دبي- ريد السويدي وأحمد أبوالفتوح

أكد متخصصون أن تجربة «التعليم عن بُعد» برزت كمنعطف مهم أسهم في رفع مستوى الوعي الرقمي لدى أولياء الأمور، بعد أن أصبحوا جزءاً مباشراً من العملية التعليمية، يتعاملون يومياً مع المنصات الرقمية، ويتابعون أداء أبنائهم عبر الوسائل التعليمية الحديثة، مما أسهم في محو أميتهم الرقمية وأعادهم مرة أخرى إلى مقاعد تعلّم التكنولوجيا.

وأوضحوا أن هذا التحول يفرض مقاربة تربوية أكثر نضجاً، تبدأ من تعاظم خبرة أولياء الأمور الرقمية المكتسبة، وتمتد إلى تعزيز الشراكة مع المؤسسات التعليمية، وتنمية مهارات التفكير النقدي لدى الأبناء، إلى جانب وضع ضوابط مرنة لاستخدام الأجهزة.

وأكدت الدكتورة رقية محمد الطنيجي أستاذ مساعد علم الاجتماع جامعه الذيد، أن التكنولوجيا أصبحت واقعاً يومياً لا يمكن فصله عن الحياة الأسرية، مشيرة إلى أن دراسة ميدانية شملت 150 من أولياء أمور طلبة الحلقة الثانية في إمارة الشارقة أظهرت ارتفاعاً ملحوظاً في مستوى التفاعل والوعي الرقمي لدى الأسر. وأشارت إلى أن هذا الوعي لم يبقَ نظرياً، بل انعكس على الممارسات اليومية، حيث انتقلت الأسر تدريجياً من أسلوب المنع والرقابة الصارمة إلى نهج أكثر توازناً، يقوم على تنظيم الاستخدام، ومتابعة المحتوى، وبناء الثقة والحوار مع الأبناء، وترى أن هذا التحول أسهم في خلق بيئة أسرية أكثر قدرة على فهم طبيعة العالم الرقمي والتعامل مع تحدياته.

بناء الشخصية

وأضافت: أن مفهوم «التربية الرقمية الوالدية» أصبح اليوم أحد أعمدة التربية الحديثة، إذ لم يعد يقتصر على الرقابة، بل يتوسع ليشمل تمكين الأبناء من الاستخدام الآمن والمسؤول للتكنولوجيا، وتعزيز قدرتهم على اتخاذ قرارات واعية في الفضاء الرقمي، باعتبار ذلك استثماراً طويل الأمد في بناء شخصية مستقلة وقادرة على التفاعل مع العصر بكفاءة.

في المقابل، تحذر مريم البرغوثي، أخصائية علم النفس السريري، من أن الاستخدام غير المنضبط للتكنولوجيا قد يترك آثاراً نفسية وسلوكية تتسلل تدريجياً دون أن تُلاحظ في بداياتها، مشيرة إلى أن من أبرز المؤشرات المبكرة التي تستدعي الانتباه: تقلبات المزاج، العزلة الاجتماعية، اضطرابات النوم، وتراجع الاهتمام بالأنشطة اليومية، مؤكدة أن استمرار هذه العلامات قد يعكس اختلالاً في علاقة الطفل بالعالم الرقمي.

وترى البرغوثي، أن التعامل مع هذه التحديات لا يبدأ بالإجراءات العقابية أو المنع، بل ببناء بيئة أسرية داعمة تقوم على الحوار المفتوح والاستماع دون إصدار أحكام، بما يتيح للأبناء التعبير عن مخاوفهم وتجاربهم الرقمية، مؤكدة أن هذا النهج يمثل خط الدفاع الأول في الوقاية.

وأكدت الدكتورة غادة محمد أبوزيد، استشارية الصحة النفسية والإرشاد الأسري، أن مفهوم التربية الرقمية الحديثة لم يعد يقوم على منطق السيطرة والقيود، بقدر ما يرتكز على بناء الثقة وتعزيز الحوار داخل الأسرة، مؤكدة أن إشراك الأبناء في صياغة قواعد استخدام الأجهزة والتكنولوجيا يسهم بشكل مباشر في ترسيخ الإحساس بالمسؤولية لديهم، ويجعل التزامهم بهذه القواعد أكثر فاعلية واستدامة مقارنة بالقرارات المفروضة بشكل أحادي.

وأشارت إلى أن هذا النهج التشاركي يعزز من نضج الأبناء السلوكي، ويمنحهم مساحة لفهم أسباب القواعد بدلاً من التعامل معها كقيود، ما ينعكس إيجاباً على سلوكهم الرقمي داخل المنزل وخارجه، كما لم يعد الهدف من التربية الرقمية هو التحكم في سلوك الأبناء أو مراقبتهم بشكل دائم.

ويؤكد سيف المطوع المزروعي، مدرب معتمد في التنمية البشرية وتطوير الذات، أن تجربة الدراسة عن بُعد شكلت نقطة تحول في رفع كفاءة أولياء الأمور رقمياً، ولم تكن مجرد وسيلة لاستمرار التعليم، مشيراً إلى أنها أعادت صياغة العلاقة داخل الأسرة، حيث انتقل الوالدان من دور المتابعة التقليدية إلى شراكة تعليمية فاعلة.

وأضاف: إن هذه التجربة كانت بمثابة «تدريب عملي مكثف» مكن أولياء الأمور من اكتساب مهارات رقمية متعددة، تشمل التعامل مع المنصات التعليمية، وإدارة الوقت الرقمي، ومتابعة الأداء الدراسي، كما أسهمت في تعزيز مهارات الإشراف الذكي والتواصل الفعال مع المدارس.

وأشار إلى أن هذه المرحلة لا يمكن النظر إليها كظرف مؤقت، بل كتحول يؤسس لمرحلة جديدة تتطلب بناء «أسرة رقمية واعية»، قادرة على التكيف مع التحولات المتسارعة، مشدداً على أن المستقبل لن يعتمد فقط على المعرفة، بل على حسن إدارة المعرفة وتوظيفها رقمياً.

تجارب أسرية

وتقول ولية الأمر علياء بسام جبان: إن تجربة التعليم عن بُعد غيرت نظرتها بشكل جذري تجاه استخدام التكنولوجيا داخل المنزل، حيث أسهمت مشاركتها أبناءها في استخدام الأجهزة، ومناقشة المحتوى الرقمي معهم بشكل مستمر، في اكتساب مهارات رقمية جديدة، كما أسهم في تنمية وعي الأبناء وتعزيز قدرتهم على التفكير النقدي.

وأكدت ولية الأمر سميرة سليمان، أن تجربة الدراسة عن بُعد أسهمت بشكل واضح في رفع مستوى الوعي الرقمي داخل الأسرة، من خلال التفاعل اليومي مع المنصات والخدمات التعليمية، وما نتج عنه من تبادل للمعلومات بين أولياء الأمور والأبناء حول كيفية استخدام الأدوات والتطبيقات التعليمية، مؤكدة أن هذا التحول ساعد أولياء الأمور على فهم العالم الرقمي لأبنائها بشكل أعمق.

وأكد محسن ماضي، أن متابعة الأسرة لأبنائها خلال الحصص الافتراضية دفعهم لتعلم أساسيات التعامل مع المنصات التعليمية، من تسجيل الدخول إلى رفع الواجبات ومتابعة التقييمات، مشيراً إلى أن هذا الاحتكاك اليومي بالتكنولوجيا جعلهم أكثر ثقة في استخدام الأدوات الرقمية، وأكسبهم قدرة أفضل على مساعدة أبنائهم عند مواجهة أي تحديات تقنية.