مع إكمال الحرب في السودان عامها الثالث غداً، وما صاحبها من تفاقم للأوضاع الإنسانية بشكل غير مسبوق، ومواجهة ملايين المدنيين تحديات قاسية تتراوح بين النزوح وفقدان سبل العيش وانعدام الأمن الغذائي، وتدهور الخدمات الأساسية، تبرز الإمارات العربية المتحدة أحد أبرز الداعمين الدوليين للشعب السوداني، من خلال استجابة إنسانية شاملة تعكس التزاماً راسخاً بنهجها القائم على مد يد العون للمحتاجين في مختلف أنحاء العالم.

ومنذ اندلاع النزاع في 15 أبريل 2023، شهد السودان واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، حيث اضطر الملايين إلى النزوح داخلياً أو اللجوء إلى دول الجوار، وسط نقص حاد في الغذاء والدواء والمياه، ومع استمرار الصراع، تصاعدت الحاجة إلى تدخلات إنسانية عاجلة، وهو ما دفع العديد من الدول والمنظمات إلى تكثيف جهودها، إلا أن الدور الإماراتي تميز بالاستمرارية والتنوع والسرعة في الاستجابة، وهو ما أكدته التقارير الدولية التي أشارت إلى أن الإمارات تصدرت قائمة المساعدات الإنسانية التي قدمتها دول العالم للسودان.

وفي هذا السياق، عملت الإمارات على تنفيذ برامج إغاثية عاجلة شملت توفير المواد الغذائية، والرعاية الصحية، ودعم مخيمات النازحين، إلى جانب تمويل العمليات الإنسانية التي تقودها منظمات دولية، وفي مقدمتها مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، حيث قدمت الدولة أكثر من 15 ملياراً و560 مليون درهم للسودان خلال 10 سنوات (2015 - 2025).

وأظهرت بيانات منصة خدمة تتبع التمويل الإنساني «FTS» التابعة لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، أن دولة الإمارات العربية المتحدة تصدرت قائمة كبار المانحين للاستجابة الإنسانية في السودان، خلال عام 2025، حيث حلت الإمارات في المرتبة الأولى عالمياً ضمن قائمة «المانحون العالميون 2025» في السودان، بنحو 86.7 مليون دولار، بما يعادل نحو 17.70 % من إجمالي التمويل العالمي المسجل للسودان في عام 2025، فضلاً عن تقديم منح مساعدات بأكثر من 39 مليون دولار، ليصل بذلك إجمالي المساعدات المرتبطة بدولة الإمارات في السودان خلال 2025، إلى نحو 126 مليون دولار.

بينما جاءت المملكة المتحدة في المرتبة الثانية بتمويل قدره 59 مليون دولار، تلتها المساعدات التي قدمتها الولايات المتحدة عبر وزارة الخارجية الأمريكية بنحو 45 مليون دولار.

وخلال العام الجاري 2026، أعلنت الإمارات عن مساهمتها بقيمة 500 مليون دولار لصالح صندوق السودان الإنساني.

دعم

لم يقتصر الدور الإماراتي على مدى سنوات الحرب الثلاث على تقديم التمويل، بل امتد ليشمل تنفيذ مبادرات ميدانية مباشرة، بالتعاون مع شركاء دوليين وإقليميين، كما أولت الإمارات اهتماماً خاصاً بدعم اللاجئين السودانيين في دول الجوار، حيث قدمت مساعدات إنسانية للدول المستضيفة بهدف تخفيف الضغط على مواردها وتعزيز قدرتها على الاستجابة للاحتياجات المتزايدة.

ومنذ بداية الحرب، أطلقت الإمارات جسراً جوياً لنقل المساعدات الإنسانية للشعب السوداني الشقيق، والذي أرسلت من خلاله 162 طائرة حملت مختلف أنواع المساعدات الغذائية والطبية والإغاثية.

وسيرت الإمارات العديد من سفن المساعدات الإنسانية لدعم المتضررين من النزاع داخل السودان إلى جانب اللاجئين السودانيين في تشاد وأوغندا، عبر دعم اللاجئين وحفر الآبار لهم لتوفير المياه الصالحة للشرب وبناء ودعم المرافق الصحية، إلى جانب حفر الآبار وإرسال مئات الأطنان من المساعدات إلى جنوب السودان من الإمدادات الغذائية والإغاثية لتلبية الاحتياجات العاجلة للاجئين السودانيين هناك.

3 مستشفيات

وشيدت دولة الإمارات مستشفيين ميدانيين في أمدجراس وأبشي التشاديتين لدعم الأشقاء السودانيين اللاجئين، حيث تمتد خدماتهما إلى جميع المدنيين، بغض النظر عن الجنسية أو العمر أو الجنس أو الانتماء، حيث حالت هذه الجهود دون تفشي أمراض جماعية في مخيمات النازحين بأنحاء السودان وعلى الحدود مع تشاد. وتعد تشاد أكبر دولة تستقبل لاجئين سودانيين.

كما أنشأت دولة الإمارات مستشفى ثالثاً في منطقة مادهول بولاية بحر الغزال في جنوب السودان، إلى جانب ذلك، قدمت الإمارات الدعم لـ127 منشأة صحية في 14 ولاية سودانية، ما أسهم في تعزيز قدرة النظام الصحي المحلي على مواجهة التحديات الناتجة عن النزاع.

التعليم

وعلى الرغم من كون قطاع التعليم أحد أكثر القطاعات تضرراً في السودان، فإن الإمارات حرصت على إطلاق مبادرات تضمن استمرار العملية التعليمية، عبر إعادة تأهيل 3 مدارس في كل من تشاد وجنوب السودان، كما قدمت 4 ملايين دولار بالتعاون مع منظمة اليونيسيف لدعم تعليم الأطفال اللاجئين السودانيين في تشاد.

كما شرعت بدعم المدارس المؤقتة في مناطق النزوح، وتقديم مستلزمات مدرسية للطلاب، وإنشاء مساحات آمنة للتعلم والأنشطة، كما دعمت كافة برامج التعلم بالتنسـيق مع منظمات دولية، حيث استهدف هذا الدعم تمكين الأطفال من مواصلة تعليمهم، وحمايتهم من مخاطر التسرب، ومنحهم بيئة نفسية آمنة وسط الظروف الصعبة.

تنسيق الجهود

لم تعمل الإمارات بمعزل عن العالم، بل نسقت جهودها الإغاثية مع منظمات الأمم المتحدة، بما فيها برنامج الأغذية العالمي، ومفوضية اللاجئين، ومنظمة الصحة العالمية.

حيث كانت من أوائل الدول التي دعت إلى قمة دولية لدعم السودان بهدف توحيد الجهود الإنسانية، وضمان تدفق المساعدات، وتفعيل آليات استجابة طارئة طويلة الأمد.

كما دعمت البرامج الدولية لإغاثة السودان مالياً، عبر منح وتبرعات مالية كبيرة للمؤسسات العاملة في الإغاثة، لتسهيل وصول الدعم إلى أكبر عدد ممكن من المتضررين، منها تخصيص مبلغ 70 مليون دولار لوكالات الأمم المتحدة ومنظماتها الإنسانية.

كما خصصت الإمارات 30 مليون دولار إضافية لدعم اللاجئين السودانيين في الدول المجاورة. وفي إطار التزامها بدعم الفئات الأكثر ضعفاً، أعلنت الإمارات عن تقديم 10.25 ملايين دولار للأمم المتحدة لدعم اللاجئات السودانيات المتضررات من الأزمة.

دور محوري

وتؤكد هذه الجهود المتواصلة مكانة الإمارات إحدى أكبر الدول المانحة في المنطقة، ودورها المحوري في دعم الاستجابة الإنسانية للأزمات في السودان والدول المجاورة، حيث ترسخ الإمارات من خلال جهودها في السودان، أن مساعداتها لا ترتبط بلون أو عرق أو دين أو جغرافيا، بل بالإنسان أولاً.

هذا النهج رسخته دولة الإمارات عبر عقود من العمل الإنساني في مختلف أنحاء العالم، ما جعلها في مقدمة الدول المانحة للمساعدات الدولية، كما أنها تجسد مبادئها الثابتة في الوقوف إلى جانب الشعوب في الأزمات والكوارث، وتعزيز الأمن الإنساني والاستقرار الإقليمي عبر دعم جهود التنمية والسلام المستدام.

الحل السلمي

كما كثفت دولة الإمارات من حراكها العابر للحدود والقارات دعماً لأي حل سياسي سلمي في السودان، يحفظ وحدة البلد العربي، ويعيد الاستقرار والأمن والسلام إلى أراضيه، ويحقق تطلعات شعبه في التنمية والرخاء.

دبلوماسية إماراتية

بدأت من اللحظات الأولى للأزمة في 15 أبريل 2023، وما زالت حتى اليوم، في إطار رؤية شاملة وخريطة متكاملة لحل الأزمة، تستند لمحاور ومبادئ واضحة أبرزها دعم التوصل لوقف فوري وشامل لإطلاق النار، وحماية المدنيين، ومعالجة الأزمة الإنسانية الكارثية عبر تقديم الدعم الإنساني والإغاثي العاجل للشعب السوداني، واحترام القانون الدولي الإنساني ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة.

تلك الرؤية أعلنت عنها الإمارات مراراً وتكراراً في مختلف الفعاليات الدبلوماسية والإنسانية التي شاركت فيها، سواء عبر مجلس الأمن الدولي، أو الجمعية العامة للأمم المتحدة، أو قمة عدم الانحياز أو القمم العربية المتعاقبة، أو قمة الاتحاد الأفريقي.

كذلك كانت دولة الإمارات عضواً فعالاً في مختلف الآليات الدولية التي تم تشكيلها لمعالجة الأزمة، بدءاً من منصة «متحالفون لتعزيز إنقاذ الحياة والسلام في السودان»، وصولاً إلى المجموعة الرباعية التي تضم (الإمارات – السعودية – مصر – الولايات المتحدة) وتعمل على إنهاء الصراع وتهيئة الظروف للحوار.

وشكل البيان المشترك للرباعية حول السودان الصادر في 12 سبتمبر 2025 خطوة تاريخية في مسار الجهود الرامية لإنهاء الأزمة، إذ قدم تشخيصاً دقيقاً لطبيعتها ورسم خريطة طريق واضحة لمعالجتها، من خلال هدنة إنسانية تعقبها عملية انتقال مدني للسلطة، مجددة التأكيد أنه لا حل عسكرياً للأزمة السودانية، وأن التوافق الإقليمي والدولي الذي عكسه البيان يمثل دعماً مهماً لمسار السلام ووحدة السودان.

موقف ثابت

وفور اندلاع الأزمة، أصدرت دولة الإمارات بياناً رسمياً في 15 أبريل 2023، دعت فيه كافة أطراف النزاع في السودان إلى التهدئة وضبط النفس وخفض التصعيد والعمل على إنهاء هذه الأزمة بالحوار.

وأكدت موقفها الثابت المتمثل في ضرورة خفض التصعيد والعمل على إيجاد حل سلمي للأزمة بين الأطراف المعنية، وضرورة دعم الجهود الرامية إلى دعم العملية السياسية وتحقيق التوافق الوطني نحو تشكيل الحكومة.

ويعد السودان من أبرز محطات العمل الإنساني في دولة الإمارات، وكانت بداية العطاء في سبعينيات القرن الماضي، حيث دعم المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، مشروع شق طريق هيا بورتسودان لربط المدن السودانية ببعضها، ما أسهم في النهضة التجارية والصناعية والزراعية للشعب السوداني.