منذ انعقاد دورته الأولى في جنيف عام 1955، شكل مؤتمر الأمم المتحدة لمنع الجريمة والعدالة الجنائية منصة دولية للعمل متعدد الأطراف، والحوار بين الدول، وتبادل الخبرات، وتطوير المعايير والسياسات في مجالات منع الجريمة وترسيخ العدالة الجنائية وسيادة القانون.
وتدشن دولة الإمارات عقدا جديدا في مسيرة هذا الحدث الأممي البارز مع استضافتها الدورة الخامسة عشرة من مؤتمر الأمم المتحدة لمنع الجريمة والعدالة الجنائية - أبوظبي 2026 خلال الفترة من 26 سبتمبر إلى الأول من أكتوبر المقبل وذلك تجسيدا لالتزامها بدعم منظومة العمل الدولي لتعزيز العدالة الجنائية وسيادة القانون وأمن واستقرار المجتمعات، وحرصها على أن تكون مساحة جامعة للحوار والتعاون وتبادل المعرفة، ودعم الجهود الرامية إلى حماية الإنسان والمجتمع والبيئة وتحقيق أهداف التنمية المستدامة.
ووفقاً للأمم المتحدة، وعلى مدى نحو سبعة عقود، تطورت أجندة المؤتمر بالتوازي مع التحولات التي شهدها العالم، من التركيز على أوضاع السجون ومعاملة الأحداث إلى بحث قضايا الجريمة المنظمة والجرائم العابرة للحدود، وصولاً إلى الجرائم الإلكترونية والذكاء الاصطناعي والجرائم التي تمس البيئة، ودور العدالة الجنائية في تحقيق أهداف التنمية المستدامة.
ويعقد المؤتمر دورياً كل خمس سنوات، بمشاركة الحكومات والخبراء والأكاديميين ومنظمات المجتمع المدني، ليشكل مساحة جامعة للنقاش الدولي حول أفضل السبل للوقاية من الجريمة وتعزيز العدالة وترسيخ سيادة القانون.
وانعقد المؤتمر الأول في جنيف خلال الفترة من 22 أغسطس إلى 3 سبتمبر 1955، وحضر المؤتمر 512 مشاركاً من 61 دولة، وتركزت مناقشاته على موضوعات عدة، منها الأحداث الجانحون، والمؤسسات العقابية المفتوحة، واختيار وتدريب العاملين في السجون، والعمل في المؤسسات العقابية.
مخرجات
وكان من أبرز مخرجاته اعتماد القواعد النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء، التي شكلت لاحقاً مرجعاً دولياً مهماً في مجال معاملة السجناء والإصلاح العقابي.
واستضافت لندن الدورة الثانية عام 1960، وركزت على قضايا السجون والعقوبات قصيرة المدة، والعمل في السجون، والإفراج المشروط، وإعادة إدماج المفرج عنهم في المجتمع، إلى جانب دور التخطيط الوطني في منع الجريمة، كما أوصى المؤتمر بإنشاء خدمات شرطية متخصصة في مجال الأحداث.
وناقشت الدورة الثالثة في ستوكهولم عام 1965 العلاقة بين التغير الاجتماعي والجريمة، ودور المجتمع في الوقاية منها، والتدابير الخاصة بالأحداث والشباب، إلى جانب الحد من العودة إلى ارتكاب الجريمة.
وعقد المؤتمر الرابع في كيوتو باليابان عام 1970، وشهدت هذه الدورة اعتماد أول إعلان لمؤتمر الأمم المتحدة بشأن الجريمة.
وعاد المؤتمر الخامس إلى جنيف عام 1975، ووسع نطاق اهتمامه ليشمل الإرهاب والعنف والجريمة المرتبطة بالمخدرات والهجرة والجرائم التي تستهدف الممتلكات الثقافية، وغيرها من القضايا ذات الطابع الدولي.
مؤسسات عقابية
وركز المؤتمر السادس في كاراكاس عام 1980 على اتجاهات الجريمة واستراتيجيات الوقاية منها، وتطوير معايير لمعاملة الأحداث، إلى جانب بدائل المؤسسات العقابية والإجراءات المجتمعية واحتياجات السجينات.
وشهدت الدورة السابعة في ميلانو عام 1985 تحولاً مهماً في تطوير المعايير الدولية للعدالة الجنائية، واعتمد المؤتمر خطة عمل ميلانو، إلى جانب مجموعة من المعايير المتعلقة بإدارة عدالة الأحداث، وحقوق ضحايا الجريمة، واستقلال القضاء، ونقل السجناء الأجانب.
وناقش المؤتمر الثامن في هافانا عام 1990 الجريمة الدولية والعدالة الجنائية في القرن الحادي والعشرين، مع اهتمام متزايد بالجريمة المنظمة والإرهاب والتعاون الدولي لمواجهتهما.
واستضافت القاهرة الدورة التاسعة عام 1995 تحت شعار "السعي إلى الأمن والعدالة للجميع"، مع تركيز على التعاون الدولي والمساعدة التقنية العملية لتعزيز سيادة القانون وبناء قدرات أنظمة العدالة الجنائية.
وجاء المؤتمر العاشر في فيينا عام 2000 في مرحلة شهدت تصاعد الاهتمام بالجريمة العابرة للحدود، واعتمد المؤتمر إعلان فيينا، الذي أكد أهمية تعزيز التعاون الدولي في مكافحة الجريمة العابرة للحدود وإصلاح نظم العدالة الجنائية.
وثيقة سياسية
واستضافت بانكوك المؤتمر الحادي عشر عام 2005، الذي اعتمد إعلان بانكوك، بوصفه وثيقة سياسية مهمة عززت توجه الأمم المتحدة نحو تطوير التنسيق والتعاون الدوليين في منع الجريمة ومكافحتها وإصلاح العدالة الجنائية ، وفي هذه المرحلة أصبح الاسم الرسمي للمؤتمر هو "مؤتمر الأمم المتحدة لمنع الجريمة والعدالة الجنائية".
وركز المؤتمر الثاني عشر في مدينة سلفادور بالبرازيل عام 2010 على العلاقة بين العدالة والتنمية، وأكد أهمية اتباع نهج شامل لإصلاح نظم العدالة الجنائية وتعزيز قدراتها، إلى جانب مواجهة الأشكال الناشئة من الجريمة على المستوى العالمي.
واستضافت الدوحة المؤتمر الثالث عشر عام 2015، في الذكرى الستين لانطلاق مؤتمرات الأمم المتحدة للجريمة.
العدالة
وركز المؤتمر على دمج منع الجريمة والعدالة الجنائية ضمن أجندة الأمم المتحدة الأوسع لمواجهة التحديات الاجتماعية والاقتصادية وتعزيز سيادة القانون على المستويين الوطني والدولي.
كما بحث التعاون الدولي والإقليمي لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود، والاستجابة للأشكال الجديدة والناشئة من الجريمة، ودور المشاركة المجتمعية في تعزيز منع الجريمة والعدالة الجنائية.
وانعقد المؤتمر الرابع عشر في كيوتو باليابان عام 2021، بعد تأجيله من 2020 بسبب جائحة كوفيد، وجمع نحو 5600 مشارك يمثلون 152 دولة عضواً و37 منظمة حكومية دولية و114 منظمة غير حكومية.
واعتمد المؤتمر "إعلان كيوتو بشأن النهوض بمنع الجريمة والعدالة الجنائية وسيادة القانون نحو تحقيق أجندة 2030 للتنمية المستدامة"، ليؤكد الترابط بين منع الجريمة والعدالة وسيادة القانون والتنمية المستدامة.
وتحمل الدورة الخامسة عشرة من مؤتمر الأمم المتحدة لمنع الجريمة والعدالة الجنائية - أبوظبي 2026، عنواناً شاملاً هو "تسريع العمل في مجال منع الجريمة والعدالة الجنائية وسيادة القانون: حماية الناس والكوكب وتحقيق خطة التنمية المستدامة لعام 2030 في العصر الرقمي".
ومن المنتظر أن يشهد المؤتمر مشاركة تتراوح بين 3000 و5000 شخص من أكثر من 97 دولة حول العالم، وحضور أكثر من 32 وزيراً للعدل، ومشاركة 93 متحدثاً من الدول والمجموعات الإقليمية، إلى جانب 62 مشاركة رفيعة المستوى، منها 46 حضورياً و16 افتراضياً، بما يوفر مساحة واسعة لتبادل التجارب واستعراض المبادرات وبناء شراكات جديدة، وصولاً إلى مخرجات عملية وإرث مستدام يدعم الجهود الدولية الرامية إلى تطوير العدالة ومنع الجريمة وتعزيز سيادة القانون.
ومن جنيف عام 1955 إلى أبوظبي عام 2026، تتواصل مسيرة المؤتمر في إطار دولي جامع، يعكس تطور مفهوم العدالة الجنائية واتساع مجالاتها، ويؤكد أهمية العمل المشترك في حماية المجتمعات، وترسيخ سيادة القانون، ودعم الأمن والعدالة والتنمية المستدامة.