فقد جمعت قادة ومسؤولين وخبراء وأكاديميين وإعلاميين ومؤثرين وصنّاع محتوى من مختلف أنحاء العالم. غير أن الحجم وحده لا يفسّر أهميتها. فعلى امتداد منصاتها، حضرت أسئلة المهنة بإلحاح لافت:
مستقبل الصحافة، وتحولات المحتوى، وصعود المنصات الرقمية والذكاء الاصطناعي، في مشهد عكس عمق التحولات التي تعيد تشكيل الإعلام وأدواته وعلاقته بجمهوره.
هذه القمة، التي انعقدت من الخامس عشر إلى السابع عشر من سبتمبر الجاري، لم تقف عند ثراء حواراتها، بل حملت سلسلة من المبادرات والإعلانات التي تستشرف المرحلة المقبلة في الإعلام والصناعات الإبداعية، وأبرزها الإعلان عن عودة مهرجان دبي السينمائي الدولي في ديسمبر 2027.
وزاد من خصوصية هذه الدورة تزامنها مع اليوبيل الفضي لجائزة الإعلام العربي، فالتقت في مشهد واحد ذاكرة ربع قرن من العمل الإعلامي ورؤية تتطلع إلى الغد.
فالحكاية بدأت مع تأسيس نادي دبي للصحافة، ومرت بالجائزة والمنتدى، وما تلاهما من مبادرات ومنصات اتسعت دوائرها عاماً بعد عام، حتى وصلت إلى قمة باتت مظلة لطيفٍ واسعٍ من الفعاليات والمبادرات.
والسؤال الذي تطرحه هذه المسيرة، ليس كيف كبر الحدث فحسب، بل كيف واكب تحولات المهنة، واستبق بعضها، من زمن الحبر والورق إلى زمن الشاشة والمنصة والخوارزميات.
بداية الحكاية
كانت البدايات بسيطة ودافئة. نادٍ فتيّ يجمع الصحافيين بعيداً عن صخب غرف الأخبار ومواعيدها اليومية، من خلال لقاءات اجتماعية ومسابقات رياضية وترفيهية ورحلات جماعية في ربوع الإمارات.
ولم تكن آنذاك كل ملامح المشروع الذي سيكبر لاحقاً قد اتضحت، لكن البيت الذي بدأ يجمع أهل المهنة كان يفتح أبوابه، عاماً بعد عام، على أفق أوسع.
وفي العام نفسه، جاءت الخطوة التي وسّعت الدائرة خارج حدود النادي، حين أطلق صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم «جائزة الصحافة العربية»، وعهد إلى نادي دبي للصحافة مهمة تأسيسها ووضع نظامها، لتكون منصة عربية للاحتفاء بالتميز الصحافي وتشجيع الإبداع في المهنة.
ولم تكن مجرد جائزة تُمنح في أمسية وتنتهي بانطفاء أضوائها؛ فقد حملت منذ بدايتها معنى أبعد: أن الصحافي العربي وإنجازه يستحقان منصة تحتفي بالتميز وتمنح التجارب المهنية اللافتة مكاناً يليق بها.
كبرت الجائزة وكبرت معها الفكرة
من زمن كانت فيه الصحيفة الورقية في قلب المشهد، إلى فضاء تتجاور فيه الشاشة والمنصة والهاتف، وصولاً إلى زمن الخوارزميات وصنّاع المحتوى والذكاء الاصطناعي. وتغيرت الجائزة هي الأخرى مع تغير الإعلام.
ففي عام 2021 تحولت «جائزة الصحافة العربية»، بتوجيهات صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، إلى «جائزة الإعلام العربي»، لتتوسع إلى ما وراء الصحافة المكتوبة، وتحتضن فئات جديدة، في مواكبة نوعية للمشهد الإعلامي الجديد ووسائطه المتعددة.
من المبادرة إلى المنظومة
ثم جاءت قمة الإعلام العربي لتجسّد جانباً من هذا التكامل، وتجمع تحت مظلتها ما راكمته السنوات من مبادرات وتجارب: منتدى الإعلام العربي، ومنتدى الإعلام العربي للشباب، وقمة رواد التواصل الاجتماعي العرب، إلى جانب منتديات ومنصات متخصصة، وجوائز تحتفي بالتميز الإعلامي والمواهب الشابة وصنّاع المحتوى.
فالحاضر هنا لا ينفصل عن البدايات، وما بدأ قبل خمسة وعشرين عاماً منصة للحوار وتكريم للتميز، أصبح اليوم فضاءً أوسع يلتقي فيه الإعلام التقليدي والرقمي، وصناعة المحتوى، والتكنولوجيا، والذكاء الاصطناعي.
فقد حضرت مؤسسة دبي للإعلام بمنصاتها ومشروعاتها، وعززت «دبي بلس» شراكاتها في قطاعي الإعلام والترفيه وصناعة المحتوى، في مسعى إلى توسيع حضور المحتوى الإماراتي والعربي إقليمياً وعالمياً.
وقدمت أكاديمية دبي للإعلام، التابعة لمؤسسة دبي للإعلام، برنامجاً معرفياً تناول مستقبل المهن الإعلامية، وعلاقة الأجيال الجديدة بالمحتوى، والذكاء الاصطناعي، والتضليل الرقمي، والبودكاست والثقة في الإعلام، بالتوازي مع توسيع شبكة شراكاتها مع مؤسسات تعليمية وإعلامية وأكاديمية، في تأكيد على أن الاستثمار في مستقبل الإعلام يبدأ أيضاً من الاستثمار في الإنسان الذي يصنعه.
أما الإعلان الذي حمل دلالة خاصة، فكان قرار مجلس دبي للإعلام إعادة مهرجان دبي السينمائي الدولي إلى الحياة. ففي اليوم الختامي للقمة، أعلنت معالي منى غانم المرّي، نائب الرئيس والعضو المنتدب لمجلس دبي للإعلام، عودة المهرجان في دورته الخامسة عشرة، على أن تنطلق في الثامن من ديسمبر 2027، برؤية جديدة تواكب تطور صناعة السينما وتعزز موقع دبي في مجالات الإنتاج السينمائي والإبداعي، تحت مظلة مكتب دبي للأفلام والألعاب الإلكترونية التابع لمجلس دبي للإعلام.
وهكذا لم تعد المبادرات التي تولد في هذا الفضاء مجرد إضافات إلى برنامج حدث سنوي، بل باتت تعكس رحابة الرؤية الإعلامية لدبي، وقدرتها على الانتقال من مبادرة إلى أخرى، ومن وسيط إلى آخر، من دون أن تفقد الصلة بالسؤال الأساسي: أي إعلام نريد؟ وأي مستقبل ينتظره؟
وما يلفت في هذه المسيرة أن دبي لم تنتظر التحولات الإعلامية حتى تكتمل لتلحق بها، بل سعت في كل مرحلة إلى إنشاء مساحة يلتقي فيها أهل المهنة لمناقشة التحول في زمن حدوثه.
القارئ والمشاهد وتبدُّل الأدوات
ودخل إلى القاموس المهني ما لم يكن مطروحاً في اللقاءات الأولى: المنصات، والخوارزميات، والمؤثرون، وصنّاع المحتوى، والذكاء الاصطناعي.
فمن نادٍ للصحافة يجمع أهل المهنة، إلى جائزة عربية ومنتدى للحوار، وصولاً إلى قمة تستقطب الآلاف وتجمع على منصاتها صنّاع القرار والخبراء وأهل الإعلام.
بين القلم والمفاتيح والشاشة
وبين هؤلاء وأولئك ستتجلى أمامك المسافة الحقيقية التي قطعها الإعلام. جيل كان يذهب إلى المطبعة في آخر الليل، وجيل يحمل منصته في هاتفه.
وبين الحبر والشاشة ربع قرن من التحولات. تغير الورق، وتغيرت الشاشة، وتغيرت الطرق التي تصل بها الحكاية إلينا، لكن الحكاية ذاتها ما زالت تحتاج إلى عين تراها، وعقل يتحقق منها، وضمير يعرف ماذا يفعل بها. أما الحاجة إلى الكلمة، وإلى من يحسن قولها ويتحمل مسؤوليتها، فلم تتغير كثيراً.
كنا هناك في البدايات. وكنا هناك، هذا الخريف، بعد ربع قرن. وبين المشهدين حكاية طويلة بدأت من بيت للصحافيين في دبي، برؤية آمنت مبكراً بأن للإعلام دوراً يتجاوز نقل الخبر، واتسعت أبوابه عاماً بعد عام، حتى صار ملتقى لإعلام عربي يبحث، وسط عالم يتغير كل صباح، عن الطريق إلى المستقبل.