أول إطار تشريعي موحد يجمع مختلف القواعد المرتبطة بالسلامة العامة في الإمارة

القانون يعزز الجاهزية لمواجهة التحديات الصحية العالمية والمحلية ويرسخ مفهوم السياحة الآمنة

أكد محامون أن القانون رقم «2» لسنة 2026 بشأن السلامة العامة في إمارة دبي الذي أصدره صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، يمثل نقلة تشريعية مهمة في تنظيم منظومة السلامة، كونه يشكل أول إطار تشريعي موحد يجمع مختلف القواعد المرتبطة بالسلامة العامة في الإمارة بعد أن كانت موزعة بين لوائح وأنظمة متفرقة.

وأوضحوا أن القانون يرسخ نهجاً تشريعياً حديثاً يقوم على الوقاية وإدارة المخاطر قبل وقوعها، بدلاً من الاكتفاء بمعالجة نتائج الحوادث بعد حدوثها، كما يحدد المسؤوليات القانونية بوضوح على المالكين والمشغلين والأفراد، ويعزز ثقافة الالتزام المجتمعي بمعايير السلامة.

وأشاروا إلى أن التشريع الجديد يعزز منظومة الردع القانوني من خلال تحديد عقوبات وغرامات تصل إلى مليون درهم وتتضاعف في حال تكرار المخالفة، إلى جانب ترسيخ مبدأ المساءلة القانونية عن الإخلال بمتطلبات السلامة، بما يسهم في الحد من الإهمال والممارسات التي قد تعرّض الأرواح والممتلكات للخطر.

وبيّنوا أن القانون يهدف إلى توفير بيئة أكثر أماناً للسكان والزوار، وتعزيز جودة الحياة، ودعم مكانة دبي مدينة عالمية جاذبة للاستثمار والسياحة، من خلال منظومة تشريعية متقدمة تواكب أفضل الممارسات الدولية في مجالات الصحة والسلامة العامة، وأضافوا أن هذا الإطار القانوني الجديد يؤسس لمرحلة تصبح فيها معايير السلامة التزاماً قانونياً واضحاً وليس مجرد إجراءات تنظيمية، بما يعكس رؤية دبي في بناء مدينة آمنة ومستدامة.

خطوة تشريعية

وقال الدكتور يوسف الشريف، محامٍ ومستشار قانوني، أن صدور القانون رقم (2) لسنة 2026 بشأن السلامة العامة في إمارة دبي يمثل خطوة تشريعية متقدمة تعكس رؤية استباقية في إدارة المخاطر وتعزيز حماية المجتمع، مشيراً إلى أن السلامة في المدن الحديثة لم تعد تبدأ بعد وقوع الحادث، بل قبل أن يفكر الخطر في الحدوث.

وقال، إن هذا القانون يعكس توجهاً تشريعياً ينسجم مع طبيعة المدن العالمية التي لم تعد تكتفي بمعالجة النتائج، بل تسعى إلى منع أسباب الخطر قبل أن تتحول إلى حوادث تهدد الأرواح والممتلكات، موضحاً أن التشريعات المعاصرة لم تعد تقوم على رد الفعل بقدر ما تبنى على فلسفة الوقاية وإدارة المخاطر، وهي الفلسفة التي يظهر أثرها بوضوح في هذا القانون.

وأضاف أن المدن التي تسعى إلى الريادة لا تقاس فقط بحجم مشاريعها العمرانية أو سرعة نموها الاقتصادي، بل بقدرتها على حماية الإنسان داخل هذه المنظومة الحضرية المتسارعة، لافتاً إلى أن أهمية القانون تكمن في ربطه بين السلامة العامة وجودة الحياة، وتأسيسه لبيئة أكثر أماناً للسكان والزوار، إلى جانب تعزيز ثقة المجتمع والقطاعين الاقتصادي والسياحي في منظومة الحماية التي توفرها الإمارة.

وأشار الشريف إلى أن من الجوانب اللافتة في هذا التشريع أنه لم يحصر مسؤولية السلامة في الجهات المختصة وحدها، بل وسّع نطاق الالتزام ليشمل المالكين والمشغلين والجمهور أيضاً، في إشارة واضحة إلى أن السلامة العامة لا تتحقق بقرارات إدارية فقط، وإنما تحتاج إلى وعي مجتمعي وسلوك مسؤول من جميع الأطراف.

وأوضح أن القانون لا يقتصر على تنظيم الإجراءات فحسب، بل يسعى إلى ترسيخ ثقافة عامة تقوم على الالتزام بالتعليمات واحترام قواعد السلامة في الأماكن العامة، والفعاليات، ومواقع الترفيه وغيرها.

وبيّن أن القانون يرسخ مبدأ قانونياً مهماً يتمثل في وضوح المسؤولية عن الأضرار الناتجة عن الإخلال بمتطلبات السلامة، حيث جعل المالك أو المشغّل مسؤولاً عن التقيد بالمعايير والاشتراطات المحددة، وهو توجه يعزز مفهوم الإدارة الوقائية للمخاطر ويحد من مظاهر الإهمال أو التراخي التي قد تقود إلى وقوع الحوادث.

ولفت إلى أن الغرامات التي قد تصل إلى مليون درهم وتتضاعف في حال تكرار المخالفة تعكس رسالة تشريعية واضحة مفادها أن السلامة العامة ليست مسألة شكلية يمكن التساهل فيها، بل التزام حقيقي يهدف إلى حماية الإنسان قبل أي اعتبار آخر، مؤكداً أن العقوبة هنا ليست غاية في ذاتها، بل وسيلة لترسيخ الردع وتعزيز الالتزام بالمعايير التي تكفل سلامة المجتمع.

وتابع أن نطاق متطلبات السلامة في هذا القانون يمتد ليشمل أماكن متعددة من الحياة اليومية، من مواقع الترفيه والفعاليات إلى المباني والمسابح والشواطئ والمنتجات المتداولة في الأسواق، وهو ما يعكس رؤية تشريعية شاملة تنظر إلى السلامة باعتبارها منظومة متكاملة تحيط بالإنسان في مختلف تفاصيل حياته.

التزامات

وقال أيهم المغربي، مستشار قانوني، إن القانون يشكل تطوراً مهماً في المنظومة التشريعية المتعلقة بحماية الأرواح والممتلكات، مشيراً إلى أن القانون نقل تنظيم السلامة من إطار اللوائح والتعليمات التنظيمية المتفرقة إلى قانون شامل يحدد الالتزامات والمسؤوليات بصورة أكثر وضوحاً ودقة.

وأوضح أن قواعد السلامة العامة قبل صدور هذا القانون كانت تستند إلى مجموعة من الأنظمة واللوائح الصادرة عن جهات مختلفة، من أبرزها لوائح بلدية دبي ومتطلبات الدفاع المدني، إضافة إلى بعض النصوص الجزائية الواردة في قانون الجرائم والعقوبات الاتحادي المتعلقة بتعريض سلامة الأشخاص للخطر.

وبيّن أنه رغم أهمية تلك المنظومة التنظيمية، فإنها كانت تعتمد إلى حد بعيد على التنظيم الإداري والرقابي أكثر من اعتمادها على إطار تشريعي موحد يجمع مختلف متطلبات السلامة العامة في قانون واحد، مشيراً إلى أن أهمية القانون الجديد تكمن في كونه يمثل نقلة تشريعية واضحة من تنظيم السلامة عبر لوائح إدارية متفرقة إلى إطار قانوني متكامل يكرّس مبدأ الوقاية القانونية، ويحدد المسؤوليات بصورة مباشرة في حال الإخلال بمتطلبات السلامة العامة.

ردع وقائي

وأضاف أنه من الناحية الجزائية يعزز القانون مبدأ الردع الوقائي، إذ لم يعد التدخل القانوني مرتبطاً فقط بوقوع الضرر، بل أصبح الإخلال بمتطلبات السلامة بحد ذاته سبباً للمساءلة القانونية، وهو ما ينسجم مع الاتجاهات التشريعية الحديثة التي تركز على منع الخطر قبل وقوعه.

وأوضح أن مخالفة قواعد السلامة من الناحية المدنية قد تشكل أساساً لقيام المسؤولية التقصيرية وفقاً للقواعد العامة في القانون المدني الإماراتي، بحيث يلتزم من يتسبب بضرر للغير نتيجة الإهمال أو التقصير بتعويض الأضرار التي تلحق بالمتضررين.

ولفت إلى أن بعض المخالفات التي يستهدفها القانون تشمل حالات الإخلال باشتراطات الوقاية من الحريق، أو تعطيل مخارج الطوارئ، أو تجاوز الطاقة الاستيعابية للأماكن العامة، أو تخزين المواد الخطرة بطرق غير آمنة، إضافة إلى تنظيم الأنشطة أو الفعاليات دون الالتزام بمتطلبات السلامة المعتمدة، وهي ممارسات قد تؤدي إلى تعريض سلامة الأفراد والممتلكات للخطر.

وأفاد أن القانون يمثل خطوة تشريعية متقدمة تعكس رؤية دبي في تطوير منظومة قانونية تقوم على الوقاية وإدارة المخاطر، وتؤسس لمرحلة يصبح فيها الالتزام بمعايير السلامة التزاماً قانونياً واضحاً وليس مجرد إجراء تنظيمي، بما يعزز حماية المجتمع ويرسخ ثقافة المسؤولية في الحفاظ على السلامة العامة، مشيراً إلى أن القانون يمثل في هذا الإطار أول منظومة تشريعية موحدة للسلامة العامة في دبي.

نهج استباقي

ورأى المستشار القانوني معتز أحمد أن التشريعات الحديثة في مجال الصحة والسلامة العامة لم تعد تقتصر على معالجة النتائج بعد وقوع المخاطر، بل أصبحت تعتمد على نهج استباقي يقوم على الوقاية وإدارة المخاطر قبل حدوثها، مشيراً إلى أن صدور القانون رقم (2) لسنة 2026 يمثل خطوة مهمة في تطوير المنظومة التشريعية في دبي وتعزيز حماية المجتمع.

وأوضح أن القانون سيدخل حيز التنفيذ بعد 90 يوماً من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية، بما يتيح للجهات المعنية والمؤسسات الوقت الكافي للاستعداد لتطبيق متطلباته، لافتاً إلى أن التشريع يعزز جاهزية الإمارة لمواجهة التحديات الصحية العالمية والمحلية ويدعم مفهوم السياحة الآمنة.

وبيّن أن القانون تضمن منظومة واضحة من العقوبات والجزاءات، حيث يعاقب المخالف بغرامة لا تقل عن 500 درهم ولا تزيد على مليون درهم، مع إمكانية مضاعفتها - في حال تكرار المخالفة خلال سنة واحدة وبحد أقصى - إلى مليوني درهم، مشيراً إلى أن رئيس المجلس التنفيذي سيحدد الأفعال المخالفة والغرامات المقررة لها.

وأضاف أن القانون يلزم الأفراد والمنشآت بالامتثال للتعليمات والبروتوكولات الصحية المعتمدة، ويشكل إطاراً تشريعياً شاملاً يغطي مجالات متعددة مثل مكافحة الأمراض السارية وسلامة الغذاء وصحة البيئة المبنية ومساكن العمال، إلى جانب تعزيز التنسيق بين الجهات المعنية بالصحة العامة.