أشادت القيادات الفكرية والدينية والأكاديمية المشاركة في النسخة الثانية من منتدى "الحوار بين الثقافات والأديان" بين النمسا والامارات المنعقدة في العاصمة النمساوية فيينا، في بداية جلسات اليوم الثاني من المنتدى، بالكلمة المهمة لمعالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان، وزير التسامح والتعايش، وثمنت دعمه المستمر لأنشطة المنتدى باعتباره منصة رائدة لتعزيز قيم التسامح والأخوة الإنسانية والتعايش السلمي بين الشعوب.
وأكدت القيادات أن رؤية معاليه تشكل خريطة طريق لبناء جسور التواصل الحضاري بين الشعوب حول العالم، لاسيما في ظل التحديات المتسارعة التي يفرضها العصر الرقمي على فئة الشباب.
وشهدت فعاليات اليوم الثاني للمنتدى جلسات نقاشية معمقة انطلقت بمشاركة نخبة من المسؤولين، والأكاديميين، ورجال الدين من البلدين، وركزت الحوارات المفتوحة في جلسات المنتدى على تعزيز الأخوة الإنسانية في الفضاء الرقمي وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي، وأبعاد المواطنة الرقمية، وأخلاقيات التكنولوجيا الحديثة، والمسؤولية المشتركة في إعداد الأجيال القادمة.
كان معالي الشيخ نهيان بن مبارك قد أكد خلال الجلسة الرئيسية للمنتدى أن النمسا والإمارات تتشاركان إيماناً راسخاً بأن الحوار بين الشعوب، واحترام الكرامة الإنسانية، والانفتاح المتبادل، تشكل الركائز الأساسية لبناء مجتمعات ينعم فيها الجميع بالسلام والازدهار، وفي وقت لا يزال عالمنا يواجه فيه النزاعات والانقسامات وسوء الفهم، تبرز الأهمية البالغة لهذه القيم؛ فالإخوة الإنسانية والتسامح ليسا مجرد مفاهيم مجردة، بل مبدآن أساسيان يحددان مسار تعايشنا المشترك، وآلية التعاون بين الدول، وسبل مواجهة التحديات التي تمسنا جميعاً.
من جانبها أكدت سعادة عفراء الصابري، المدير العام لوزارة التسامح والتعايش رئيس الوفد الإماراتي المشارك بالمنتدى، الأهمية البالغة التي يمثلها منتدى الحوار، باعتباره منصة حضارية رائدة ومستدامة لتبادل الآراء، والخبرات، والرؤى الاستراتيجية بين البلدين الصديقين، مؤكدة أن المنتدى يجسد نموذجاً حياً للشراكات الإنسانية الدولية التي تسعى إلى مواكبة المتغيرات المعاصرة، حيث نجحت جلساته في تشخيص واقع الشباب في العصر الرقمي، من خلال مناقشة قضايا جوهرية، بدأت ببحث آليات تشكيل الهوية الدينية المسؤولة، وتعزيز الأخوة الإنسانية والمواطنة الصالحة في الفضاء الرقمي، مروراً باستشراف مستقبل التعلم الديني والتفاهم الثقافي في ظل الذكاء الاصطناعي وأخلاقياته، وصولاً إلى صياغة نماذج عمل تضمن تكامل الأدوار بين الحكومات، والجامعات، والمؤسسات الدينية والشبابية.
وأضافت أن مشاركة الإمارات في هذا الحدث المهم تنطلق من رؤية وطنية راسخة وضعتها القيادة الرشيدة، ترتكز على إيماننا المطلق بأن التسامح والتعايش السلمي هما الركيزتان الأساسيتان لاستقرار المجتمعات وازدهارها، مؤكدة أن نقل التجربة الإماراتية في التلاحم المجتمعي والتعايش بين مختلف الثقافات والأديان إلى الساحة الدولية أمر مهم للغاية، مع السعي المشترك مع الزملاء من النمسا لبناء مساحات رقمية آمنة ومستنيرة للشباب لحماية الأجيال القادمة وإعدادهم ليكونوا مواطنين صالحين يحملون رسائل السلام إلى العالم.
وأكد سعادة خالد محمد النعيمي، مدير المؤسسة الاتحادية للشباب، خلال الجلسة الاولى أن الرؤية الإماراتية تركز على تمكين الشباب الإماراتي في كافة المجالات لاسيما ما يتعلق بالهوية والانتماء والدين، مشددا على أهمية دور التوعية بقدرات وتحديات عصر الذكاء الاصطناعي في كل ما يتعلق بالقيم الدينية والأخلاقية والمجتمعية.
وحفلت الجلسة الثانية من المنتدى بحوار وأوراق عمل وبحث المشاركون فيها سبل ترجمة قيم الحوار، والاحترام المتبادل، وقيم الأخوة الإنسانية، إضافة إلى مشاركة رقمية إيجابية ومواطنة مسؤولة عبر الإنترنت.
تحدث في الجلسة كل من جوليا شنيتزلين، القسيسة اللوثرية في الكنيسة البروتستانتية، وسعادة المستشار محمد عبدالسلام، الأمين العام لمجلس حكماء المسلمين، إلى جانب الدكتور أستريد ماتيس من جامعة فيينا، وسمر السماحي الأستاذة بقسم الدراسات الإسلامية بجامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية.
وأكد سعادة المستشار محمد عبدالسلام أهمية تحصين الشباب من المعلومات المضللة والاستقطاب الرقمي وخطابات الكراهية والتطرف، وتعزيز قدراتهم على التفكير النقدي والاستخدام الواعي والمسؤول للتكنولوجيا، مشيرًا إلى أن وثيقة الأخوة الإنسانية، التي وقعها فضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف رئيس مجلس حكماء المسلمين، وقداسة البابا الراحل فرنسيس، في أبوظبي عام 2019، تمثل مرجعية أخلاقية وإنسانية لترسيخ قيم الحوار والتعايش واحترام التنوع الديني والثقافي في الفضاء الرقمي.
وأشاد سعادته بجهود دولة الإمارات العربية المتحدة في تعزيز التسامح والتعايش والأخوة الإنسانية، وبالمبادرات الإنسانية التي يقوم بها معالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان، وزير التسامح والتعايش، من أجل ترسيخ ثقافة الحوار والتفاهم بين الأديان والثقافات، داعيًا إلى تعزيز التعاون بين المؤسسات الدينية والأكاديمية والإعلامية لإطلاق مبادرات مشتركة للتربية الإعلامية والرقمية، وتمكين الشباب من إنتاج محتوى يعزز الحوار والتعايش، ويواجه التضليل وخطابات الكراهية والتطرف.
وجاءت الجلسة الثالثة لتسلط الضوء على قضية الساعة تحت عنوان "الذكاء الاصطناعي، والأخلاقيات، ومستقبل التعلم الديني" وتناولت الفرص والتحديات الأخلاقية التي يفرضها الذكاء الاصطناعي على التعليم الديني، وأهمية التفاهم بين الثقافات، والخطاب العام المستنير، وأهمية إيجاد أرضية مشتركة بين الجميع تركز على القيم الإنسانية التي لا يجب تجاوزها مع استخدام هذه التقنيات الحديثة، وشارك في تقديم الرؤى خلالها عبدالعزيز أحمد الشحي، نائب المدير العام لمركز "تريندز" للبحوث والاستشارات، والدكتور هارالد تريب، الكاهن الكاثوليكي، والعقيد الدكتور محمد خليفة الحمودي من لجنة حقوق الإنسان بوزارة الداخلية، والدكتور تابيا أوت من جامعة فيينا.
وناقشت الجلسة الرابعة من المنتدى موضوع "تعليم مواطني العالم: مسؤولية مشتركة بين الحكومات والجامعات والمجتمعات الدينية" وركز المتحدثون على تقديم رؤية مفصلة حول المناهج والأطر التعليمية والتربوية الحالية، مؤكدين ضرورة صياغة نماذج عملية ومبتكرة للشراكة الاستراتيجية والتكاملية بين المؤسسات الحكومية، والجامعات الأكاديمية، والمؤسسات الدينية، والمنظمات الشبابية.
واستهدفت النقاشات وضع آليات مستدامة لإعداد وتأهيل الجيل القادم وتزويده بالمهارات الفكرية والاجتماعية اللازمة لترسيخ قيم التعايش السلمي، وقبول الآخر، وبناء السلم المجتمعي في عالم يتسم بالترابط الرقمي والتعقيد الثقافي.
وشهدت الجلسة تفاعلاً واسعاً ونقاشات مهمة من المتحدثين وهم شلومو هوفميستر، حاخام المجتمع اليهودي في فيينا، ومحمد علي عبدالرحمن العطاس، الواعظ الإسلامي بالهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف والزكاة، والدكتور سرحان ذويب من جامعة فيينا، وبراناف ديساي، مدير معبد "BAPS هندو ماندير" بأبوظبي.
وشدد المشاركون على أن التعليم المعاصر لم يعد مجرد تحصيل معرفي، بل أداة حصانة فكرية تحمي عقول الشباب من تيارات التطرف والانغلاق، مؤكدين أهمية الدور الجوهري للجامعات والمؤسسات الدينية في تعميق وبناء الوعي الإنساني المشترك.
وأوضحوا أن المسؤولية الجماعية تفرض على الحكومات توفير البيئة التشريعية والداعمة التي تسمح لهذه المبادرات بالنمو والانتشار، بما يضمن انتقال هذه النماذج من التأسيس النظري إلى التطبيق الميداني الفعال الذي يلامس واقع المجتمعات وتطلعاتها نحو السلام.
وأجمع المشاركون في هذه الجلسات على أهمية وضع رؤية عملية لتعزيز التلاحم المجتمعي الرقمي والواقعي، بما يخدم ترسيخ التسامح والتعايش والسلام العالمي، مؤكدين أن المنتدى جاء تجسيداً للعلاقات المتميزة والشراكة الوثيقة التي تجمع بين دولة الإمارات وجمهورية النمسا، والرؤية المشتركة للبلدين حول أهمية صياغة منصات عالمية تفاعلية تجمع بين الأديان والثقافات المختلفة.
وشدد المشاركون على أن التركيز الأساسي للمنتدى في نسخته الثانية على الشباب كان بالغ الأهمية، حيث ركزت النقاشات على كيفية حمايتهم فكرياً وثقافياً في ظل تقنيات الذكاء الاصطناعي وتطورها المستمر، وكيفية تمكينهم من قيادة مبادرات السلام والتعايش والحوار بين الأديان الثقافات.