ليست رسالة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، عن جدته الشيخة حصة بنت المر بن حريز الفلاسي، مجرد استعادة لسيرة امرأة من العائلة الحاكمة، ولا هي حكاية عاطفية يرويها حفيد عن جدته، بعد عقود من رحيلها.

فالنص، الذي اختار له عنوان «رسالة إلى بناتي.. الملكة حصة».. يبني منذ سطوره الأولى معنى أوسع بكثير من حدود الذكرى العائلية، إذ يحول حياة الشيخة حصة إلى نموذج اجتماعي وسياسي واقتصادي، وإلى درس في الطريقة التي يمكن أن يصنع بها الإنسان أثراً يستمر بعد غيابه، ويؤثر في أجيال لم تعاصره.

واللافت أن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، يبدأ الرسالة من الحاضر، لا من الماضي. فهو يتوجه إلى «بنات بلادي»، ويخبرهن بأنه يريد أن يحكي لهن قصة «الملكة حصة»، لما فيها من العبرة والحكمة ودروس الحياة.

بهذا المدخل تصبح الجدة التاريخية مخاطبة لنساء الحاضر، وتتحول سيرتها من ذكرى خاصة، إلى رسالة عامة.

هذه الحركة بين الماضي والحاضر، هي في الحقيقة مفتاح قراءة النص كله: فالمقصود ليس أن نعرف فقط من كانت الشيخة حصة، بل أن نفهم كيف يمكن لشخصية واحدة أن تترك بصمتها في أسرة، ثم في حاكم، ثم في مدينة بكاملها.

أم راشد.. ومدرسته الأولى

أكثر العبارات دلالة في الرسالة، هي وصف الشيخة حصة بأنها «أم راشد بن سعيد ومدرسته الأولى ومرشدته.. وصديقته»

فالاختيار هنا ليس عاطفياً فقط. كلمة «مدرسته» تنقل الأمومة من معناها البيولوجي إلى معنى فكري وتربوي. لم تكن الأم بالنسبة إلى المغفور له، الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، طيب الله ثراه، مجرد مصدر للحنان، وإنما كانت مساحة مبكرة، يتعلم فيها التفكير في الناس والتجارة والحكم واتخاذ القرار.

والرسالة تقدم هذه العلاقة بوصفها أحد المفاتيح التي تساعد على فهم شخصية الشيخ راشد رحمه الله لاحقاً. فالأفكار الأولى للحكم، والتعامل مع السياسة والتجار والتحديات، كما يروي صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، غرستها والدته فيه مبكراً.

هنا تتجاوز الرسالة التأريخ التقليدي، الذي يبحث عادة عن القرارات الكبرى والمشروعات والأحداث الرسمية، لتتوقف عند منطقة أكثر عمقاً: من أين يأتي الحاكم بأفكاره الأولى؟ ومن يصنع طريقته في النظر إلى المجتمع قبل أن يتولى المسؤولية؟

والإجابة التي يقدمها النص واضحة: جزء مهم من شخصية الشيخ راشد، تكوّن داخل البيت، وعلى يد والدته.

ومن هذه الزاوية، تصبح قصة الشيخة حصة جزءاً من قصة دبي نفسها، لأن أثرها لا يقاس فقط بما فعلته مباشرة، وإنما أيضاً بما انتقل منها إلى ابنها، الذي أصبح لاحقاً واحداً من أبرز صناع التحول في المدينة.

«الملكة» التي لم تطلق اللقب على نفسها

يتوقف صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، عند تفصيل صغير، لكنه شديد الدلالة: جدته لم تكن تسمي نفسها «الملكة». اللقب جاء، وفق الرواية التي يقدمها، من وسائل الإعلام في الهند، خلال زيارة المغفور له، الشيخ سعيد بن مكتوم إليها عام 1944، إذ كانت الصحافة هناك تطلق عليها «الملكة حصة بنت المر».

وهذه الإشارة تخدم غرضاً مهماً في بناء صورتها داخل الرسالة. فاللقب هنا ليس محاولة لصناعة مكانة رمزية بأثر رجعي، بل يأتي بوصفه انعكاساً للصورة التي تكونت عنها لدى الآخرين، بسبب شخصيتها وآرائها وقوة حضورها.

والأهم أن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد يربط هذا الوصف بصفات عملية محددة: شخصية حكيمة، آراء قوية، كلمة نافذة، عقل وحزم في القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

وبذلك لا تصبح «الملكة» وصفاً مرتبطاً بالمظهر أو المكانة الاجتماعية، وإنما وصفاً للفاعلية والتأثير.

هذه نقطة أساسية في الرسالة كلها. فالشيخة حصة لا تُقدّم باعتبارها امرأة مهمة لأنها تنتمي إلى بيت الحكم، بل لأن النص يسرد سلسلة من الأفعال التي تبرر هذه المكانة: مجلس يستقبل الناس، مشاركة في القضايا العامة، فهم للتجارة، معرفة بالعقود والعقار، اهتمام بالأسواق والمشروعات، وتأثير في القرارات.

إنها المكانة التي تصنعها الأفعال، لا الألقاب.

مجلس خلف الستار.. وحضور في قلب القرار

من أقوى المشاهد التي يوردها النص، وصف مجلس الشيخة حصة الذي كانت تستقبل فيه الناس، وتستمع إلى آراء التجار وقضايا الاقتصاد من وراء ستار، ثم تبدي رأيها، وتنقل ما يستحق من هذه المسائل إلى المغفور له، الشيخ سعيد آل مكتوم.

وهنا يتجلى شيء يشبه مشهداً سينمائياً استرجاعياً عبقرياً، يكشف طبيعة دقيقة للحضور النسائي في مجتمع دبي في تلك المرحلة. كما يرمز لبساطة الملكة وقربها من الناس وثقتهم فيها.

فالرسالة لا تحاول إسقاط صورة معاصرة على مجتمع الأربعينيات، ولا تصور الشيخة حصة باعتبارها تمارس دوراً عاماً بالطريقة نفسها التي تمارس بها المرأة أدوارها اليوم. بل تقدم نموذجاً نشأ داخل ظروف عصره، لكنه استطاع توسيع حدود التأثير المتاحة له.

كانت وراء ستار، لكنها لم تكن خارج المشهد.

كانت تستمع، وتحلل، وتنقل القضايا، وتشارك بالرأي.

وهنا يظهر الفرق بين الحضور الشكلي والحضور المؤثر، قد لا تكون الشخصية في الواجهة، لكنها تستطيع أن تكون في قلب عملية اتخاذ القرار.

وتزداد أهمية هذه الصورة عندما يربط النص مجلسها بالتجار والاقتصاد. فدبي لم تكن مدينة تقوم حياتها على الإدارة السياسية وحدها، التجارة كانت جزءاً من تكوينها وهويتها ومصيرها. ولذلك، فإن اهتمام الشيخة حصة بأحوال التجار لم يكن قضية هامشية، وإنما كان اقتراباً من المحرك الأساسي للمدينة.

واحدة من أكثر النقاط إثارة للاهتمام في الرسالة، هي حديثها الصريح عن نشاط الشيخة حصة التجاري.

فهي، وفق النص، مارست التجارة من خلال وكلاء، وكانت تعرف المبيعات والعقود التجارية والتداول العقاري، حتى أصبحت جزءاً مهماً من المشهد التجاري في دبي.

هذه التفاصيل مهمة، لأنها تنقل المرأة في السرد من موقع «الداعمة للرجل» فقط، إلى موقع الفاعل الاقتصادي الذي يمتلك المعرفة والخبرة والمال والقدرة على إدارة المصالح.

والرسالة لا تستخدم المصطلحات المعاصرة الشائعة حول تمكين المرأة أو ريادة الأعمال، لأن القصة أقدم من هذه المفردات نفسها. لكنها تقدم مثالاً تاريخياً على امرأة كانت تمارس بالفعل ما نطلق عليه اليوم إدارة الأعمال والاستثمار والمشاركة في الاقتصاد.

ولهذا تأتي الجملة التي يختتم بها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، رسالته عن عدم الحاجة إلى «نماذج مستوردة»، بوصفها نتيجة طبيعية للسرد السابق.

فهو لا يطرح الشيخة حصة نموذجاً بسبب هويتها فقط، بل لأنه أمضى صفحات الرسالة في تقديم الشواهد التي تفسر لماذا تصلح نموذجاً: امرأة تدير شؤونها وأموالها، تشارك في قضايا مجتمعها، تدعم أسرتها، وتحافظ في الوقت نفسه على منظومة قيمها.

من الأسواق والدكاكين إلى ملامح مدينة

لكن الدور الذي تمنحه الرسالة للشيخة حصة، لا يتوقف عند التجارة الشخصية.

فالنص يشير إلى شجاعتها في اتخاذ القرارات، وبناء المشروعات، وتطوير البنية التحتية، ويتحدث عن بناء الدكاكين والعمارات وتطوير الأسواق. ثم ينتقل مباشرة إلى الشيخ راشد، ليؤكد أنه تعلم منها هذا البعد في بناء المدينة.

وهنا تصل الرسالة إلى فكرتها التاريخية الأهم.

فالمغفور له الشيخ راشد بن سعيد، الذي ارتبط اسمه لاحقاً بالمشروعات الكبرى وتطوير دبي، لم يظهر في النص باعتباره شخصية بدأت أفكارها من نقطة الصفر. ثمة جذور تربوية وفكرية سابقة. وبهذا يصبح الحديث عن الجدة حديثاً غير مباشر أيضاً، عن تراكم الخبرة بين الأجيال.

ما شاهدته الأم في الاقتصاد نقلته إلى الابن. وما تعلمه الابن تحول لاحقاً إلى قرارات ومشروعات. وما أنتجته تلك القرارات، أصبح جزءاً من المدينة التي ورثها الجيل التالي.

هذه السلسلة هي التي تمنح النص عمقه الحقيقي: بناء المدن ليس دائماً نتيجة قرار واحد أو شخصية واحدة، أحياناً تبدأ الفكرة في مجلس صغير، أو حديث بين أم وابن، أو ملاحظة حول السوق والتجار، ثم تكبر مع مرور الزمن.

وتقدم الرسالة قراءة لافتة في تكوين شخصية الشيخ راشد بن سعيد، رحمه الله، نفسه، من خلال توزيع مصادر التأثير بين والديه.

فمن والدته تعلم، كما يروي النص، الحزم والقوة والحذر والتفاني في فهم التجارة والاقتصاد. ومن والده الشيخ سعيد، أخذ البساطة والتواضع والسماحة والحلم والعطف والكتمان والزهد والتفاني في خدمة الناس.

والنتيجة ليست مجرد جمع صفات متفرقة، بل تكوين شخصية متوازنة، تجمع ما يبدو للوهلة الأولى متناقضاً: الحزم مع التسامح، الاقتصاد مع الزهد، القوة مع التواضع، القرار مع خدمة الناس.

وهنا تظهر واحدة من الأفكار التربوية العميقة في الرسالة: القائد لا يصنعه درس واحد، ولا معلم واحد. الشخصية تتكون من مصادر متعددة، ومن مزيج من القيم والخبرات.

ويقدم النص الشيخ سعيد والشيخة حصة باعتبارهما مصدرين متكاملين في صناعة شخصية الابن.

القوة لا تلغي الرحمة

بعد السياسة والتجارة، يتحول النص فجأة تقريباً إلى جانب مختلف من شخصية الشيخة حصة: الجود والكرم وإكرام العلماء ورعاية الأيتام والفقراء، ومساندة الناس خلال الأزمات التي مرت بها دبي في الثلاثينيات وبداية الأربعينيات.

وهذا الانتقال ليس تفصيلاً عابراً.

فلو اكتفت الرسالة بتقديم امرأة قوية في الحكم والتجارة، لكانت قد صنعت نموذجاً أحادي الجانب. لكن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، يضيف إلى الحزم بعداً إنسانياً واضحاً.

وتأتي الأشعار التي قيلت فيها، لتؤدي وظيفة الشاهد الاجتماعي على هذه الصورة. فالشاعر مبارك العقيلي يمدح كرمها، ثم تأتي قصيدة الشيخ محمد نور بن سيف بعد وفاتها، لتستعيد الرحمة وصلة الرحم وإكرام أهل العلم ورعاية الأيتام.

الشعر هنا ليس زينة لغوية داخل الرسالة، وإنما وثيقة للذاكرة الاجتماعية.. إنه يخبرنا كيف انعكست الشخصية في وجدان معاصريها.

في عام 1946، توفيت الشيخة حصة عن 56 عاماً.

عند هذه النقطة يتغير إيقاع النص. تغيب لغة الأسواق والسياسة والتجارة، لتحضر لغة الابن الذي فقد أمه.

يصف صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد وقع الخبر على المغفور له، الشيخ راشد بن سعيد، بأنه كان شديداً، لأنه لم يفقد أمه فقط، بل فقد صاحبة الرأي والسند في الحكم والحياة.

وهذه اللحظة ضرورية لبناء السيرة، لأنها تعيد الشخصية من المجال التاريخي إلى المجال الإنساني. خلف كل الأدوار الكبيرة التي مارستها الشيخة حصة، كانت هناك علاقة أم بابنها.

وربما لهذا السبب يبدو وصفها في بداية الرسالة بأنها «مدرسته ومرشدته وصديقته»، أكثر وضوحاً، عندما نصل إلى نهايتها. فالفقد لم يكن فقد قريب، بل فقد منظومة كاملة من الأمان والمشورة والخبرة.

رسالة إلى المرأة.. وليست عن امرأة فقط

في الصفحات الأخيرة، يوضح صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، سبب كتابة القصة: لقد أوردها لبناته و«غالياته بنات بلاده»، لما فيها من دروس لمن يفكر ويتدبر ويقتدي.

وهنا يغلق النص الدائرة التي افتتح بها الرسالة.

لقد بدأ بمخاطبة بنات اليوم، ثم عاد إلى امرأة عاشت قبل نحو قرن، ثم رجع في النهاية مرة أخرى إلى الحاضر. في توظيف رائع لأداة تستخدم في السرد السينمائي.

وبهذا لا تصبح الشيخة حصة موضوع الرسالة، بقدر ما تصبح وسيلتها وبطلة قصتها.

أما موضوعها الأعمق، فهو سؤال المرأة عن النموذج الذي تريد أن تكونه.

والنموذج الذي تقدمه الرسالة، ليس امرأة ناجحة في مجال واحد. إنه نموذج مركّب: ناجحة في أسرتها، داعمة لزوجها وأبنائها، حاضرة في مجتمعها، قادرة على إدارة أموالها، صاحبة رأي، مهتمة بالشأن العام، وفي الوقت نفسه، مرتبطة بمنظومتها الأخلاقية والدينية.

هذه التركيبة ربما تكون أهم ما في النص، لأن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، لا يقدم النجاح باعتباره اختياراً بين الأسرة والمجتمع، أو بين القيم والطموح، أو بين العمل والحياة الخاصة. النموذج الذي يستحضره، يسعى إلى الجمع بينها.

أثر شخص لا يزال داخل مدينة

تنتهي الرسالة بفكرة قوية: أن الشيخة حصة، رغم رحيلها منذ عقود «ما زالت معنا بآثارها».

وهذه العبارة تلخص النص كله.

فالأثر الذي يتحدث عنه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، ليس نصباً يحمل اسمها، ولا مبنى تركته وراءها. أثرها الحقيقي موجود في الأشخاص الذين أثرت فيهم، وفي القرارات التي ساهمت في تشكيلها، وفي القيم التي انتقلت منها إلى الأجيال التالية.

لهذا، فإن «الملكة حصة» ليست في هذه الرسالة قصة عن الماضي، بقدر ما هي تفسير لأحد الجذور التي صنعت الحاضر.

ومن خلال سيرة امرأة كانت تسمع التجار من وراء ستار، وتتابع الأسواق والعقارات، وتساعد المحتاجين، وتشارك زوجها في شؤون الحكم، وتغرس في ابنها الحزم وفهم التجارة، يقدم صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، قراءة مختلفة لعملية بناء دبي نفسها: المدن الكبيرة لا تبنيها المشروعات وحدها، بل تبنيها أيضاً الأفكار التي تنتقل داخل البيوت، والقيم التي يحملها الأبناء عن آبائهم وأمهاتهم، والشخصيات التي قد لا تحتل دائماً مقدمة الصورة، لكنها تغير ما يحدث داخلها.

ولهذا، ربما كان أكثر ما يبقى بعد قراءة الرسالة، ليس لقب «الملكة»، بل السبب الذي جعل الآخرين يمنحونها هذا اللقب.