مع انتظام الدراسة نهاية الشهر الماضي، تستيقظ دبي على حركة مألوفة من حقائب على الأكتاف وسيارات تقف أمام البوابات وأمهات يوصين أبناءهن ألا ينسوا وجبة الإفطار أو دفتر الواجب.

مشهد عادي بالنسبة إلى طفل يعيش في المدينة الآن، لكنه كان سيبدو غريباً جداً على طفل من دبي القديمة، حين لم تكن المدرسة مبنى كبيراً ولا الفصل صفوفاً من الطاولات، وكان الطريق إلى المعرفة يبدأ غالباً من بيت في الفريج وصوت «المطوع» وهو يردد الحروف والآيات.

الكتّاب

قبل المدارس، كان هناك الكتّاب، فيجتمع الصغار عند المطوع، وأحياناً عند المطوعة، فيتعلمون القرآن والقراءة والكتابة وشيئاً من الحساب.

ولم تكن هناك حقيبة مدرسية كما نعرفها، ولا جرس يعلن انتهاء الحصة، كان الدرس يحفظ بالتكرار، وما يؤخذ في النهار يراجع في البيت، وأحياناً على ضوء «الفنر» إن توفر.

المطوع

ويعد المطوع أحد أبرز ملامح التعليم القديم في الإمارات، فيما كانت بعض الحلقات داخل المدن تتسع لتشمل الفقه والتفسير والنحو والإملاء والتاريخ. 

في دبي، لم تكن تلك الصورة بعيدة عن حياة الناس، فجمعة الماجد، على سبيل المثال، نشأ في الشندغة وتعلم القراءة والكتابة وشيئاً من علوم الدين والقرآن واللغة العربية في الكتاتيب على يد المطوع، وتعد هذه قصة فردية، صحيح، لكنها تشبه قصص جيل كامل عرف التعليم قبل أن يعرف المدرسة بصورتها الحديثة. 

كان المطوع أقرب إلى أهل الفريج من صورة المعلم التي نعرفها الآن، فهو يعرف الأطفال وأسرهم، ويرى أبناء الحي وهم يكبرون أمامه، ولم تكن وظيفته تنتهي عند تعليم الحرف.

كان للتربية مكانها، ولحفظ القرآن الكريم مكانه، وللانضباط مكانه أيضاً، لذلك بقي اسم «المطوع» في ذاكرة كبار السن مرتبطاً بأيام الدراسة الأولى، حتى بعد أن تغير شكل التعليم تماماً.

المدرسة الأحمدية

ثم بدأت دبي تخطو نحو مدرسة أكثر تنظيماً، وفي الشندغة، حيث البيوت المطلة على الخور وحركة التجار والسفن، تأسست المدرسة الأحمدية عام 1912، وتعدها المصادر الرسمية أول مدرسة في دبي، وتحولت لاحقاً إلى واحد من أهم الشواهد الباقية على بدايات التعليم النظامي في الإمارة.

اليوم يمكن للمرء أن يمر بالشندغة ويرى مبنى الأحمدية قائماً، لكن تخيل المشهد قبل أكثر من قرن يعطيه معنى مختلفاً.

أطفال يدخلون إلى المدرسة في مدينة كانت لا تزال صغيرة، والخور في قلب حياتها، واللؤلؤ والتجارة جزءاً من رزق أهلها.

في الداخل لم يكن التعليم مقتصراً على القراءة الأولى، فقد بدأت المدرسة تقدم صورة أكثر تنظيماً للدراسة، وتخرج منها أبناء أصبح لبعضهم دور في حياة دبي لاحقاً.

ولم يحدث الانتقال من المطوع إلى المدرسة في ليلة واحدة، فقد ظلت الكتاتيب موجودة، وظهرت إلى جانبها مدارس أهلية وشبه نظامية، وكان للتجار وأهل الخير دور كبير في دعم التعليم.

وكلما اتسعت التجارة، واتصلت المدينة أكثر بالعالم المحيط بها، ازدادت الحاجة إلى القراءة والحساب واللغات والمعرفة.

ولعل أجمل ما في تاريخ الأحمدية أنها لم تختف حين انتهى دورها القديم، رُممت المدرسة وأعيد افتتاحها كمتحف عام 1995، فبقي المكان شاهداً على مرحلة كان فيها الفصل الدراسي مختلفاً، وكانت دبي نفسها مختلفة. 

مسافة بين الأجيال

لكن المسافة بين الأمس واليوم لا تقاس بالأجهزة والمباني وحدها، ربما الأهم هو كيف تغيرت فكرة التعليم نفسها، فعند الأولين، كان أن يعرف الطفل القراءة وأن يحفظ القرآن الكريم وأن يجيد الحساب مكسباً كبيراً في حياة بسيطة وقاسية أحياناً، ثم أصبح التعليم طريقاً إلى الوظيفة والجامعة، ثم إلى التخصص والبحث والابتكار.

ومع كل موسم دراسي، تبدو هذه الحكاية أقرب مما نظن، فقد يحمل طفل اليوم جهازاً لوحياً بدلاً من اللوح الذي كان يحمل عليه الأولون حروفهم، وقد يدخل فصلاً مكيفاً بدلاً من مجلس صغير في الفريج، لكن لحظة البداية واحدة تقريباً.