حذّر اختصاصيون من الصداقات الرقمية التي باتت تتوسع بشكل ملحوظ بين الأطفال والمراهقين، مؤكدين أن العلاقات التي تتشكل عبر منصات التواصل الاجتماعي والألعاب الإلكترونية وتطبيقات الدردشة قد تحمل في ظاهرها مساحات للتعارف والتواصل، لكنها في كثير من الأحيان تخفي مخاطر نفسية واجتماعية وأمنية تهدد الأبناء.
وأوضحوا أن سهولة إنشاء الحسابات وإخفاء الهوية وتزييف المعلومات الشخصية جعلت من العالم الافتراضي بيئة خصبة لعلاقات غير سليمة، قد تؤثر في سلوك الأبناء، وتدفعهم إلى الانعزال عن محيطهم الأسري والمدرسي، فضلاً عن أنها تعدّ «مصيدة» للاستغلال والابتزاز الإلكتروني.
وأكدوا، لـ«البيان»، أن تنامي الاعتماد على هذه الصداقات يأتي في وقت تتراجع فيه فرص التواصل الواقعي، خصوصاً داخل البيئة المدرسية، ما يستدعي تعزيز دور الأسرة والمدرسة في توعية الأبناء بأهمية بناء علاقات صحية قائمة على المعرفة المباشرة والثقة الحقيقية، إلى جانب ترسيخ مفهوم الصداقة المدرسية بوصفها أحد أهم عناصر الدعم النفسي والاجتماعي للطلبة.
ضغط نفسي
وأوضحت سينميس ناجي الاختصاصية النفسية أن أخطر ما في الصداقات الرقمية هو اعتمادها على صورة ذهنية قد لا تعكس الواقع، إذ يستطيع أي شخص أن يقدم نفسه بصورة مختلفة تماماً عن حقيقته، سواء من حيث العمر أم الشخصية أم النوايا، مشيرة إلى أن الأبناء، خصوصاً في مرحلة المراهقة، يكونون أكثر ميلاً لتصديق هذه الصورة نتيجة حاجتهم إلى القبول والانتماء، ما يجعلهم عرضة للتأثر السريع والتعلق العاطفي غير المدروس.
وأضافت أن بعض هذه العلاقات قد تتحول إلى مصدر ضغط نفسي، حين يبدأ الابن أو الابنة في مشاركة تفاصيل خاصة أو أسرار شخصية مع طرف مجهول، ثم يشعر بالخوف أو الندم لاحقاً.
مهارات التواصل
وأفادت الاختصاصية النفسية أمل الحمادي بأن الصداقات الافتراضية تسهم في إضعاف مهارات التواصل الواقعي لدى الأبناء، خصوصاً إذا أصبحت بديلاً للعلاقات اليومية مع الزملاء والأصدقاء في المدرسة، موضحة أن التواصل عبر الشاشة لا يتيح للطفل أو المراهق تعلم مهارات أساسية مثل قراءة تعبيرات الوجه، وفهم نبرة الصوت، والتعامل مع المواقف الاجتماعية المباشرة.
تهديد وضغط النفسي
وحذرت الاختصاصية النفسية الدكتورة ميساء العبدالله، من أن بعض الصداقات الرقمية قد تكون مدخلاً لحالات الابتزاز الإلكتروني، مشيرة إلى أن الجناة غالباً ما يبدأون بكسب الثقة تدريجياً، ثم يطلبون صوراً أو معلومات شخصية، قبل أن يستخدموها في التهديد والضغط النفسي.
وأوضحت أن هذا النوع من الممارسات يترك آثاراً نفسية عميقة على الأبناء، تصل أحياناً إلى فقدان الثقة بالآخرين، والشعور بالخوف المستمر، بل وقد تؤدي إلى تراجع الثقة بالنفس والانسحاب من المحيط الاجتماعي.
مساحات حوارية
وأوضح التربوي عبدالرزاق حاج مواس نائب مدير للشؤون الإدارية في مدرسة خاصة بالممزر، أن بعض الأبناء يلجأون إلى تكوين صداقات رقمية نتيجة شعورهم بالوحدة أو الفراغ العاطفي، خصوصاً إذا غابت المساحات الحوارية داخل الأسرة، مؤكداً أن غياب التواصل الأسري الدافئ يدفع بعض الأبناء إلى البحث عن الدعم والاهتمام خارج المنزل، حتى لو كان ذلك مع أشخاص مجهولين. وأضاف أن بناء جسور الثقة بين الأهل والأبناء يسهم بشكل كبير في تقليل انجذابهم إلى العلاقات غير الآمنة، لافتاً إلى أن الحوار اليومي البسيط مع الأبناء قد يكشف مبكراً عن أي علاقة مقلقة أو سلوك غير طبيعي.
المنع ليس الحل
وقالت الدكتورة لميس رياض البدور مستشار التطوير الإداري وخبيرة التنمية البشرية: إن المنع التام لا يعد حلاً، لأن الأبناء قد يلجأون إلى استخدام التطبيقات والمنصات بشكل سري، ما يزيد من صعوبة المتابعة، موضحة أن الحل يكمن في الرقابة الواعية القائمة على الثقة، من خلال معرفة التطبيقات التي يستخدمها الأبناء، والتحدث معهم باستمرار عن تجاربهم الرقمية، وتوضيح المخاطر بطريقة هادئة ومقنعة.
وأضافت أن الأسرة يجب أن تكون المساحة الأولى التي يشعر فيها الأبناء بالأمان والقدرة على الحديث عن أي موقف يواجهونه، دون خوف من العقاب أو اللوم، لأن الاحتواء الأسري يمثل خط الدفاع الأول في مواجهة المخاطر الرقمية.
صداقة مدرسية
وأكد التربوي محمود فرغل، أن الصداقة المدرسية تمثل أحد أهم البدائل الصحية للعلاقات الرقمية غير الآمنة، مشيراً إلى أن البيئة المدرسية تمنح الطلبة فرصة بناء صداقات حقيقية قائمة على التفاعل المباشر والمواقف المشتركة.
وأوضح أن الصديق المدرسي غالباً ما يكون شريكاً في التجربة اليومية، سواء داخل الصف أم في الأنشطة، ما يعزز قيم التعاون والانتماء والدعم النفسي. وأضاف أن وجود أصدقاء حقيقيين داخل المدرسة يساعد الطالب على التعبير عن مشاعره، ويمنحه شعوراً بالأمان والاستقرار، خصوصاً في المراحل العمرية الحساسة.
وأشار إلى أن الصداقات المدرسية تسهم في تخفيف الضغوط النفسية التي قد يتعرض لها الطلبة، سواء المرتبطة بالدراسة أم التغيرات العمرية، إذ يجد الطالب في صديقه مساحة للمساندة والمشاركة، وهو ما لا يمكن أن توفره العلاقات الرقمية بالدرجة نفسها.
غياب الوعي
وشدد التربوي محمود أبو الفتوح، على أن التكنولوجيا ليست في حد ذاتها خطراً، وإنما يكمن الخطر في غياب الوعي بأساليب استخدامها، مؤكداً أهمية تعزيز مفهوم التربية الرقمية داخل الأسرة والمدرسة، حتى يتمكن الأبناء من التمييز بين العلاقة الآمنة وغير الآمنة، ومعرفة كيفية التصرف عند التعرض لأي موقف مريب.
ولفت إلى أن الصداقات المدرسية، تبقى الحصن الآمن لأنها أكثر قدرة على دعم الأبناء نفسياً واجتماعياً، فيما تتطلب الصداقات الرقمية مع الغرباء مزيداً من الحذر والتوجيه، حتى لا تتحول من وسيلة للتواصل إلى باب لمخاطر يصعب احتواؤها لاحقاً.
