أشار بيتر باراباس، رئيس المحتوى في شبكة يورونيوز العالمية، إلى أن غرف الأخبار شهدت خلال العقود الأخيرة تحولات جذرية فرضتها التكنولوجيا، إلا أن الذكاء الاصطناعي يمثل اليوم أكبر تغيير يواجه القطاع الإعلامي، مؤكداً أن التحدي لم يعد يتمثل في سرعة الوصول إلى الجمهور، بل في القدرة على التحقق من المعلومات وكسب ثقة المتلقين.
وخلال جلسة «الذكاء الاصطناعي في غرفة الأخبار: من التحقق إلى النشر» ضمن قمة الإعلام العربي، أوضح باراباس أن منصات التواصل الاجتماعي، وفي مقدمتها «فيسبوك»، أحدثت تحولاً كبيراً في طريقة استهلاك الأخبار من خلال فقاعات معلوماتية جعلت المستخدمين أكثر عرضة للمحتوى الذي يعزز قناعاتهم المسبقة، الأمر الذي ساهم في تعقيد المشهد الإعلامي وزيادة التحديات أمام المؤسسات الصحفية.
وقال، إن جوهر العمل الصحفي يتمثل في إيصال الحقيقة إلى الجمهور وبناء الثقة معه، لافتاً إلى أن المؤسسات الإعلامية كانت تتنافس خلال العقود الماضية على سرعة التوزيع والوصول إلى أكبر شريحة من الجمهور، بينما أصبحت المنافسة اليوم قائمة على التحقق من المعلومات ومصداقية المحتوى.
وأشار إلى أن الثقة لم تعد مجرد قيمة معنوية، بل أصبحت جزءاً من البنية الأساسية للمؤسسات الإعلامية، مستشهداً ببيانات أظهرت أن 68% من مستخدمي يورونيوز يثقون بمحتواها، مقارنة بنسبة ثقة تبلغ 37% بالأخبار بشكل عام و20% فقط بالأخبار التي تقدمها تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
وتحدث باراباس عن التحديات التي واجهت يورونيوز خلال تغطية الحروب والأزمات الأخيرة، مشيراً إلى أن الحرب بين إيران وإسرائيل شكلت اختباراً حقيقياً لغرف الأخبار بسبب التدفق الهائل للصور والفيديوهات والمعلومات المتداولة عبر منصات التواصل الاجتماعي، والتي تطلبت عمليات تدقيق مكثفة للتأكد من صحتها ومصدرها قبل النشر.
وأوضح أن الإعلام بات جزءاً من أدوات الصراع الحديثة، حيث تُستخدم الأخبار والمحتويات الرقمية للتأثير على الرأي العام وتوجيه المواقف السياسية، مؤكداً أن الصحفيين باتوا يواجهون معركة يومية ضد الدعاية المضللة والمحتوى المفبرك، خاصة مع تطور تقنيات التزييف العميق التي جعلت التمييز بين الحقيقي والمصطنع أكثر صعوبة.
وأضاف، أن التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي يفرض على المؤسسات الإعلامية الاستفادة من التكنولوجيا دون التفريط بالمعايير الصحفية، مؤكداً أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد في إعداد المحتوى وتسريع العمليات التحريرية، لكنه لا يستطيع أن يحل محل الخبرة البشرية أو الحس التحريري أو القدرة على الحكم على دقة المعلومات.
أوضح أن عملية إنتاج الخبر يجب أن تمر بمراحل واضحة تبدأ برصد المعلومات، ثم التحقق منها من قبل الصحفيين، يلي ذلك إنتاج المحتوى تحت مسؤولية تحريرية محددة، ثم نشره بشفافية وتوثيق مصادره قبل توزيعه على الجمهور.
وحذر باراباس من ظاهرة «هلوسة الذكاء الاصطناعي»، مشيراً إلى أن بعض الأنظمة قد تقدم إجابات تبدو صحيحة ومقنعة رغم احتوائها على معلومات غير دقيقة، ما يجعل الاعتماد الكامل عليها أمراً محفوفاً بالمخاطر، لا سيما في مجال الأخبار الذي يتطلب أعلى مستويات الدقة والموثوقية.
وكشف أن يورونيوز تعتمد بالفعل على أدوات ذكاء اصطناعي متقدمة لترجمة الأخبار وإنتاج المحتوى بلغات متعددة، إلا أن جميع المواد تخضع لمراجعة وتدقيق بشريين، خصوصاً في القضايا الحساسة، تجنباً للأخطاء التي قد تؤثر في المعنى أو الدقة. كما تستخدم الشبكة التقنية نفسها لتطوير المحتوى المرئي وتحويل الفيديوهات من الصيغة الأفقية إلى العمودية بما يتناسب مع متطلبات المنصات الرقمية الحديثة.
وأكد أن المؤسسات الإعلامية لا تستطيع التنبؤ بشكل التقنيات المستقبلية، لكنها تستطيع الاستعداد لها من خلال التمسك بمبادئ مهنية ثابتة، موضحاً أن بقاء غرف الأخبار واستمرارها يعتمد على خمسة مبادئ أساسية هي توثيق مصادر الأدلة، والحفاظ على التحقق باعتباره مسؤولية بشرية، وتحديد مسؤولية واضحة عن كل محتوى يتم إنتاجه، والالتزام بالشفافية، وبناء الثقة مع الجمهور باعتبارها أساس استراتيجية النشر.
واختتم باراباس حديثه بالتأكيد على أن التكنولوجيا ستواصل التطور بوتيرة متسارعة، لكن المسؤولية الصحفية ستبقى دائماً مسؤولية إنسانية، مشدداً على أن نجاح المؤسسات الإعلامية في المستقبل لن يقاس بقدرتها على استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي فحسب، بل بقدرتها على الحفاظ على الدقة والمصداقية وثقة الجمهور.