أولياء أمور: الخطر لا يقتصر على الطفل ويمتد إلى المنظومة الأسرية بالكامل

حذّر خبراء وأولياء أمور من خطورة انقطاع أطفال التوحد عن الجلسات التأهيلية، مؤكدين أن التوقف لا يعني فقط تعطّل مسار التقدم، بل قد يقود إلى فقدان مهارات استغرق بناؤها سنوات، في ظاهرة تعرف بـ«الانتكاس».

وأكد محمد العمادي، مدير عام مركز دبي للتوحد وعضو مجلس إدارته، أن المركز ملتزم بعدم ترك أي طالب خلف الركب، مشيراً إلى أنهم في سباق مع الزمن للحفاظ على كل خطوة تقدم حققها الطلبة. وقال إن المركز لم يقف مكتوف اليدين أمام خطر الانتكاس، لافتاً إلى أن الكلفة الإنسانية والاجتماعية لانقطاع الخدمات التأهيلية باهظة جداً، ولذلك تم تفعيل بروتوكول الطوارئ الخاص بالتدخل الشامل عن بُعد، مع تسخير جميع الإمكانات لضمان وصول الخدمة إلى كل منزل.

وشدد العمادي على أن استمرارية التأهيل تمثل أولوية وطنية تنسجم مع رؤية الدولة في حماية حقوق أصحاب الهمم تحت أي ظرف، مضيفاً أن التحديات الراهنة تتطلب تكاتفاً وثيقاً بين المركز والأسرة. وأشار إلى أن المركز يوفر دعماً إرشادياً ونفسياً مكثفاً لأولياء الأمور ضمن هذا البروتوكول، لتمكينهم من قيادة هذه المرحلة بكفاءة، انطلاقاً من قناعة بأن التعليم حق لا يتوقف، وأن التطوير ممارسة لا تحدها العوائق الجغرافية أو الظروف الاستثنائية.

الأبعاد العلمية

وأوضح الدكتور نيكولاس أورلاند، المدير التنفيذي للبرامج في مركز دبي للتوحد، الأبعاد العلمية لخطورة الانقطاع عن الجلسات التأهيلية، قائلاً إن علم تحليل السلوك التطبيقي (ABA) لا يقتصر على بناء معلومات أكاديمية، بل يقوم على ترسيخ مسارات عصبية وسلوكية تعتمد على التكرار والتعزيز المستمر.

وأضاف أن انقطاع التدخل، حتى ولو لفترة قصيرة، قد يؤدي إلى فقدان الطالب مهارات حيوية سبق أن أتقنها، مثل مهارات التواصل الأساسية أو القدرة على التنظيم الذاتي، موضحاً أن الانتكاس لا يعني فقط توقف التقدم، بل قد يتمثل أيضاً في عودة سلوكيات نمطية أو حادة كانت قد اختفت، ما يجعل مهمة إعادة التأهيل لاحقاً أكثر صعوبة وتعقيداً.

الاحتراق النفسي

وقالت إيمان عبدالكريم أحمداني، مديرة شؤون الأسرة وبرامج التربية الخاصة في المركز، إن الخطر لا يقتصر على الطفل وحده، بل يمتد إلى المنظومة الأسرية بالكامل.

وأضافت أن فقدان الطفل لمهارة التواصل أو السيطرة على انفعالاته نتيجة انقطاع الروتين يضاعف الضغوط النفسية على الوالدين، مشيرة إلى أن أحد أهم أدوار المركز يتمثل في منع الأسر من الوصول إلى مرحلة «الاحتراق النفسي».

وأوضحت أن استمرار التدخل الشامل عن بعد يشكل «طوق نجاة» يحمي الأسرة من الانهيار تحت وطأة السلوكيات الناتجة عن الفراغ أو التغيّر المفاجئ في النظام اليومي للطفل.

وقالت ولية أمر لطفل من ذوي التوحد إن أكبر مخاوفها تتمثل في عودة ابنها إلى الصمت مرة أخرى، موضحة أن تمكينه من النطق بكلمات بسيطة للتعبير عن الجوع أو الألم استغرق عامين كاملين، وأن انقطاع الجلسات يعني بالنسبة إليها العودة إلى نقطة الصفر، وهو «كابوس» يلاحقها كل ليلة.

وقال أحد الآباء إن الأيام القليلة التي اضطر فيها ابنه إلى البقاء في المنزل من دون توجيه متخصص كانت كافية لملاحظة عودة حركات نمطية متكررة لم تظهر منذ أشهر، مؤكداً أن وجود المعالج لا يقتصر على التعليم، بل يمثل بوصلة تعيد التوازن لابنه، وتمنح الأسرة أدوات أفضل للتعامل مع نوباته الحسية.

المعالج المساعد

وتقول أم لثلاثة أطفال، أحدهم من ذوي التوحد، إن التحدي الأكبر الذي تواجهه يتمثل في التشتت العائلي، موضحة أنه عندما تبدأ جلسة التدخل عن بُعد مع ابنها، يظن أشقاؤه الآخرون أنها متاحة لهم لأنها موجودة في المنزل، فيبدؤون بمقاطعتها وطلب احتياجاتهم، من دون أن يدركوا أنها في تلك اللحظة لا تؤدي فقط دور الأم، بل أيضاً دور المعالج المساعد الذي يتعين عليه التركيز الكامل مع توجيهات المركز عبر الشاشة.

وأضافت أن هذا الضغط اليومي يولد توتراً داخل الأسرة، وقد ينعكس على علاقة الإخوة ببعضهم بعضاً.

وقال أبو ماجد، وهو والد لطفل في مرحلة المراهقة، إن ابنه يحتاج إلى مساحة خاصة وشعور بالاستقلال، وإن وجوده الدائم إلى جانبه خلال الجلسات المنزلية يجعله يشعر بالتقييد، ما يدفعه أحياناً إلى رفض التعاون. وأضاف أن المنزل يمثل بالنسبة لابنه منطقة راحة، وتحويله إلى بيئة تعليمية صارمة يثير لديه شعوراً بالتمرد، مشيراً إلى أن التحدي الحقيقي يكمن في كيفية الفصل بين دور الوالدين وبين دورهما في تنفيذ البروتوكول السلوكي، من دون الإضرار بالعلاقة العاطفية مع الابن.

البيئة العلاجية

ويعتمد البروتوكول الجديد على نموذج التدخل المتعدد التخصصات، الذي ينقل البيئة العلاجية من أروقة المركز إلى منازل الطلبة عبر منصات رقمية تفاعلية، بما يضمن استمرارية الخطط التربوية والفردية المعتمدة لكل طالب، في ظل التحول إلى التعليم عن بُعد نتيجة الظروف الراهنة.

ويُعد التوحد أحد أكثر اضطرابات النمو شيوعاً، إذ يظهر عادة خلال السنوات الثلاث الأولى من عمر الطفل ويلازمه في مختلف مراحل حياته، كما يؤثر في قدراته التواصلية والاجتماعية، بما قد يؤدي إلى عزلته عن محيطه.

وتشير دراسات عالمية إلى تزايد معدلات هذا الاضطراب، فيما قدّر تقرير حديث صادر عن مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها في الولايات المتحدة إصابة واحدة بين كل 31 طفلاً، مع تقارب معدلات الانتشار في كثير من دول العالم.