•بوصلة صغيرة للقبلة صارت دليل دبي إلى غايتها

•العدل والرحمة أولاً.. ثم العمران والاقتصاد

•المصداقية عملة دبي الحقيقية.. والثقة أساس الرخاء

•«العظمة لا تحتاج الكثير من الضجيج».. درس راشد بن سعيد للأجيال

•أنجال فارس العرب يحملون قيم مؤسس نهضة دبي ورؤاه

«رسالة إليك وأنت الحاضر الغائب».. بهذه العبارة يكتب صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، إلى والده المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، طيب الله ثراه، رسالة عميقة الأثر في كتابه «الرسائل»، ومن يقرأ الرسالة بتأنٍّ يدرك أنها أكثر من كلمات وفاء يكتبها ابن لأبيه، فهي نافذة على فكر قائد يحدّثنا، من خلال سيرة والده، عن المبادئ التي صنعت تجربته في الحكم والتنمية، فكل درس يرويه عن الشيخ راشد بن سعيد يكشف قناعة راسخة في رؤيته، وكل ذكرى يستعيدها تضيء جانباً من نهجه في القيادة.

كتابٌ خطه راشد.. وما زال مفتوحاً

يقول سموه في رسالته: «كل إنجاز تحقق من بعدك فيه شيء منك، وكل حلم جديد سعينا وراءه امتداد لأحلامك، وكل سطر كتبناه في مجد بلادنا جزء من كتابك»، في هذه الكلمات تتجلى واحدة من أعمق قناعات سموه، وهي أن القيادة رحلة متصلة لا تبدأ من الصفر مع كل جيل، فالأوطان في نظره تُبنى كما تُبنى البيوت المتينة، وكل من يأتي يضيف إلى ما شيّده من سبقه، دون أن يهدم الأساس، وهذه القناعة ليست تواضعاً فحسب، بل هي فهمٌ عميق لسرّ الاستقرار، فالتجارب التي تنقطع عن جذورها تضطرب، أما التي تحفظ ذاكرتها وتبني عليها فتمضي بثبات، ولعل هذا ما يفسر كيف حافظت دبي على مسارها عقوداً طويلة، تتطور وتتجدد، لكنها لا تفقد اتجاهها وهويتها، ويكفي أن يقول حاكمٌ بحجم إنجازات سموه، إن كل ما تحقق «سطر» في كتاب والده، لندرك أن الوفاء عنده جزء من فلسفة الحكم ذاتها.

حين تجتمع الدولة في رجل

يعدد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد في الرسالة، مناقب وصفات والده:«الحاكم.. والقاضي.. والمهندس.. والتاجر.. والمُصلح.. والإداري.. والاقتصادي». وفي هذه القائمة يرسم سموه صورة القائد كما يراه، رجلاً لا يكتفي بإدارة شؤون الناس، بل يحمل همّ العدل بينهم، ويخطط لعمران مدينتهم، ويفهم تجارتهم واقتصادهم، ويصلح ما يقع بينهم من خلاف.

فلقد حمل الشيخ راشد بن سعيد هذه المسؤوليات كلها في زمن التأسيس، وبذلك تشكّل في فكر سموه مفهوم القيادة الشاملة التي ترى الصورة كاملة، فالقرار الاقتصادي لا ينفصل عن العدل، والعمران لا ينفصل عن حياة الناس، والإدارة لا تكتمل دون رؤية بعيدة، وهو مفهوم ما زال حاضراً في التجربة الإماراتية، حيث تتكامل المشاريع وتخدم غاية واحدة.. هي الإنسان.

بوصلة لا تخطئ الاتجاه

يتذكر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد أن والده كان يحمل في أسفاره «بوصلة صغيرة تدله على اتجاه القبلة وقت الصلاة»، ثم يقول سموه محدثاً أباه: «بوصلتك ما زالت معنا.. تدلنا على الاتجاه، وتحدّد لنا التوجّه، وتحفظ لنا الطريق نحو الغاية التي وضعتها لدبي»، ما يلفت هنا أن سموّه -وهو قائد دبي التي تُعرف بسرعتها وطموحها- يتحدث عن الاتجاه قبل السرعة، فالحركة السريعة بلا اتجاه واضح قد تقود إلى التيه، أما حين تكون البوصلة ثابتة، فإن كل خطوة مهما تسارعت تقرّب من الغاية، وهذه رؤية تفسّر كيف استطاعت دبي أن تتغير بهذا الإيقاع دون أن تفقد هويتها.

ثم يكشف سموه ترتيب أولوياته حين يعدد ميادين هذه البوصلة، فهي أولاً في القيم «نحفظ المعروف للناس كما أمرتنا، ونحكم بالعدل كما أوصيتنا، ونرحم الناس كما وجّهتنا»، ثم في البناء «في بناء المشاريع، واستقبال الحالمين، وتطوير الخدمات لراحة المواطنين والمقيمين»، ثم في الاقتصاد «في دعم تجّارنا، ورفع مستوى أحلامنا، وبناء مجد بلادنا»، فالعدل والرحمة يسبقان العمران، والإنسان يسبق الاقتصاد، ويحمل ذكر «المواطنين والمقيمين» معاً، و«استقبال الحالمين»، ملامح مدينة مفتوحة الأبواب لكل من يحمل حلماً ويريد أن يبنيه.

السلطة أمانة لا امتياز

من أكثر مقاطع الرسالة عمقاً تلك الدروس التي تعلّمها سموه من والده في أخلاق الحكم «لا رجاء للحاكم الظالم في رحمة الله، ولا عزّ لمن غرّته السلطة فأنسته حقوق البسطاء، ولا رخاء إلا في الثقة بين الحاكم والمحكوم»، حيث يرى سموه السلطة مسؤولية قبل أن تكون مكانة، فالحاكم يقف أمام الله قبل أن يقف أمام الناس، والعدل هو ما يمنح الحكم شرعيته الحقيقية، أما أخطر ما يهدد صاحب السلطة، فهو أن «تغرّه» فينسى البسطاء الذين وُجد لخدمتهم، ولذلك يربط سموه العزّ الحقيقي بالقرب من الناس، ويجعل الثقة المتبادلة بين القيادة والمجتمع الأساس الذي يقوم عليه الرخاء.

ويمضي سموه في استعادة دروس والده بأن «لا مكان للتكبّر، ولا للنزوات أو السهو عن الواجبات، ولا لتجاهل مطالب الناس»، فالحاكم في هذا الفكر حاضر دائماً لمسؤولياته، قريب من هموم الناس، لا يشغله شيء عن واجبه.

صدق المشورة قبل حلاوة الثناء

ويتوقف سموه عند موقف واضح ورثه عن والده «علمني أبي أن الكلمة شرف الرجل، فلا أحبُّ النفاق والمنافقين، ومدّعي المعرفة والمدّاحين»، وفي هذا الموقف بصيرة بطبيعة المسؤولية؛ فالكلمة الصادقة تعين صاحب القرار على رؤية الواقع كما هو، أما المديح الزائف وادعاء المعرفة فيحجبان عنه الحقيقة، ولذلك يقوم القرار الرشيد في فكر سموه على صدق المشورة وأمانة الرأي، ومن هذا المنبع الأخلاقي نفسه تأتي نظرة سموه إلى الدين، فقد تعلّم من والده «أن الدين محبة ورحمة وتسامح وتعارف بين البشر، وأن الكريم من يكرم الناس، واللئيم من يتكبّر على خلق الله»، وهو فهمٌ للدين يجمع ولا يفرّق، ويرى في اختلاف الناس دعوة إلى التعارف، وهو الجذر الأصيل لنهج التسامح والتعايش الذي تتبناه الدولة.

هيبة بلا ضجيج

يروي سموه درساً لم يسمعه من والده بقدر ما رآه متجلياً بشمائله وتصرفاته: «تعلمت من أبي أن القائد لا يرفع صوته.. كنت أرى هدوء صوته، وبساطة مجلسه، وعمق نظرته، فأعلم أن العظمة لا تحتاج الكثير من الضجيج»، وفي هذه العبارة فلسفة كاملة في القيادة، فالهيبة الحقيقية تولد من عمق الرؤية وهدوء القرار، والإنجاز هو أبلغ متحدث باسم صاحبه، ويعود هذا المعنى في الرسالة حين يصف سموه نجله سمو الشيخ مكتوم بن محمد بن راشد آل مكتوم، النائب الأول لحاكم دبي نائب رئيس مجلس الوزراء وزير المالية، بأنه «قليل الكلام، كثير التفكّر، عظيم الإنجاز»، ليؤكد أن هذا النهج لم يبقَ درساً في الذاكرة، بل صار سمة تتوارثها الأجيال.

حين يولد القرار مع الفجر

ومن مدرسة والده تعلّم صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد أن «ساعات الفجر الأولى هي أعظم الأوقات، وأفضلها لاتخاذ القرارات والتفكّر في مختلف الموضوعات ومتابعة أهم المشروعات»، وفي هذا الدرس انضباط يجعل القرار وليد الصفاء والتأمل، لا تحت ضغط اللحظة وزحام اليوم، فالقائد الذي يبدأ يومه مع الفجر يمنح نفسه مساحة للتفكير قبل أن تتزاحم عليه المسؤوليات، ويستقبل يومه برؤية واضحة لما يريد إنجازه.

أثرٌ كبير

ويضيف سموه من دروس والده «حُسن التخطيط، وبُعد النظر، وعدم التبذير، واستغلال الموارد - على قلّتها - لتعظيم الأثر على البلاد والعباد»، هذه الكلمات تعيدنا إلى بدايات دبي، حين كانت مواردها محدودة، ومع ذلك استطاع الشيخ راشد بن سعيد أن يصنع منها حاضرة تنافس العالم في وقت قياسي، والسر في ذلك أن معيار النجاح عنده لم يكن في حجم ما يُنفق، بل في حجم ما يُحدث من أثر في حياة الناس، ومن هنا ورث سموه فكرة «تعظيم الأثر»، التي تجعل كل مشروع يُقاس بما يضيفه إلى الإنسان والمكان.

الثقة.. ثروة لا تُقدّر بثمن

ويصل سموه إلى واحد من أهم دروس والده: «علمني أبي أن المصداقية مع الشركاء والشركات والمصارف والمؤسسات والحكومات هي عملة دبي الحقيقية.. لا تفريط فيها ولا تهاون مع من يحاول المساس بها».

فدبي التي قامت على التجارة عرفت منذ البداية أن ثروتها الحقيقية في ثقة العالم بكلمتها، فالشريك الذي يثق بالمدينة يعود إليها، والمستثمر الذي يطمئن إلى وعودها يبني فيها، وحين نضع هذا الدرس إلى جانب قول سموه: «لا رخاء إلا في الثقة بين الحاكم والمحكوم»، نرى أن الثقة معيار أساسي للرفعة والنماء، كما أن ثقة الناس بقيادتهم تصنع الاستقرار، وثقة الشركاء بالمدينة تصنع الازدهار، وهكذا تحوّل درس «الكلمة شرف الرجل» من قيمة يربّي عليها الأب ابنه، إلى نهج مدينة بأكملها.

قادة وقيم

تنتقل الرسالة إلى المستقبل حين يقول سموه: «ليتك ترى أحفادك اليوم يا أبي»، ثم يرى في نجله، سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم، ولي عهد دبي نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع رئيس المجلس التنفيذي لإمارة دبي «شغف البدايات، وشرارة الانطلاقات، وحماسة الأفكار الكبرى»، ويرى في سمو الشيخ مكتوم بن محمد بن راشد آل مكتوم، النائب الأول لحاكم دبي نائب رئيس مجلس الوزراء وزير المالية، هدوء والده الشيخ راشد بن سعيد «الذي يخفي عزيمة وقوة وهمّة وإصراراً»، و«رجولة ومسؤولية تحمل الجبال»، ويخاطب سموه أبيه أيضاً مبيناً أنه يرى في سمو الشيخ أحمد بن محمد بن راشد آل مكتوم، النائب الثاني لحاكم دبي، رئيس مجلس دبي للإعلام: «قلباً كقلبك يحمل همّ الوطن ورسالته».

وفي هذه الكلمات تتضح رؤية سموه لإعداد القادة، فالقيادة عنده لا تنتقل بالمناصب وحدها، بل بالقيم التي يتشرّبها الأبناء منذ الصغر، وفي قوله «أتابع حمدان» ما يكشف أن إعداد القادة عنده متابعة مستمرة وتوجيه دائم، واللافت أن الصفات التي يراها في أنجاله صفات إنسانية قبل أن تكون قيادية، كالقرب من الناس والبساطة والهدوء وحمل همّ الوطن، وكأن صورة الشيخ راشد بن سعيد تكتمل من جديد في أحفاده، فلكل منهم نصيب من شخصيته ونهجه.

ما زلتَ حاضراً.. وستبقى

وفي ختام الرسالة يقول سموه: «ما زلتَ حاضراً معنا.. بفكرك، وأفكارك، وقيمك، وأخلاقك، وأحفادك»، وحين يبلغ القارئ كلمة «أحفادك» يدرك أن الشيخ راشد بن سعيد لم يبقَ في ذاكرة ابنه صورةً من الماضي، بل بقي حياً في فكر يواصل العمل، وقيم تحكم القرار، ووجوه يراها سموه كل يوم، ثم يضيف سموه: «وستبقى»، كلمةً واحدة يقولها بيقين من يعرف أن ما غرسه والده أعمق من أن يطويه الزمن، ويختم سموه رسالته بدعاء صادق: «رحم الله أبي.. ذلك الشهم الأبيّ»، وبعد أن ظل يخاطب والده على امتداد الرسالة، يتحدث عنه في هذا السطر الأخير كمن يريد أن يُسمع الناس جميعاً كلمة وفاء في حق رجلٍ عرفته دبي كريماً مع أهلها، عزيز النفس، لا يرضى لبلاده إلا المكانة التي تليق بها.

رحل الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، طيب الله ثراه، لكن بوصلته ما زالت تهدي مسيرة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، كما كانت تهدي صاحبها في أسفاره، وتدل دبي على طريقها كلما مضت نحو حلم جديد.