نظمت هيئة الشارقة الصحية، بالتعاون مع وزارة الصحة ووقاية المجتمع ممثلة بالمركز الوطني لتنظيم التبرع وزراعة الأعضاء والأنسجة البشرية وبرنامج «حياة»، جلسة بعنوان «حياة تُمنح... وأمل يتجدد».

وذلك تزامناً مع اليوم العالمي للتبرع بالأعضاء، بهدف تعزيز الوعي المجتمعي بأهمية التبرع وإبراز أبعاده الطبية والشرعية والإنسانية، إلى جانب استعراض تجارب حية تعكس أثره في إنقاذ المرضى ومنحهم فرصة جديدة للحياة.

وكشف الدكتور أمين الأميري، الوكيل المساعد لقطاع التنظيم الصحي في وزارة الصحة ووقاية المجتمع، أن عدد المسجلين في منظومة التبرع بالأعضاء في الدولة تجاوز الـ 39 ألف شخص، فيما أسهم البرنامج الوطني منذ إطلاقه عام 2017 في إجراء 1780 عملية زراعة أعضاء، شملت؛ 924 كلية، و502 كبد، و181 رئة، و151 قلباً، و22 بنكرياساً، واستفاد منها أكثر من 1500 مريض.

وتُقَدّم خدمات زراعة الأعضاء في الدولة من خلال 9 مراكز معتمدة، ففي أبوظبي يجري مستشفى كليفلاند كلينك أبوظبي زراعة القلب والرئتين والكبد والكلى والبنكرياس، وتقدم مدينة الشيخ خليفة الطبية زراعة الكبد والكلى للبالغين والأطفال، فيما تجري مدينة برجيل الطبية زراعة الكلى والكبد، ويعكس هذا التنوع توفر تخصصات متعددة داخل المنشآت المعتمدة، تشمل برامج مخصصة للمرضى من مختلف الفئات العمرية.

وأضاف الدكتور أمين الأميري: «شملت عمليات الزراعة الكلى والكبد والرئة والقلب والبنكرياس، فيما جاءت الأعضاء من 549 متبرعاً متوفى، مشيراً إلى أن معدلات التبرع سجلت نمواً بنسبة 35.5 % خلال عام 2025 مقارنة بعام 2024.

مؤكداً أن هذه النتائج تعكس تطور المنظومة الصحية وتنامي الوعي المجتمعي، مشيراً إلى أن نجاح التبرع بالأعضاء يقوم على تكامل الإمكانات الطبية والتشريعات والثقة المجتمعية».

وأوضح الأميري، أن برنامج «حياة» أسس منظومة وطنية متقدمة أصبح فيها المجتمع شريكاً رئيسياً في إنقاذ الأرواح، فيما يعزز التعاون مع هيئة الشارقة الصحية حضور ثقافة التبرع ويرسخها باعتبارها قيمة إنسانية قائمة على العطاء والتكافل.

ويكتسب التطور الذي حققته دولة الإمارات أهمية خاصة في ضوء احتياجات المرضى، حيث ينتظر أكثر من 4,000 مريض في الدولة يعانون من الفشل الكلوي المزمن، أملاً في حياة جديدة.

فيما يسعى البرنامج إلى توسيع فرص توفر الأعضاء وتقليص فترات الانتظار من خلال زيادة الوعي بالتبرع، وتسريع عمليات التقييم والتطابق، بالإضافة إلى تطوير برامج التبرع من الأحياء والتبرع التبادلي، وتعزيز التعاون مع المراكز المتخصصة داخل الدولة وخارجها، بما يرفع فرص حصول المرضى على العلاج المناسب في الوقت الملائم.

من جانبه، أكد فضيلة الشيخ الدكتور سالم محمد الدوبي، مدير إدارة التوجيه الديني في دائرة الشؤون الإسلامية بالشارقة، أن حفظ النفس من المقاصد العظيمة في الشريعة الإسلامية.

وأشار إلى أن التبرع بالأعضاء يمكن أن يندرج ضمن أبواب البر والإحسان ونفع الآخرين متى تم وفق الضوابط الشرعية والطبية، مشدداً على ضرورة أن يكون التبرع طوعياً ومن شخص كامل الأهلية، وألا يترتب عليه هلاك المتبرع أو إلحاق ضرر بالغ به، وأن تتم العمليات عبر الجهات والمراكز المرخصة.

وأكد الدوبي أهمية الفصل التام بين التبرع والاتجار بالأعضاء، موضحاً أن التبرع المنضبط جائز، فيما لا يجوز بيع الأعضاء أو تحويل جسد الإنسان إلى محل للتجارة.

بدورها، أوضحت الدكتورة فتحية العوضي، الطبيب الاستشاري رئيس قسم التنسيق والتدريب وبناء القدرات في المركز الوطني لتنظيم التبرع وزراعة الأعضاء والأنسجة البشرية، أن تعزيز الوعي يمثل ركيزة أساسية لاستدامة منظومة زراعة الأعضاء، مؤكدة أن التبرع أصبح قيمة إنسانية ومجتمعية تتجاوز القرار الفردي إلى أثر ينقذ الأرواح.

وأشارت إلى أن برنامج «حياة» لا يقتصر على تنظيم عمليات التبرع والزراعة، بل يشمل التنسيق بين المؤسسات الصحية، وبناء القدرات والتدريب وتبادل المعرفة، بما يرفع كفاءة المنظومة ويعزز ثقة المجتمع بها.

مؤكدة أن نشر المعرفة وتصحيح المفاهيم المرتبطة بالتبرع يجعلان المجتمع شريكاً فاعلاً في دعم المرضى المحتاجين إلى زراعة الأعضاء. وأكد الدكتور عبدالعزيز المهيري، رئيس هيئة الشارقة الصحية، أن تنظيم الجلسة يعكس أهمية رفع الوعي بهذه القضية الإنسانية.

مشيراً إلى أن التعاون مع المركز الوطني وبرنامج «حياة» يجسد تكامل الجهود الصحية لترسيخ ثقافة التبرع والمسؤولية المجتمعية، مؤكداً أن تناول القضية من جوانبها الطبية والشرعية والإنسانية، إلى جانب عرض تجارب سفراء «حياة»، يمنح المجتمع صورة أوضح عن الأثر الحقيقي للتبرع في إنقاذ الأرواح.

مزايا للمتبرعين وأسرهم

ويدعم القرار الوزاري رقم 91 لسنة 2026 التبرع بالأعضاء بمنظومة متكاملة من التقدير والمزايا العلاجية والتأمينية والعينية للمتبرعين وأسرهم، تعبيراً عن التقدير الوطني لمبادرتهم الإنسانية، وتعزيزاً للجاذبية المجتمعية للبرنامج.

وتشمل الفئات المستفيدة المتبرع الحي وأقاربه حتى الدرجة الرابعة، ومن أبدى رغبته أو أوصى بالتبرع وأقاربه، وذوي المتبرع المتوفى، مع منحهم الأولوية عند الحاجة إلى زراعة عضو أو نسيج، وفق الحالة الصحية وبعد الدراسة من المركز الوطني والجهات المعنية.

وتتضمن المزايا العينية تسهيلات الإقامة بالقرب من مستشفى العلاج للمتبرع أو مرافقي المريض، ودعم تكاليف السفر والتنقل، ومساعدات مرتبطة بفترة تعافي المتبرع وانقطاعه عن العمل.

وخدمات الرعاية المنزلية، إلى جانب شهادات وأوسمة التكريم، ورسائل الشكر الرسمية، وتوثيق قصص المتبرعين الإنسانية، وتوفير برامج الدعم النفسي والاجتماعي لأسر المتبرعين المتوفين.

وأما المزايا التأمينية، فتشمل توفير تغطية علاجية وتأمينية شاملة للمتبرع الحي لجميع الفحوصات والإجراءات المتعلقة بالتبرع، فيما تغطي المزايا العلاجية عمليات الاستقبال والإقامة والخدمات الصحية المطلوبة، والمتابعة المستمرة للحالة الصحية بعد التبرع، وضمان استمرارية التأمين والرعاية المرتبطة بالعملية، مما يعكس رؤية متكاملة تعتبر رعاية المتبرع جزءاً أصيلاً من نجاح الزراعة واستدامة البرنامج.

وتستند إنجازات برنامج «حياة» إلى شراكة وطنية واسعة تجمع وزارة الصحة ووقاية المجتمع والجهات الصحية ومقدمي خدمات الرعاية في القطاعين الحكومي والخاص، إلى جانب المنشآت المتخصصة والفرق الإسعافية والمختبرات والجهات التنظيمية واللوجستية.

ويمتد التعاون إقليمياً ودولياً عبر الشراكات مع المؤسسات والمراكز المتخصصة وتبادل الخبرات والمعرفة والأعضاء وفق التشريعات والاتفاقيات المعتمدة، حيث تم تبادل أكثر من 550 عضواً بين دولة الإمارات والمملكة العربية السعودية ودولة الكويت.

حين منحت كلية الأب حياة لابنه

بعيداً عن لغة الأرقام، تختصر قصة المواطن راشد المعنى الإنساني لمنظومة زراعة الأعضاء، حيث بدأت معاناته مع الفشل الكلوي في طفولته المبكرة، وخاض رحلة علاج ومتابعة استمرت نحو 8 سنوات، إلى أن أصبح بحاجة إلى زراعة كلية. وجاءت فرصة الحياة من والده الذي تبرع بإحدى كليتيه لابنه، لتنهي العملية الناجحة سنوات المعاناة وتعيد راشد إلى حياته الطبيعية.

وحملت العملية الرقم 100 ضمن عمليات نقل وزراعة الكلى الناجحة في مدينة الشيخ خليفة الطبية، لكنها بالنسبة إلى راشد لم تكن رقماً، بل كانت بداية حياة جديدة.

وتحتفظ ذاكرته أيضاً بزيارة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، إلى منزل أسرته في الشارقة للاطمئنان عليه، وهي لحظة بقيت إلى جانب نجاح العملية من أكثر المحطات حضوراً في ذاكرته.

وتلخص قصة راشد جوهر منظومة التبرع بالأعضاء «عضو يمنح حياة، ومتبرع يصنع أملاً، وأسرة تستعيد طمأنينتها، ومريض يحصل على فرصة جديدة لمواصلة حياته».