فضاءات عامرة بالحكمة والمحبة والقيم والنجاح والإبداع والوصايا التي تكفل خير المجتمعات، ضمها كتاب «الرسائل» الذي أصدره، أخيراً، صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، إذ يزخر برؤى فكرية وتوصيفات ومناهج عمل وتميز لا غنى عن الاقتداء بها حين نبغي الصدارة في أي من الميادين.

وهو ما يتبدى بجلاء، في «رسالة إلى إعلامي»، التي تغتني بأبلغ المعاني والتوصيفات والمبادئ المحددة لماهية وحال الإعلامي الحق، ولطبيعة المسؤوليات المجتمعية والأخلاقية والقيمية، المترتبة عليه، حيث يشرح ويحلل سموه فيها، بعقل وحنكة ووعي القائد الخبير والمتمرس المنفتح، جوانب العمل الإعلامي وما ينطوي عليه من إيجابيات في حال أتقنا تسيير دفته نحو الوجهة السليمة.

مشيراً، في الوقت عينه، إلى خطورة الخطاب الإعلامي وكل كلمة يشتمل عليها حين يتحول أداة للشقاق والتفرقة في المجتمع، وكذا عندما يغدو حربة تطعن قيم التآلف، وتطيح بمكوّن الجمال والخير والتآزر، وذلك على صعيدي: الدولة الواحدة والإنسانية جمعاء.

ونحن نطالع ديباجات رسالة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، الموجهة إلى الإعلامي، ونتلقف إشاراتها وآفاقها، نقرأ سطوراً معطرة بحكمة وحنكة وفراسة قائد وفارس ملهم، لا ينفك ينتصر للإنسان والعدالة والتقدم والمحبة، في أفعاله وفي أقواله شتى.

ويشرح سموه في مقاطع الرسالة، بشكل وافٍ ودقيق لجوانب هذا الميدان، وبإلمام وعمق ودراية من يمتلك سعة وعمقاً معرفيين يمكنانه من سبر وتحديد المهام المحورية للإعلام، بجانب روافع نجاحه في رسالته وآثار ممارساته، وخفاياه وما يعتمل في كواليسه:

«علمتني الحياة أن كلماتنا تصنعنا.. ما نكتبه ونقرأه يصنع وعينا.. ما نردده أمام أطفالنا يحدد مستقبلنا.. ما نتداوله في مجتمعنا يصنع ثقافتنا.. ما ننشره في منصاتنا يحدد هويتنا».

لم يترك سموه جانباً أو مسألة في الحقل، إلا وتناوله ورصده وفكّكه وحدد ركائزه في الرسالة، منطلقاً من حساسية أدواره وأهميته القصوى، وقيمة المسؤوليات الملقاة على كاهل العاملين فيه.

وكذا يؤكد على أن الإعلام سلاح ذو حدين، سواء أكان مطبوعاً أو متلفزاً أو مسموعاً أو مبثوثاً رقمياً، إذ يبقى معقل الرهان والأساس ربان سفينته (مبدع الخطاب)، ومصدر الرسالة (المالك للوسيلة الإعلامية)، فهما من يتحمل المسؤولية عن آثار الرسالة الإعلامية السلبية المتأتية جراء كلمات وطروحات وأفكار مشبوهة هدامة، لا تبالي بالقيم المجتمعية وتحول الخطاب الإعلامي محركاً للفرقة والتقاتل والتحاقد بين أطياف المجتمع الواحد وبين المجتمعات الإنسانية جلّها:

«الإعلام أخطر سلاح، لأنه يصنع الوعي. والإعلامي الحقيقي ليس الذي يقف خلف الميكرفون، بل الذي يدرك خطورته».

كما لا يفوت سموه أن يحذر الإعلاميين من مخاطر «سموم الكلمات»، التي بمقدورها أن تحوّل المجتمعات، حسب ما يذكر، من مسالمة إلى مجتمعات تتغذى على الكراهية وعلى المشاعر العنيفة، التي تترجم، في نهاية المطاف، إلى أفعال عنف:

«أخي الإعلامي.. حذار من سموم الكلمات.. فالكلمات المسمومة تتسلل إلى المجتمعات ببطء، فيتحول المجتمع بعد سنوات من مجتمع مسالم متسامح إلى مجتمع يعتاد عنف الألفاظ، وعنف المشاعر، ولا يبقى بعد ذلك إلا عنف الأفعال».

جسور أو حراب

يبيّن فارس العرب في «رسالة إلى إعلامي»، أن الكلمات تغدو جسور بناء ونهضة ومنابع أفراح، في حال أجدنا وأحسنّا توظيفها، لكنها تصبح مصادر خراب وحرائق وفتنة، ونبتاً شيطانياً يسمّم طمأنينة الناس، ويعمّق الكراهية والعنصرية، حين يفقد الإعلامي بوصلة خطابه الحق فيحوله آلة قتل تدمي المجتمع، ويودي بألفة أهله وبتطوره، ويجعل التباغض والعنصرية والطائفية تتسيد، فلا تتيح فرصة للقاء وتعاون وتعاضد الناس:

«علمتني الحياة أن الكلمات تنهض بالمجتمعات، أو تحطمها.. الكلمات تبني الجسور أو تهدمها.. الكلمات قد تنشر الأفراح، أو تعمق الجراح.. الكلمات إما شجرات مثمرات ينتفع بها الناس، أو نبتات شيطانية خبيثة تهدم العلاقات وتغرس الكراهية بينهم. والإعلامي يختار كلماته كما يختار طريقه في الحياة.. يبني الجسور أو يهدمها، يقرب المجتمعات أو يقسمها».

عبر ودروس

«رسالة إلى إعلامي» مليئة بالإشارات والعبر والدروس، التي يتضح لنا معها بجلاء، الحرص الكبير لصاحب السمو الشيخ محمد بن اشد آل مكتوم، على نصح الإعلاميين بضرورة خلوّ رسائلهم/ كلماتهم، من أي محمولات وجرعات فكرية مسمومة هدامة تقوّض استقرار المجتمعات، وتطيح بالمنجزات، وتهدم عروش تعايش الناس وتضامنهم وتوادهم.

ونتبين في فحوى الرسالة، أن سموه، وهو يعرض واجبات الإعلامي ومسؤولياته الأخلاقية، يعي جيداً أن صانع المحتوى الإعلامي هذا، ومعه الوسيلة الإعلامية، مربط الفرس في سلامة وفاعلية وإيجابية الرسالة الإعلامية.

كما ندرك ونحن نتبحّر في كلمات وأفكار سموه في هذه الرسالة، حقيقة وعيه لحساسية دور الإعلام والإعلامي في تعزيز سلامة مسارات تنمية مجتمعاتنا العربية.

ويجمل لنا سموه جوهر الخطاب الإعلامي، ومناقبية صانعه:

«كلمة الإعلامي هي شرفه ومسؤوليته وإرثه».

وبالطبع، لا جدال في أن تلك الجملة التي انطوت عليها رسالة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، تختصر ما يجدر أن يكون عليه الإعلامي الحق، وما يفترض أن ينبني عليه خطابه، كون كل ما يكتبه ويقوله يعكس خلقه ومستوى التزامه بالقيم والأصالة وخدمة القيم الإنسانية وصون مجتمعه.

وعي وأحكام ومعايير

صريحة مباشرة تتجلى مضامين وأحكام ومعايير سموه في الرسالة بينما يوصف مهام وسمات الإعلام وأدواره المجتمعية والتوعوية، ومتى يكون بناء مسؤولاً وقيّماً، أو ساماً هداماً وقاتلاً، إذ نراه يفصّل ويحدد المخاطر في الصدد، بشمولية وتفصيل، فيدوّن:

«الإعلام أخطر سلاح، لأنه يصنع الوعي. والإعلامي الحقيقي ليس الذي يقف خلف الميكرفون، بل الذي يدرك خطورته».

حسّ صحافي وفكر لمّاح

بطبيعة الحال، كتب صاحب «رؤيتي» و«قصتي»، رسالته إلى «إعلامي» لإيمانه بالدور الحساس للإعلام والإعلاميين، وانطلاقاً من خبرته في ميادين المعرفة والعلم والثقافة والفكر والإعلام، بجانب حسّه الصحافي، ولذا فليس غريباً أن نجده يلج إلى أدق كوامن وأبعاد الإعلام وممارسات صنّاعه:

«وهناك من يزرعون الكراهية، لأنهم يريدوننا أن نحصد الانقسام.. يحولون الاختلاف في الرأي إلى خصومات، ويحولون الخلافات إلى عداوات، ويعتاشون على التحريض بين المجتمعات.. هم الأعداء الحقيقيون للاستقرار.. التهاون مع هذه الخطابات اليوم ستجنيها الأجيال القادمة انقسامات واضطرابات».

«كلمات قتلت مئات الآلاف»

يستشهد سموه في حديثه حول خطر الإعلام عندما ينفلت من عقال المسؤولية الأخلاقية والاجتماعية، بما فعلته، إحدى الإذاعات الأفريقية، تحديداً في رواندا، وهي إذاعة شبابية انطلقت في 1993، اسمها «إذاعة وتلفزيون الألف تلة الحرة»، إذ كان لها كبير التأثير وأخطره في مقتل 800 ألف إنسان، في العام 1994، خلال 100 يوم فقط.

ودانت المحكمة الجنائية الدولية الخاصة برواندا، تلك الإذاعة والقائمين عليها، لاحقاً، بتهم الإبادة الجماعية وارتكاب جرائم ضد الإنسانية، حيث خاطبت القاضية، حينها، مسؤولي الإذاعة، بجملة مشهورة: «بدون بندقية أو سواطير، استطعتم إبادة الآلاف».

وفي ضوء سرد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، تلك الحادثة وأهوالها، ينبري ليحدثنا عن خطورة الإعلام في حال سلوكه دروب الظلام وتغافله عن مسؤولياته الأخلاقية:

«لا تؤدي كل الكلمات إلى حروب، لكن كل الحروب تبدأ بكلمات».

كما يوشّي سموه، خلاصات «رسالة إلى إعلامي»، بجملة محددات وركائز وتعريفات ونصائح، يشخص معها أمراض الإعلام، ويحدد المعايير المهمة للإعلام القويم، وللإعلامي المسؤول الذي يمكننا التعويل عليه في صون استقرار المجتمعات وحماية مقدرات الأوطان، ونشر الخير والسلام في عالمنا:

«الإعلامي الحقيقي ليس من يجري خلف الفضائح والهفوات، ويغطي أخبار الفارغين والفارغات، بل من يبحث عن القدوات، ويبرز البطولات، ويقدم نماذج عظيمة للمجتمعات». كذلك، يشدد سموه، على أن ذلك الإعلامي الحقيقي، ليس من ينقل الحدث والقصة، وإنما من يؤسس الوعي، ويصوغ لبناته، ويرسم ويبدع دعائم وحكاية الثقافة:

«فالأمة العظيمة تقوم على ثقافة عظيمة».

ويشير صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، في المضمار، إلى تجارب الصين الإيجابية الملهمة، حيث إنها تبني خوارزميات غنية بالمحتوى القيّم المحفز للشباب.

ويختار سموه أن يكون مسك ختام الرسالة، درر وصايا ونصائح وإرشادات، تفيد العاملين في الإعلام:

«علمتني الحياة أن الإعلام ليس مجرد كلمات، بل هو ثقة يزرعها، وأجيال يلهمها، ونهضة يبنيها، وشعوب يوحّدها».

ويضيف سموه: «علمتني الحياة أن الإعلام طاقة كبيرة.. طاقة قد تنير مدينة كاملة، أو تحرقها.. طاقة قد تشعل حماسة عظيمة في النفوس أو تطفئها.. طاقة قد تصنع جيلاً متفائلاً مقبلاً على المستقبل، أو جيلاً ثائراً ناقماً على الحياة».

محمد بن راشد أدرك مبكراً حساسية دور الإعلام والإعلاميين في نهضة المجتمعات أو انكسارها

تحذير من أثر المحتوى السام على تآلف المجتمعات

محددات وركائز وتعريفات ونصائح من سموه يشخص معها أمراض الإعلام ويحدد المعايير المهمة للإعلام القويم