وأكد مسؤولو الشركات والخبراء لـ«البيان» أن المرحلة المقبلة قد تشهد تحولاً نحو خدمات حكومية أكثر استباقيةً واعتماداً على وكلاء الذكاء الاصطناعي، بما يسهم في تسريع إنجاز المعاملات وخفض التكاليف التشغيلية وتحسين تجربة المتعاملين، بالتوازي مع تعزيز الأمن السيبراني والحوكمة والثقة الرقمية.
واليوم نرى بوضوح أن هذا الاستثمار يؤتي ثماره؛ إذ باتت حياة المواطنين والمقيمين والزوار أكثر سلاسة وسهولة من أي وقت مضى. وحين يرى أكثر من ثلاثة أرباع المتعاملين أن الخدمات الحكومية تتفوق على ما يقدمه القطاع الخاص، فإن هذا مؤشر استثنائي يعكس نهجاً حكومياً جعل الإنسان محور كل خدمة، وحوّل المعاملات التي كانت تستغرق أياماً إلى خطوات بسيطة تُنجز في دقائق.
كما أن الإعلان الذي كشف عنه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، بشأن أكبر تغيير مرتقب في شكل الخدمات الحكومية وآليات تقديمها إلى الجمهور، يبعث برسالة واضحة مفادها أن الإمارات لا تكتفي بمواكبة التحولات التقنية العالمية، بل تسعى إلى استباقها وصياغة مستقبلها. وفي هذا السياق يمثل الذكاء الاصطناعي المساعد مرحلة جديدة في تطور الخدمات الرقمية.
حيث يمكنه الانتقال بالخدمات من نموذج يعتمد على التفاعل مع الطلبات إلى نموذج أكثر ذكاءً وقدرة على فهم احتياجات المتعاملين وتوقعها وتقديم الدعم المناسب في الوقت المناسب. القفزة التالية للإمارات
فعندما ينتقل شخص إلى منزل جديد أو يؤسس نشاطاً تجارياً، يمكن لهؤلاء الوكلاء استباق المتطلبات، والتحقق من الأهلية، وتنسيق الخدمات، وإتمام المدفوعات المصرّح بها بين مختلف الجهات. وسيعيش الناس رحلة واحدة متكاملة، بعدد أقل من الطلبات، ووقت انتظار أقصر، وجهد أقل.
وهذا يعني ذكاءً اصطناعياً حكومياً مصمماً للتعامل مع وكلاء الذكاء الاصطناعي، بما يمكّن من قيام اقتصاد وكيلي في إطار تفويض سيادي إماراتي، إذ يمكن للوكلاء تبادل المعلومات الموثقة وتنفيذ المعاملات ضمن القواعد التي تضعها الدولة، مع احتفاظ الأفراد بالسيطرة على من يمثّلهم. أما بريمشاند كوروب، الرئيس التنفيذي لشركة «باراماونت أشور»، فقال:
وضعت الإمارات بالفعل نموذجاً متقدماً في مجال الحكومة الرقمية، ويمكن للذكاء الاصطناعي الوكيل أن يدفع هذه المنظومة إلى مرحلة جديدة، عبر تمكين الخدمات من فهم طلبات المتعاملين، والتنسيق بين مختلف الأنظمة، وتنفيذ الإجراءات بأقل قدر ممكن من التدخل البشري. ويمكن لهذا التحول أن يخفف بشكل ملموس من الأعباء الإدارية المتكررة، ويتيح لفرق العمل الحكومية توجيه وقتها وخبراتها نحو الحالات والمتطلبات الأكثر تعقيداً.
لكن منح وكلاء الذكاء الاصطناعي القدرة على الوصول إلى البيانات واتخاذ إجراءات عبر الأنظمة الحكومية يفرض في المقابل متطلبات جديدة على الأمن السيبراني، إذ ينبغي التعامل مع هؤلاء الوكلاء كهويات رقمية مستقلة، مع تحديد نطاق صلاحياتهم بدقة، ومراقبة أنشطتهم بصورة مستمرة، ووضع ضوابط واضحة تحدد البيانات والأنظمة التي يمكنهم الوصول إليها، والإجراءات التي يُسمح لهم بتنفيذها.
وهنا تمتلك الإمارات فرصة لترسيخ مفهوم «الثقة الرقمية المؤتمتة» كعنصر أساسي في خدماتها الحكومية، وربما تحقيق إنجاز عالمي غير مسبوق في هذا المجال. ومن شأن ذلك أن يبرهن على إمكانية الجمع بين خدمات حكومية أكثر ذكاءً واستقلالية، وبين مستويات عالية من الأمن والمساءلة وثقة الجمهور.
مرحلة جديدة
يقول: المرحلة المقبلة لا تتمثل فقط في إضافة مساعد للذكاء الاصطناعي إلى الخدمات الحالية، بل في توظيف وكلاء ذكاء اصطناعي قادرين على فهم طلب المتعامل، والوصول إلى الأنظمة ذات الصلة، وتنسيق مختلف الخطوات، وإتمام المعاملة بأقل قدر ممكن من التدخل البشرية.
وأما بالنسبة إلى الجهات الحكومية فيمكن لهذا التحول أن يسهم في تسريع إنجاز المعاملات بها، وخفض التكاليف التشغيلية، والتعامل مع ارتفاع الطلب على الخدمات من دون الحاجة إلى زيادة القدرات التشغيلية اليدوية بالمعدل نفسه.
وأضاف: تتمتع الإمارات بمقومات قوية تؤهلها لقيادة هذا التحول، بفضل بنيتها التحتية الرقمية المتقدمة وتركيزها المستمر على تطوير الخدمات الحكومية.تغيير أعمق
وأضاف: في قطاعات المياه والطاقة والبنية التحتية وإدارة المرافق ترتبط الكفاءة بقدرة الجهات المشغلة على قراءة البيانات التشغيلية بصورة مستمرة، واكتشاف مؤشرات الخلل، وإدارة الموارد وفق المتغيرات الفعلية.
ويمكن للذكاء الاصطناعي الوكيل أن يضيف قدرة أكبر على تحليل هذه البيانات وربطها بالقرارات التشغيلية، بما يساعد على تقليل فترات التعطل وتحسين الصيانة واستخدام الموارد بصورة أكثر دقة، وخفض الكلفة المرتبطة بالعمليات.
لقد ارتفعت توقعات العملاء، وعلى القطاع الخاص مواكبة هذا التطور؛ فقد قمنا خلال الأشهر القليلة الماضية بدمج الذكاء الاصطناعي في العديد من عملياتنا وأنظمتنا، ما ساعدنا بشكل كبير على توسيع نطاق أعمالنا.
وكان أبرز تغيير لمسناه هو سرعة الاستجابة، إذ أصبحت العروض والتقارير والتوصيات العقارية تصل إلى العملاء بشكل أسرع بكثير من السابق، حيث يتولى الذكاء الاصطناعي المهام التي تتطلب وقتاً وجهداً، ليتمكن مستشارونا من التركيز على ما يقدّره العملاء أكثر.
وفي أي وقت من اليوم. وما كان يستغرق من فريق عمل أياماً أصبح اليوم يتم بشكل فوري، وعملاؤنا يلمسون هذا الفرق. وهنا تكمن القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي؛ ليس في الاستبدال بالأشخاص، بل في منحهم مزيداً من الوقت وجعل كل تفاعل أكثر سهولة وسلاسة.
وهذه هي العقلية نفسها التي جسدتها حكومتنا؛ بأن تعيد الخدمة سريعة تعريف تجربة العملاء. والمؤسسون الذين يتعلمون من هذا النهج سيكونون هم من يقودون المستقبل.
نهج مستمر متطور
كما أن نتيجة الدراسة، التي تشير إلى أن أكثر من 75 % من المقيمين يرون أن الخدمات الحكومية الرقمية تتفوق على نظيرتها في القطاع الخاص، تمثل تحولاً لافتاً عن الاتجاه العالمي المعتاد، حيث يكون القطاع الخاص عادةً هو المعيار الذي تُقاس عليه جودة التجارب الرقمية.
وهذا يؤكد أن حكومة الإمارات تعاملت مع خدماتها الرقمية بالطريقة التي تتبعها أفضل شركات التكنولوجيا الموجهة للمستهلكين، من خلال إعطاء الأولوية للبساطة والسرعة والتخصيص، بدلاً من الاكتفاء بتحويل الإجراءات الورقية إلى صيغ رقمية.
ويعكس هذا الإنجاز نجاح النموذج الإماراتي في تحويل الرؤية إلى منظومات وخدمات ملموسة تضع المتعامل في صميمها.
ونحن في صلب هذا التوجه، ونواصل توظيف الذكاء الاصطناعي والبيانات لإعادة تصميم تجربة التعليم، بما يتماشى مع هذا النموذج الطموح، فنعمل على تقديم نتائج أسرع ورؤى أدق حول مستوى كل طالب، بما يمكّن المعلمين من اتخاذ قرارات تعليمية أكثر استنارة.
تعزيز التكامل
ويمكن لهذه التقنيات أن تسهم في الربط بين هذه الجوانب من خلال رصد المخاطر الناشئة، وتنسيق الإجراءات المناسبة، ودعم التدخل المبكر، مع الحفاظ على الإشراف البشري ووضوح المسؤوليات والمساءلة.
كما يمكن للذكاء الاصطناعي الوكيل أن يعزز التكامل ويحد من الأعباء الإدارية، بما يتيح للعاملين في القطاع الصحي تخصيص وقت أكبر للمرضى.