أكد الدكتور منصور العور، رئيس جامعة حمدان بن محمد الذكية، أن مؤسسات التعليم العالي تقف أمام مرحلة تحول جوهري، تفرضها المتغيرات المتسارعة في سوق العمل والتطورات المتلاحقة في تقنيات الذكاء الاصطناعي.
مشيراً إلى أن النموذج التقليدي للدراسة الجامعية، القائم على الالتحاق لسنوات محددة ثم التخرج، لم يعد كافياً لتلبية متطلبات المستقبل.
وأوضح في حوار مع «البيان»، أن الجامعات مطالبة بالانتقال إلى نموذج أكثر مرونة، يقوم على التعلم المستمر، وإعادة تأهيل المهارات على امتداد الحياة المهنية، مؤكداً أن القيمة المستقبلية للجامعات ستُقاس بقدرتها على استقطاب خريجيها مجدداً، لتحديث معارفهم ومهاراتهم، بما يواكب متطلبات الاقتصاد الرقمي.
كما شدد على أن الذكاء الاصطناعي لا يمثل تهديداً للتعليم، بل فرصة لإعادة تعريف أدوار المؤسسات الأكاديمية وأعضاء هيئة التدريس، بما يعزز التفكير النقدي والقيم الإنسانية والقدرة على اتخاذ القرار.
وفي ما يلي نص الحوار:
يشهد العالم تحولات غير مسبوقة في طبيعة الوظائف والمهارات، فهل ما زلنا نُعد أبناءنا لوظائف المستقبل، أم لوظائف بدأت بالفعل في الاختفاء؟
نعيش اليوم واحدة من أكبر التحولات التي شهدها التعليم وسوق العمل منذ الثورة الصناعية، إذ يعيد الذكاء الاصطناعي والأتمتة والاقتصاد الرقمي تشكيل الوظائف بصورة متسارعة، ما يفرض إعادة النظر في كثير من النماذج التعليمية التقليدية.
السؤال لم يعد: هل نُعد أبناءنا لوظائف المستقبل؟ بل: هل ما زلنا نستخدم نماذج تعليمية صُممت لعالم لم يعد موجوداً؟
تشير دراسات عالمية إلى أن نسبة كبيرة من وظائف المستقبل لم تُستحدث بعد، فيما ستتغير وظائف أخرى جذرياً، أو تختفي تدريجياً، لذلك لم يعد التركيز على إعداد الطلبة لوظائف محددة كافياً.
وأرى أن أخطر ما يمكن أن تفعله أي مؤسسة تعليمية اليوم، هو إعداد الطلبة لوظائف حالية فقط، لأن المستقبل سيكافئ القدرة على التعلم المستمر، أكثر من امتلاك مهنة ثابتة.
هناك من يرى أن الشهادة الجامعية لم تعد الضمان الحقيقي للنجاح المهني، فهل نحن أمام نهاية اقتصاد الشهادات وبداية اقتصاد المهارات؟
لا أعتقد أننا أمام نهاية الشهادة الجامعية، بل إعادة تعريف لدورها وقيمتها، فهي ما زالت تمثل مساراً تعليمياً منظماً، يؤسس لقاعدة معرفية مهمة، لكنها لم تعد كافية وحدها.
أصحاب العمل باتوا يبحثون عن المهارات العملية والقدرة على الإنجاز والتكيف والتعلم المستمر، وبالتالي، فإن المرحلة المقبلة لن تكون انتقالاً من اقتصاد الشهادات إلى اقتصاد المهارات فقط، بل إلى اقتصاد القيمة، حيث يُقاس الفرد بقدرته على التعلم والتطبيق والابتكار وتحقيق الأثر.
كيف غيّر الذكاء الاصطناعي مفهوم الكفاءة المهنية؟ وما المهارات الأكثر قيمة مستقبلاً؟
أحدث الذكاء الاصطناعي تحولاً جذرياً في مفهوم الكفاءة المهنية، فلم تعد المعرفة المتخصصة وحدها مصدر القيمة، بل القدرة على توظيفها، لذلك لم يعد السؤال: ماذا تعرف؟ بل: ماذا تستطيع أن تفعل بما تعرف؟
وسنشهد ارتفاعاً في قيمة المهارات التي يصعب أتمتتها، مثل التفكير النقدي والإبداع والابتكار والقيادة والحكم الأخلاقي، والعمل ضمن فرق متعددة التخصصات.
كما ستصبح القدرة على طرح الأسئلة الصحيحة أكثر أهمية من امتلاك الإجابات، لأن الذكاء الاصطناعي يوفر المعلومات، لكن لا يمكنه أن يحل محل الرؤية الإنسانية أو المسؤولية الأخلاقية.
في عالم تتغير فيه المهارات بسرعة، هل أصبحت القدرة على التعلم المستمر أهم من التخصص؟
نعم، وأرى أن هذه من أهم التحولات في التعليم العالي، فالتخصص كان يمثل في السابق استثماراً طويل الأمد، بينما أصبحت دورة حياة المهارات اليوم أقصر بكثير.
لذلك لم يعد السؤال الأهم: ما تخصصك؟ بل: هل تمتلك القدرة على التعلم المستمر؟ وهذه القدرة تمثل ما أسميه «المهارة الأم»، لأنها تتيح اكتساب أي مهارة أخرى عند الحاجة.
هل يشكل الذكاء الاصطناعي تهديداً للجامعات أم فرصة لإعادة ابتكار التعليم؟
السؤال الأهم ليس ما إذا كان الذكاء الاصطناعي تهديداً، بل ما إذا كانت الجامعات مستعدة لعالم أصبح فيه جزءاً أساسياً من الحياة اليومية.
التاريخ يثبت أن المؤسسات لا تفشل بسبب التكنولوجيا، بل بسبب مقاومتها للتغيير، وبالتالي، فإن الذكاء الاصطناعي لا يمثل تهديداً بحد ذاته، بل للنماذج التقليدية التي تركز على نقل المعرفة فقط.
وهو في المقابل فرصة لإعادة تصميم التعليم عبر التعلم المخصص، وتحسين التقييم، وتعزيز الدعم الأكاديمي، وفهم احتياجات الطلبة بصورة أعمق.
كيف سيعيد الذكاء الاصطناعي تعريف دور الأستاذ الجامعي؟
كان الأستاذ سابقاً المصدر الأساسي للمعرفة، أما اليوم فقد أصبحت المعرفة متاحة بسهولة، لذلك، سيتحول دوره من ناقل للمعرفة إلى موجه لبناء التفكير.
وسيركز على تصميم تجارب التعلم، وتيسير النقاش، وتعزيز التفكير النقدي، مع الاستمرار في لعب دور أساسي في بناء القيم وتنمية المسؤولية الأخلاقية.
لماذا أصبح التعلم مدى الحياة ضرورة اقتصادية؟
لأن المهارات تتغير بسرعة تفوق أي وقت مضى، ولم تعد المعارف المكتسبة اليوم صالحة لسنوات طويلة.
لذلك لم يعد التعلم مدى الحياة خياراً، بل ضرورة اقتصادية، والدول التي ستنجح، هي التي تمتلك قوة عاملة قادرة على التعلم المستمر والتكيف.
هل تنتهي علاقة الجامعة بالطالب بعد التخرج؟
على العكس، يجب أن يكون التخرج بداية العلاقة لا نهايتها، إذ ينبغي أن تتحول العلاقة إلى شراكة مستمرة، يعود خلالها الخريج لتحديث مهاراته عبر برامج وشهادات متخصصة.
كيف تتصور جامعة المستقبل؟
ستكون جامعة مختلفة جذرياً، إذ لن تكون مكاناً ثابتاً، بل منظومة تعلم مرنة، تعتمد على الذكاء الاصطناعي والتعلم المخصص، مع تقليص الفاصل بين التعليم والعمل.
كيف ستقاس الجامعات مستقبلاً؟
لن يُقاس النجاح بعدد الخريجين فقط، بل بأثرهم وقدرتهم على الابتكار والتكيف، وبعدد مرات عودتهم إلى الجامعة خلال حياتهم المهنية.
رسالة أخيرة
إذا كان لا بد من رسالة واحدة، فهي أن التغيير أصبح الثابت الوحيد، وعلى الشباب الاستثمار في قدرتهم على التعلم، وعلى المؤسسات تحديث نماذجها باستمرار، بينما يظل الاستثمار في الإنسان هو الأهم، لأن الذكاء الاصطناعي سيغير الأدوات، لكن الإنسان سيبقى صانع المستقبل.
منصور العور:
المؤسسات لا تفشل بسبب التكنولوجيا بل بسبب مقاومتها للتغيير
التغيير الثابت الوحيد وعلى الشباب الاستثمار في قدرتهم على التعلم
التعلم المستمر والقدرة على إعادة اكتساب المهارات معايير النجاح في عصر الذكاء الاصطناعي
الاستثمار في الإنسان يبقى الأهم فهو صانع المستقبل