دبي - رحاب حلاوة، جميلة إسماعيل

مع بداية الفصل الدراسي الثاني، بدأت تتصاعد ظاهرة جديدة عبر منصات التواصل الاجتماعي، حيث تُعرض خدمات لحل الواجبات المدرسية والبوابات الرقمية مقابل مبالغ مالية. هذه الظاهرة أثارت قلق التربويين والمعلمين، لما لها من آثار سلبية على مستوى التحصيل الدراسي للطلاب، وعلى قيمة العملية التعليمية ككل. فالواجب المدرسي، الذي يُفترض أن يكون وسيلة لتعزيز الفهم وبناء المهارات، أصبح في بعض الحالات مجرد رقم أو إجراء شكلي، بعيداً عن دوره التربوي الحقيقي.

تفاصيل الظاهرة وخطورتها

مع اعتماد التعليم بشكل متزايد على المنصات الرقمية، ظهرت إعلانات على تطبيقات مثل «تيك توك» و«تلغرام» و«إنستغرام» تروّج لإنجاز الواجبات وحل البوابات التعليمية بسرعة ودقة مضمونة. تستهدف هذه الإعلانات الطلاب مباشرة، مستخدمة لغة مبسطة وشعارات جذابة، كما توجه رسائل لأولياء الأمور تحت شعار تخفيف الضغط الدراسي على أبنائهم.

ويرى تربويون ومعلمون أن خطورة هذه الظاهرة تكمن في استبدال جهد الطالب بحلول جاهزة، ما يفقد الواجب المدرسي قيمته التربوية ويحوّل التقييم إلى أرقام لا تعكس مستوى الطالب الحقيقي. وأوضح الدكتور محمد فتح الباب أن الواجب المدرسي يُفترض أن يكون مرآة لمستوى الطالب، وأن أي تدخل خارجي في حله يخل بهذه الوظيفة الأساسية. وأشار إلى أن المعلم يعتمد على الواجبات لتحديد مواطن الضعف ومعالجة الفجوات التعليمية مبكراً، لكن عندما تكون الإجابات منقولة أو منجزة من طرف آخر، يصبح التقييم مضللاً، وتظهر فجوة بين النتائج المرتفعة في الواجبات والنتائج المنخفضة في الاختبارات الصفية والشفوية، ما يمثل مؤشراً خطراً إلى تراكم الفاقد التعليمي على المدى الطويل.

الأثر النفسي والدافعية

وأكدت الاختصاصية النفسية الدكتورة ميساء العبد الله، أن الاعتماد المستمر على الحلول الجاهزة يقلل الدافعية الداخلية لدى الطلاب، ويحوّل التعلم إلى الحصول على الدرجة فقط دون اكتساب المعرفة الفعلية. ولفتت إلى أن الطالب الذي لا يشارك في حل واجباته بنفسه يفقد الشعور بالإنجاز، ما يؤثر سلباً في ثقته بنفسه وقدرته على مواجهة التحديات. كما أشارت إلى أن بعض الطلاب يعانون من القلق عند دخول الاختبارات نتيجة الفجوة بين ما يظهر في الواجبات وما يمتلكونه فعلياً من مهارات، وهو ما قد يمتد أثره إلى المراحل التعليمية اللاحقة.

وأضافت أن الاعتقاد بأن حل الواجبات عبر منصات خارجية يمر دون ملاحظة هو اعتقاد غير دقيق، إذ يمتلك المعلمون أدوات تمكنهم من اكتشاف مصدر الحل. اختلاف أسلوب الكتابة، ومستوى اللغة، وطريقة عرض الإجابة مقارنة بمستوى الطالب داخل الصف، تُعد مؤشرات واضحة إلى أن الحل ليس من الطالب نفسه. وأحياناً تكون الإجابات أعلى من مستوى الطالب المعروف أو تستخدم مصطلحات لم تُدرس بعد، ما يدفع المعلم لإعادة التقييم عبر أسئلة شفوية أو أنشطة تطبيقية، حفاظاً على مصداقية التقييم.

الحل التربوي والمناهج التعليمية

وقالت الدكتورة نعيمة عبداللطيف قاسم، إن التعليم مسؤولية مشتركة بين المدرسة والأسرة، وليس مجرد الضغط على الطالب لإنجاز الواجبات. ومع تسارع وتيرة الحياة وكثرة الضغوط اليومية، أصبحت الواجبات أحياناً عبئاً على الأسرة بأكملها، حيث أشارت إلى أن نحو 80% من التوتر داخل المنزل مرتبط بالواجبات وخوف الطلاب من انتهاء الوقت قبل إغلاق المنصات التعليمية.

واقترحت تخصيص حصص لحل الواجبات تحت إشراف معلم المادة، أو يوم محدد مثل يوم الجمعة لإتمام الواجبات، مع التركيز على واجب واحد في مواد محددة مثل اللغة العربية أو الإنجليزية لقياس مهارات محددة مثل الكتابة، لضمان أن الواجب يحقق الهدف التربوي دون فقدان المهارات الأساسية.

الآثار التعليمية والفاقد المعرفي

من جانبها أكدت التربوية ياسمين مصطفى، أن أخطر ما في هذه الظاهرة هو إنتاج فاقد تعليمي صامت، حيث يعتقد الطالب وولي الأمر بأن الأمور تسير بشكل جيد بسبب الدرجات المرتفعة، بينما تتراكم فجوات معرفية حقيقية يصعب علاجها في المراحل المتقدمة. وأشارت إلى أن الواجبات ليست مجرد عبء، بل فرصة لبناء الاستقلالية وتنمية مهارات التعلم الذاتي، بينما الحلول الجاهزة تحول الطالب إلى متلقٍّ سلبي ويضعف قدرته على التفكير والتحليل.

خلق جيل ناقل للمعرفة

أوضحت رانيا محمد حسن، أن الأشخاص أو الجهات التي تقدم خدمات حل الواجبات بمقابل مالي، دون تقديم أي شرح أو دعم تعليمي، تبتعد عن الهدف التربوي الحقيقي. وتابعت إن الاعتماد على هذه الحلول يُنتج جيلاً يعتمد على النقل لا الفهم، ويبحث عن النتائج السريعة بدل المعرفة العميقة. هذا السلوك يضعف قيمة الاجتهاد، ويشوّه مفهوم النجاح، ويزرع في ذهن الطالب فكرة أن التفوق يمكن شراؤه بالمال، وهو ما يتناقض مع أخلاقيات التعليم التي تقوم على الأمانة والمسؤولية.

دور المعلم وأهمية الرقابة

شدّدت هبة معين إسماعيل وشادية حسين خليفة، على أن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب تكاملاً بين الرقابة التقنية، ورفع وعي الطلاب وأولياء الأمور، وتطوير أساليب التقييم المبنية على الفهم والتطبيق، وتنويع الواجبات وربطها بأنشطة صفية ونقاشات مباشرة.

وأكدتا أن دور المعلم يتجاوز تقديم الإجابات، ليشمل الشرح، التوضيح، الدعم، وتمكين الطالب من الإنجاز بنفسه، بما يضمن تحقق التعلم الفعلي والحفاظ على مصداقية العملية التعليمية.