قد تصل أغنية اليوم إلى ملايين المستمعين في ساعات وتتصدر قوائم المشاهدة و«الترند» سريعاً لكن الاختبار الحقيقي للعمل الفني لا يبدأ لحظة انتشاره بل بعد سنوات حين تكفي نغمات قليلة لاستعادة مكان وشخص ومرحلة كاملة من العمر. فالأغنيات التي تصنع ذاكرة جيل لا تعيش لأنها حققت رقماً مرتفعاً عند صدورها وإنما لأنها استطاعت أن تتحول من عمل فني إلى جزء من حكايات الناس وذكرياتهم.

ومن هذه المساحة بين النجاح العابر والأثر الباقي انطلقت جلسة «أغاني خليجية صنعت ذاكرة جيل كامل» ضمن منتدى الأفلام في قمة الإعلام العربي 2026 بمشاركة الفنان والملحن فايز السعيد والشاعر علي الخوار والمخرج سهيل العبدول وإدارة الإعلامي سعود الكعبي في لقاء استعاد كواليس مرحلة فنية ثرية وأسئلة صناعة الأغنية التي بقيت حاضرة رغم مرور السنوات.

ولم تكن الجلسة استعادة لأغنيات الماضي بقدر ما شكلت قراءة في العناصر التي تمنح العمل عمره الطويل إذ اجتمعت الكلمة التي يمثلها علي الخوار واللحن والموسيقى مع فايز السعيد والصورة التي يقدمها سهيل العبدول لتكشف التجارب أن الأغنية الناجحة ليست نتاج عنصر منفرد وإنما لوحة فنية متكاملة تبدأ من النص ولا تنتهي عند الصورة.

وأكد النقاش أن قوة النص لا ترتبط بتعقيد الكلمات بقدر قدرته على الاقتراب من الناس والتعبير عن مشاعرهم بلغة صادقة. ومن هنا استطاعت الأغنية الخليجية أن تحتفظ بلهجتها وبيئتها المحلية وفي الوقت نفسه تعبر إلى جمهور عربي أوسع لأن الإحساس الإنساني ظل قادراً على تجاوز اختلاف اللهجات. ويأتي اللحن ليمنح الكلمات روحها الخاصة إذ تكفي أحياناً ثوانٍ من مقدمة موسيقية لإعادة المستمع إلى زمن كامل وهو ما جعل ألحاناً كثيرة تتحول إلى هوية مستقلة للأغنية وذاكرة تسبق الكلمات نفسها.

وأما الصورة فشكلت خلال مرحلة ازدهار الفيديو كليب امتداداً للعمل وأصبحت بعض الأغنيات مرتبطة في أذهان الجمهور بمشهد أو قصة أو مكان يصعب فصله عنها. وأكدت الجلسة أن المخرج لا يقدم غلافاً بصرياً للأغنية وإنما يترجم إحساسها إلى حكاية تحفظها العين إلى جانب ما تحفظه الأذن.

وكشفت الجلسة أن عدداً من الأعمال التي حققت نجاحاً كبيراً لم تحظ في بداياتها بإجماع كامل بل واجهت التردد والاختلاف داخل فريق العمل قبل أن يراهن أحد صناعها على نجاحها. كما برز أداء الفنان باعتباره عنصراً قادراً على تغيير مصير الأغنية إذ إن النص واللحن نفسيهما قد يختلف تأثيرهما بصورة كاملة تبعاً للصوت الذي يقدمهما. فالقوة ليست دائماً في الإمكانات الصوتية وحدها وإنما في قدرة الفنان على جعل المستمع يصدق الكلمة ويشعر بها.

وكانت «روح الفريق» أحد أبرز أسرار المرحلة التي استعادها المشاركون حيث كانت الاستوديوهات تجمع الشعراء والملحنين والمطربين والموزعين في مساحة واحدة تتحول إلى ورشة فنية مفتوحة. وكان النص يتغير بالنقاش واللحن يتطور بالتجربة والأفكار تولد أحياناً من لقاءات عفوية لم تكن مخططاً لها.

وأعاد ذلك الحديث إلى المقارنة بين تلك المرحلة وعصر «الهوم استوديو» الذي منح الفنانين سرعة ومرونة كبيرة وأتاح تبادل الأعمال من مسافات بعيدة لكنه في المقابل قلل من اللقاء الإنساني والتفاعل المباشر الذي أنتج كثيراً من التفاصيل والأفكار التي صنعت أعمالاً خالدة.

وتوقف المشاركون كذلك عند تجربة «نجوم الخليج» والحركة الفنية التي رافقتها مؤكدين أن المرحلة شهدت نشاطاً كبيراً وتفاعلاً بين الشعراء والملحنين والفنانين وأسهمت في تعزيز حضور الأغنية الإماراتية والخليجية وتقديم أسماء وتجارب جديدة.

وفي قراءة للمشهد الحالي أكد النقاش أن انخفاض كثافة الإنتاج الإماراتي مقارنة بمراحل سابقة لا يعني غياب الموهبة وإنما تغير البيئة التي كانت تجمع المبدعين وتخلق بينهم حالة دائمة من التنافس والتفاعل وهو ما يطرح أهمية استعادة روح الورشة الفنية مع الاستفادة من أدوات العصر.

وتطرقت الجلسة إلى تأثير الذكاء الاصطناعي في مستقبل الصوت والصورة والإنتاج مؤكدة أن الأدوات الجديدة تستطيع اختصار الوقت وتوسيع الخيارات لكنها تظل أمام سؤال جوهري يتعلق بقدرتها على صناعة الإحساس الذي منح أغنيات قديمة حياة امتدت لعقود.