دبي - رحاب حلاوة، سعيد الوشاحي، سارة الكواري

أكد اختصاصيون أن الطفل لا يحتاج فقط إلى الرعاية المادية، بل إلى الشعور بأنه مسموع ومفهوم ومقبول، محذرين من أن فقدان هذا الاحتواء قد يفتح الباب أمام سلسلة من التأثيرات النفسية والسلوكية والمعرفية، التي قد تمتد آثارها إلى مراحل متقدمة من حياته.

وحذروا من أن غياب الاحتواء العاطفي داخل الأسرة لا يمر دون أثر، بل يترك فجوة نفسية، قد تدفع الطفل إلى البحث عن بدائل خارج إطارها الطبيعي، خصوصاً في العالم الرقمي، وتتجلى أبرز المخاطر في أربع صور رئيسة، أولها الخطر النفسي والاجتماعي.

حيث يشعر الطفل بالوحدة وفقدان التقدير، ما يجعله أكثر عرضة للعزلة وضعف الثقة بالنفس والآخرين، والثاني في الانتهاك الرقمي والابتزاز، إذ يسعى الطفل إلى تعويض هذا النقص من خلال تكوين علاقات افتراضية مع غرباء، قد يستغلون حاجته للاهتمام، للحصول على معلومات منه أو ابتزازه، أما الثالث، فهو التأثير السلبي في النمو السلوكي والمعرفي.

حيث يؤدي الحرمان العاطفي إلى ضعف التركيز، وتراجع الدافعية للتعلم، وزيادة التشتت، والانسحاب من الأنشطة الواقعية. ويتمثل الرابع في الانجذاب إلى محتوى غير مناسب، إذ يصبح الطفل أكثر قابلية للتأثر بأي محتوى يمنحه شعوراً بالانتماء أو التعويض، حتى وإن كان يحمل قيماً أو سلوكيات لا تتناسب مع عمره أو بيئته.

أكدت الدكتورة لميس رياض البدور مستشارة التطوير الإداري وخبيرة التنمية البشرية، أن الأسرة تمثل المصدر الأول والأهم للاحتواء العاطفي في حياة الطفل.

مشيرة إلى أن شعور الأبناء بالأمان، يبدأ من علاقتهم اليومية مع الوالدين، موضحة أن تخصيص وقت منتظم للحوار مع الأبناء، والاستماع إليهم باهتمام، يعزز لديهم الشعور بالقيمة والانتماء، ويمنحهم الثقة للتعبير عن مشاعرهم دون خوف أو تردد.

وأضافت أن الاحتواء العاطفي لا يرتبط فقط بالكلمات، بل يظهر أيضاً في السلوكيات اليومية، مثل إظهار التقدير، وتشجيع الأبناء، ومشاركتهم اهتماماتهم، والانتباه لتغيراتهم النفسية.

مشيرة إلى أن الطفل الذي يشعر بأن أسرته تهتم به وتدعمه، يكون أكثر استقراراً نفسياً، وأقل عرضة للبحث عن بدائل عاطفية خارج إطار الأسرة، سواء في العالم الرقمي أو في علاقات غير آمنة.

وشددت على أهمية بناء علاقة قائمة على الثقة، بحيث يشعر الطفل بأنه قادر على التحدث عن مشكلاته دون خوف من اللوم أو العقاب، موضحة أن هذه الثقة تمثل عامل حماية أساسياً، لأنها تمكّن الأسرة من التدخل المبكر عند ظهور أي تغيرات سلوكية أو نفسية، وتسهم في تعزيز التوازن النفسي والاجتماعي للطفل، وبناء شخصية قوية، قادرة على مواجهة التحديات بثقة واستقرار.

خط الدفاع

رائدة فيصل

ومن جهتها، قالت التربوية رائدة فيصل شفيق، إن المدرسة تمثل خط الدفاع الثاني بعد الأسرة في تعويض النقص العاطفي الذي قد يعانيه بعض الطلبة، مؤكدة أن البيئة المدرسية الداعمة تسهم في تعزيز شعور الطالب بالأمان والانتماء، موضحة أن المعلم لا يقتصر دوره على نقل المعرفة، بل يمتد ليشمل الدعم النفسي والاجتماعي.

وأضافت أن المدارس التي توفر أنشطة تفاعلية، مثل العمل الجماعي والأنشطة اللاصفية، تمنح الطلبة فرصاً لبناء علاقات واقعية صحية، وتعزز مهارات التواصل لديهم، مؤكدة أن شعور الطالب بأنه جزء مهم من بيئة مدرسية تحتضنه وتقدّر جهوده، يسهم في تحقيق التوازن النفسي، ويقلل من احتمالية لجوئه إلى بدائل غير آمنة، لتعويض الاحتياجات العاطفية التي قد يفتقدها خارج المدرسة.

العزلة النفسية

شافع النيادي

ومن جانبه، أكد خبير التنمية البشرية والعلاقات الأسرية، الدكتور شافع النيادي، أن أولى نتائج فقدان الاحتواء العاطفي، تتمثل في التأثير النفسي والاجتماعي العميق في الطفل، حيث يبدأ تدريجياً في الشعور بعدم الأهمية أو عدم التقدير. وأوضح أن الطفل الذي لا يجد من يستمع إليه أو يشاركه مشاعره داخل الأسرة، يصبح أكثر عرضة للعزلة والانطواء.

وأشار إلى أن هذا الشعور لا يظهر دائماً في صورة واضحة، بل قد يتجلى في سلوكيات، مثل الصمت المفرط، أو الانسحاب من الحوار، أو قضاء وقت طويل بمفرده، مضيفاً أن الطفل في هذه الحال، يبدأ في بناء عالم خاص به، بعيداً عن أسرته، لأنه لا يشعر بالارتباط العاطفي الكافي داخلها.

وأوضح النيادي أن غياب الاحتواء لا يعني بالضرورة غياب الحب، بل قد يكون نتيجة انشغال الوالدين أو ضعف التواصل، لكن الطفل يفسره على أنه تجاهل، ما يؤثر في ثقته بنفسه وبالآخرين.

وحذر النيادي من أن الطفل الذي يعاني نقصاً في الاحتواء العاطفي، يصبح أكثر عرضة للبحث عن الاهتمام خارج إطار الأسرة، خصوصاً في العالم الرقمي، موضحاً أن هذا البحث قد يدفع الطفل إلى تكوين علاقات مع أشخاص مجهولين، يمنحونه كلمات التشجيع أو الاهتمام، ما يجعله أكثر عرضة للاستغلال.

التركيز والتحصيل

شادية حسين

ومن جانبها، أوضحت التربوية شادية حسين، أن فقدان الاحتواء العاطفي لا يؤثر فقط في الحالة النفسية، بل يمتد إلى الأداء السلوكي والمعرفي للطفل، مؤكدة أن الطفل الذي لا يشعر بالدعم العاطفي، يصبح أقل دافعية للتعلم، وأكثر عرضة للتشتت وفقدان التركيز.

وأشارت إلى أن هذا النقص يؤثر في استقرار الطفل النفسي، ما ينعكس على قدرته على الانتباه داخل الفصل، والتفاعل مع المعلمين، والمشاركة في الأنشطة المدرسية، مضيفة أن الطفل قد يفقد اهتمامه بالإنجاز، لأنه لا يشعر بالتقدير أو الدعم.

وأكدت حسين أن الطفل الذي يعاني نقصاً في الاحتواء العاطفي، قد يلجأ إلى بدائل تعوض هذا النقص، مثل التعلق المفرط بالأجهزة الإلكترونية أو العزلة الاجتماعية، مشيرة إلى أن هذه البدائل تمنح الطفل شعوراً مؤقتاً بالراحة، لكنها لا توفر الدعم الحقيقي الذي يحتاجه.

الفقد العاطفي

صابرين الفقي

ومن جهتها، قالت الاختصاصية النفسية صبرين الفقي، يُعدّ الأمان العاطفي هو الأساس للنمو النفسي السليم للطفل، وتعد الأسرة هي مصدره الأول له. وعندما يتعرض الطفل لأي شكل من أشكال الفقدان، سواء كان غياباً جسدياً أو عاطفياً، فقد يتذبذب شعوره بالأمان، ويبدأ في البحث عما يطلق عليه الاحتواء، ولكن يبحث عنه خارج المنزل.

وتتعدد أشكال الفقدان العاطفي بين وفاة، طلاق، انفصال، أو حتى غياب عاطفي، بسبب الإهمال أو الانشغال الدائم. حيث يظهر تأثيره في عدة صور، منها عدم شعور بالأمان والعدوانية والتعلق بأي شخص يظهر اهتماماً.

وعندما لا تُشبَع الاحتياجات العاطفية داخل المنزل، يبدأ الطفل في البحث عن الاهتمام والقبول خارج الأسرة، سواء عند الأصدقاء أو المعلمين، أو حتى عبر الإنترنت، دون قدرة كافية على التمييز بين العلاقة الصحية والعلاقة المؤذية.

وأوضحت أن المخاطر تختلف بحسب الفئة العمرية، ففي سن 3 إلى 6 سنوات، قد يظهر التعلّق الزائد بالمعلمة، أو الخوف والانطواء داخل المدرسة، يقابله في المنزل اضطراب في النوم، أو نوبات غضب أو تبول لا إرادي، ويكمن الخطر الأساسي في تكوّن شعور مبكر بعدم الأمان، أما من 7 إلى 11 سنة، فتبرز مشكلات مثل التنمّر، والتأثر الشديد بالأصدقاء.

إضافة إلى احتمالات الاستدراج أو التعرض لمحتوى إلكتروني غير مناسب، مع ميل للعزلة خلف الأجهزة، أو إجراء محادثات سرية، ما يعكس محاولة تعويض الاحتياج العاطفي عبر مصادر غير آمنة.

وتابعت: وفي مرحلة 12 إلى 18 سنة، تظهر تحديات العلاقات العاطفية المبكرة وضغط الأقران، إلى جانب مخاطر الاستغلال أو العلاقات الإلكترونية الخطرة، مع انسحاب وكتمان أسرار داخل المنزل، ويكمن الخطر هنا في البحث عن الانتماء والهوية بأي ثمن.

الأمان العاطفي

من جانبه، أكد الاستشاري النفسي منصور عساف، أن الأمان العاطفي لا يُبنى باللين المطلق، ولا بالشدة المطلقة، بل عبر وضوح الحدود، ودفء العلاقة، واحترام المشاعر، وثبات السلوك.

وأوضح أن النمط الحازم الداعم، هو الأقرب علمياً لتعزيز التعلّق الآمن، إذ يرفع احترام الذات، ويعزز القدرة على تنظيم المشاعر، ويكسب الطفل مهارات اجتماعية صحية، ويمنحه الثقة بأن والديه مصدر أمان. وقال: «الطفل لا يحتاج والداً لطيفاً دائماً، بل يحتاج والداً ثابتاً، يمكن التنبؤ بردود أفعاله».

وأشار إلى أن استجابة الوالدين تحدد مستوى صراحة الطفل مستقبلاً، فالتقليل من مشاعره، يدفعه للاعتقاد بأنها غير مهمة، والتوبيخ يربط الحديث بالعقوبة، والتجاهل يشعره بعدم الأهمية، في حين يعزز التفهم والتنظيم ثقته ويقوي الحوار.

توازن تربوي

ومن جهتها، قالت ولية الأمر قمر الشامي، إن احتواء الأطفال ضرورة تربوية، تحافظ على الترابط بين الطفل ووالديه، موضحة أن الطفل ينشأ في أسرته على منظومة من القيم التي يضعها الوالدان، لكنه عند دخوله سن الدراسة، يتعرض لقيم وسلوكيات متنوعة، إيجابية وسلبية، وقد يكتسب بعضها بدافع الفضول أو حب التجربة، فيحاول ممارستها أمام والديه.

وأضافت إن دور الوالدين يتمثل في تعليم الطفل كيفية فلترة السلوكيات، وتشجيعه على السؤال عما يبدو غريباً أو غير مألوف. واستذكرت أنها، وعلى مدى 14 عاماً، لاحظت اكتساب طفلها لبعض المفردات السلبية، دون إدراك معناها، فتمنحه خمس فرص تستوضح خلالها مصدر المفردة.

وتشرح معناها وتوجهه، وفي حال تكرارها بعد ذلك، تطبق أسلوب «الوقت المستقطع» لدقائق تتناسب مع عمره، ليعيد التفكير في تصرفه، ثم تناقشه لاحقاً بهدوء.

ناصر البلوشي

وفي السياق ذاته، أوضح الدكتور ناصر بن عيسى البلوشي الزهراني أستاذ العلوم الإنسانية والاجتماعية بجامعة زايد، وكبير الباحثين في العلوم الشرعية، والمأذون الشرعي بإمارة دبي، أن الاحتواء العاطفي ليس ترفاً تربوياً، ولا مفهوماً مستورداً، بل هو أصلٌ راسخ في الهدي النبوي، ومنهجٌ شرعيٌّ عظيم في بناء الأسرة المسلمة المتوازنة.

مشيراً إلى أن الطفل إذا نشأ في بيئةٍ يسودها الحنان، ويُغمر فيها بالكلمة الطيبة، واللمسة الرحيمة، والإنصات الصادق، استقامت نفسه، واطمأن قلبه، ولم يبحث عن بدائل عاطفية خارج إطار أسرته.

وبيّن أن الخلل في بعض من البيوت اليوم، لا يكمن في قلة النفقة أو ضعف الإمكانات، وإنما في فقر المشاعر، وجفاف الحوار، وغياب القرب الحقيقي بين الآباء والأبناء، لافتاً إلى أن الطفل الذي لا يجد صدراً يحتويه، وأذناً تسمعه، وقلباً يفهمه، قد يندفع -بدافع الفطرة- للبحث عمّن يمنحه هذا الشعور، ولو كان شخصاً غريباً لا يُؤمَن جانبه.

وأكد أن الشريعة الغراء سبقت النظريات الحديثة في تقرير أهمية الرحمة والرفق بالصغار، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يُقبّل الحسن والحسين، ولا يطيل السجود لأجل بكاء طفل، ويُعلنها مبدأً خالداً: «ليس منا من لم يرحم صغيرنا»، وهذه ليست مواقف عاطفية عابرة، بل تأسيسٌ تربويٌّ عميق، يُعلّم الأمة أن الرحمة سياج الحماية الأول.

وأضاف أن بناء علاقة متوازنة مع الأبناء، يقوم على ثلاث ركائز: حضورٌ جسديٌّ لا ينفصل عن حضورٍ عاطفي، وحوارٌ مفتوحٌ بلا تخويفٍ ولا تسفيه، وعدلٌ بين الأبناء بلا تمييزٍ ولا مقارنةٍ جارحة، فالمقارنة تُورث الغيرة، والقسوة تُورث الانكسار، والإهمال يُورث الفراغ.

4 مخاطر تهدد الأطفال نتيجة فقدان الاحتواء العاطفي الأسري

ضرورة بناء الثقة ليتحدث الطفل عن مشكلاته دون خوف من اللوم أو العقاب

الأنشطة المدرسية تمنح الطلبة علاقات صحية وتعزز مهارات التواصل