لم يستغرق المكتب الإعلامي لحكومة دبي وقتاً طويلاً ليضع الأمور في نصابها؛ فقد نفى المكتب صحة الخبر الصادر عن وكالة «رويترز» للأنباء بشأن انفجارات وسط المدينة، مؤكداً أن المعلومات الواردة فيه غير صحيحة. رد سريع، وحاسم، ولا لبس فيه، وهو بالضبط ما يُفترض أن تكون عليه إدارة الأزمات الإعلامية في إمارة تدير سمعتها العالمية بدقة متناهية كمكون رئيس من نموذجها الاقتصادي القائم على الثقة والاستقرار.

وغني عن القول إن هناك فارقاً جوهرياً وبوناً شاسعاً بين مؤسسة تبني قراراتها على الحقائق والتحقق، وأخرى تكتفي بإذن «شاهد عيان» مجهول لتطلق خبراً عاجلاً يهزّ صورة مدينة بأكملها أمام ملايين المتابعين حول العالم. هذا بالضبط ما كشفته حادثة «الدوي» المزعوم في وسط دبي.

لكن الرسالة التي أطلقها المكتب الإعلامي لم تكن نفياً عادياً، بل دعوة صريحة لإعادة النظر في آلية عمل وكالات الأنباء بأكمله؛ فقد دعا المكتب وسائل الإعلام والجمهور إلى ضرورة استقاء الأخبار من مصادرها الرسمية والموثوقة، وتحرّي الدقة قبل نشر أو تداول أي معلومات، وتجنب تداول الشائعات والتقارير الصحفية المغلوطة.

بعبارة أخرى؛ دبي لم تطلب من العالم أن يصدّقها فحسب، بل ذكّرته بأن هناك فرقاً بين الصحافة وبين نقل الهمس في الشارع كخبر عاجل.

وبعبارة أدق؛ فقد ذكّرت دبي وكالات الأنباء العالمية التي تدّعي المهنية والموضوعية والحياد أن الدقة في الخبر والتحقق من تفاصيله أهم كثيراً من السبق الصحفي والخبر العاجل.

والأهم من هذا أن البيانَ لم يتوقف عند حدود اللغة الدبلوماسية المعتادة فحسب، فقد أكد المكتب أنه سيتم اتخاذ الإجراءات اللازمة تجاه المؤسسات الإعلامية التي تنشر أخباراً أو معلومات غير صحيحة عن الإمارة، وفقاً للقوانين والأطر التنظيمية المعمول بها في إمارة دبي ودولة الإمارات.

وهذه ليست لهجةَ جهةٍ تدافع عن نفسها بخجل، بل لهجةُ جهةٍ تدرك حجم الضرر الذي يمكن أن يُلحقه خبر ملفّق بمدينة تستقبل ملايين السياح والمستثمرين الذين يعتمدون على صورة الأمان التام.

في المقابل، ماذا قدّمت «رويترز» كأساس لخبرها؟ نقلت الوكالة عن «شهود عيان» مبهمين ومجهولين ما قالت إنه سماع دوي انفجارات في وسط مدينة دبي. لا مصدر أمني، لا تأكيد رسمي، لا تحقق من قبل صحفيي الوكالة الموجودين في دبي، ولا حتى محاولة تريث قبل النشر، مجرد إحساس سمعي لشخص أو أشخاص غير محددين، تحوّل خلال دقائق إلى «نبأ عاجل» يتناقله العالم.

في مدينة مكتظة بالمعالم الحيوية وحركة الطيران والمشاريع الإنشائية الضخمة، ألا يستحق أي «دوي» التحقق منه قبل ربطه بكلمة «انفجار» وإطلاقه على الملأ؟

المفارقة أن وكالة بحجم «رويترز»، التي يُفترض أن تمتلك مكاتب وشبكة مراسلين ومصادر ميدانية في مدينة بأهمية دبي، اختارت أن تنشر بناءً على انطباع سمعي عابر، بدل انتظار تأكيد ولو أولي من مصدر رسمي واحد، بل ولم تكلف نفسها بإجراء ولو مكالمة واحدة مع أي جهة رسمية للتأكد من صحة المعلومة، كما تقتضي بدهيات المهنة الصحفية.

وحين تُبنى الأخبار العاجلة في مناطق حساسة على هذا الأساس، فإن النتيجة الطبيعية هي بالضبط ما حدث: تصحيح علني ومهين من الجهة المعنية، أمام أنظار الجميع.

لكن المؤسف أن هذه ليست المرة الأولى التي تُثار فيها تساؤلات حول سرعة النشر مقابل دقته في تغطيات المنطقة وعلى الأخص من قبل رويترز، لكنها بالتأكيد مرة تستحق التوقف: حين تتحدث المدينة بلغة الحقائق والإجراءات، بينما تتحدث الوكالة العالمية بلغة «قال أحدهم إنه سمع»، فإن الفارق في المصداقية يتحدث عن نفسه.