة وكفاءة، كما يمكن أن تعزز موضوعية عمليات التوظيف عبر تحديد المرشحين الذين يستوفون المعايير المطلوبة بصورة أكثر اتساقاً.

وأكدت أن تقييم الكفاءة السريرية الفعلية والخبرة العملية يظل عملية معقدة تتطلب تدخلاً بشرياً، ومقابلات شخصية، وتقييمات ميدانية وعملية مباشرة.

تحديات التوظيف

من جانبه، قال أفيناف نيغام، المؤسس والرئيس التنفيذي لمجموعة «تيرن»، إن فترات التوظيف الدولية التي قد تستغرق شهرين إلى ثلاثة أشهر تنقل العبء مباشرة إلى الكوادر التمريضية الموجودة داخل النظام الصحي.

وأضاف أن دولة الإمارات، وفقاً لتقرير لشركة «كوليرز» العالمية المتخصصة في الاستشارات العقارية والاستثمارية، أشار إلى أنه في ما يتعلق بالرعاية الصحية والتعليم، تحتاج إلى أكثر من 33 ألفاً من الكوادر الصحية الإضافية بحلول عام 2030، مشيراً إلى أن تلبية هذا الطلب لا يمكن أن تتم عبر أنظمة توظيف تقليدية أو قديمة.

خلل هيكلي

وقال إن الذكاء الاصطناعي القائم على الوكلاء يعالج جانباً أساسياً من المشكلة من خلال تقليص العبء الإداري، وتسريع عمليات الفرز، والتحقق، وإدارة الوثائق، بما يتيح للفرق الطبية التركيز على الجانب الإنساني والقرارات السريرية التي تتطلب الخبرة والحكم المهني، لكنه أشار إلى أن تسريع التوظيف باستخدام الذكاء الاصطناعي لا يكفي وحده لمعالجة بيئات العمل غير الآمنة، أو ضعف القيادة الإدارية، أو أنماط المناوبات غير المستدامة.

وأكد أن الحل الحقيقي يتطلب الجمع بين التكنولوجيا والإصلاح الهيكلي، معتبراً أن الذكاء الاصطناعي القائم على الوكلاء يمنح الإصلاحات التقليدية قدرة أكبر على التوسع والسرعة، لكنه لا يعد حلاً كافياً بمفرده.

وفي ما يخص تقييم المؤهلات الدولية، قال نيغام إن الذكاء الاصطناعي يمكنه التحقق من صحة المؤهلات، ومطابقة الأنظمة واللوائح التنظيمية بين مختلف الدول، وتحديد الفجوات بين تدريب المرشح ومتطلبات الوظيفة المستهدفة.

وأضاف أن هذه الأنظمة توفر سجلاً رقمياً قابلاً للتدقيق لجميع مراحل التقييم، بما يعزز الكفاءة التشغيلية والامتثال التنظيمي، غير أنه شدد على ضرورة دمج الضوابط الأخلاقية ومعايير الجودة في أنظمة الذكاء الاصطناعي منذ مرحلة التصميم، لا الاكتفاء بمراجعة بشرية في المرحلة الأخيرة.

وأشار إلى أن الإمارات تمتلك مقومات متقدمة لتوظيف هذه التقنيات في معالجة نقص الكوادر الصحية من دون المساس بمعايير الجودة، لافتاً إلى أن «الاستراتيجية الوطنية للتمريض والقبالة 2026» تعكس توجهاً واضحاً نحو بناء كوادر صحية مستدامة ومؤهلة للمستقبل، قادرة على تقديم خدمات صحية بمعايير أعلى.

من جانبها، قالت أحلام سرحان، مدير العمليات السريرية في مستشفى الشيخ سلطان بن زايد، إن تأخر توظيف الكوادر التمريضية ينعكس بشكل مباشر على زيادة عبء العمل داخل المنشآت الصحية، وارتفاع معدلات الإرهاق الوظيفي.

وأكدت أن الحاجة باتت ملحة إلى آليات توظيف أكثر كفاءة للحفاظ على جودة الرعاية وسلامة المرضى، مشيرة إلى أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يختصر الوقت اللازم لفرز المرشحين وتسريع إجراءات التوظيف.

خطط فعالة

وأوضحت أن مواجهة هذا التحدي تتطلب أيضاً تخطيطاً فعالاً للقوى العاملة، وبرامج للاحتفاظ بالكفاءات، إلى جانب التطوير المهني المستمر، معتبرة أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون أداة مساندة مهمة ضمن منظومة أوسع لإدارة الموارد البشرية في القطاع الصحي.

مشروع مبتكر

وكانت مؤسسة الإمارات للخدمات الصحية قد كشفت مؤخراً عن مشروع مبتكر يحمل اسم «ميثا»، يعتمد على الذكاء الاصطناعي كوكيل تفاعلي لاستقطاب الكوادر التمريضية، حيث يتيح المشروع للمؤسسات الصحية الوصول إلى كفاءات تمريضية من مختلف دول العالم، وتقييمها بشكل شامل، بما يضمن مواءمتها مع احتياجات ومتطلبات الجهات الصحية المختلفة.

وتمكن منصة «ميثا» المؤسسات الصحية من تحديد المهارات والكفاءات المطلوبة بدقة، إذ تقوم بإجراء مقابلات افتراضية مع الممرضين والممرضات المرشحين، وتقييم قدراتهم المهنية وفق متطلبات العمل، سواء في مجالات العناية المركزة أو الطوارئ أو غيرها من التخصصات، حيث يحدد النظام الأسئلة المناسبة لكل تخصص، ويحلل الإجابات لقياس مدى جاهزية المرشح للعمل في المجال المطلوب.

تحليلات متقدمة

كما تتيح المنصة للمؤسسات تقنين استخدامها بما يتماشى مع احتياجاتها الاستراتيجية، بما يشمل التخطيط المستقبلي للموارد البشرية، وحصر المواهب المتوافرة داخل المؤسسة، وتقييم المسارات الوظيفية المحتملة للكوادر خلال السنوات المقبلة، لافتة إلى أن «ميثا» توفر تحليلات متقدمة حول شخصية المرشحين استناداً إلى إجاباتهم، مع حفظ جميع البيانات داخل المنصة واستخدامها لدعم اتخاذ القرارات المختلفة.