دبي - نورا الأمير وسعيد الوشاحي

على امتداد ربع قرن، واكبت «جائزة الإعلام العربي» تحولات واسعة أعادت رسم ملامح المشهد الإعلامي في المنطقة، وانتقلت معها من الاحتفاء بالتميز في الصحافة المكتوبة إلى مظلة أوسع تضم أشكالاً متعددة من العمل الإعلامي.

في مسيرة وثّقت جانباً من تاريخ المهنة، واحتفت بأجيال من الصحافيين والكتّاب والإعلاميين الذين تركوا بصماتهم في قضايا وأحداث شكّلت ذاكرة المنطقة.

وتحتفل الجائزة هذا العام بمرور 25 عاماً على انطلاقها، في محطة تستعيد معها مسيرة بدأت تحت اسم «جائزة الصحافة العربية»، عندما كانت الصحيفة المطبوعة في قلب صناعة الخبر والرأي، قبل أن تواكب صعود الفضائيات والإعلام الإلكتروني والمنصات الرقمية، وصولاً إلى مشهد إعلامي جديد تتغير فيه أدوات إنتاج المحتوى واستهلاكه بوتيرة غير مسبوقة.

ولم توثّق الجائزة خلال هذه السنوات أسماء الفائزين فقط، بل احتفظ أرشيفها بعناوين تحقيقات وتقارير ومقالات عكست قضايا عصرها، من الحروب والهجرة غير النظامية، إلى الفساد والبيئة والصحة والاتجار بالبشر، وصولاً إلى العملات المشفرة والتجارب السريرية والأوبئة.

وتكشف حصيلة مسيرتها عن أكثر من 82 ألفاً و460 مشاركة، و359 فائزاً ومكرّماً، فيما مرّت الجائزة خلال تطورها بـ 33 فئة مختلفة، وتجاوزت القيمة الإجمالية للجوائز المقدمة 22.1 مليون درهم، وتعاقبت على قيادتها ثمانية مجالس إدارة، ضمت 116 شخصية إعلامية وفكرية وأكاديمية.

تعود قصة الجائزة إلى نوفمبر 1999، عندما أُنشئت «جائزة الصحافة العربية» بمبادرة من صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، بهدف المساهمة في تطوير الصحافة العربية وتشجيع الصحافيين على الإبداع والتميز.

وأُسندت إلى نادي دبي للصحافة مهمة تأسيس الجائزة ووضع نظامها، فيما تولى مجلس إدارة مستقل مسؤولية الإشراف عليها بمشاركة نخبة من الشخصيات الإعلامية والأكاديمية والفكرية العربية.

ومنذ دوراتها الأولى، لم يقتصر التكريم على كبار الأسماء، إذ فتحت الجائزة أبوابها أمام الصحافيين والمؤسسات والأعمال المنشورة، لتنشأ منافسة سنوية على مجموعة واسعة من فنون الصحافة.

وشملت الفئات على مدار مراحل مختلفة الصحافة السياسية والاقتصادية والاستقصائية والثقافية والرياضية والإنسانية والتخصصية، والحوار الصحافي والصورة الصحافية والكاريكاتير وصحافة الطفل والصحافة العربية للشباب، إلى جانب العمود الصحافي والصحافة الذكية وغيرها.

ولم تكن الفئات جامدة، إذ أعيدت صياغتها ودمج بعضها واستحداث أخرى استجابة للتحولات المهنية والتكنولوجية، ففي 2017، على سبيل المثال، أُلغيت «الصحافة التخصصية» كفئة مستقلة ودمجت في «الصحافة الاستقصائية»، كما أعيد تعريف عدد من الفئات وتطوير معايير التحكيم بما يتناسب مع تطور أشكال الكتابة الصحافية.

تحقيقات تركت أثراً

ويكشف الرجوع إلى سجل الأعمال الفائزة أن الجائزة لم تكن تحتفي بالاسم الصحافي بمعزل عن المحتوى، بل وضعت في واجهة التكريم أعمالا تناولت ملفات شائكة، بعضها تطلب أشهراً من البحث والعمل الميداني.

ومن النماذج المبكرة اللافتة تحقيق كشف شبكة للاتجار بالأعضاء البشرية، الذي فاز عنه صحافيان من صحيفة «المصري اليوم» بجائزة الصحافة الاستقصائية عام 2010، بعدما دخلا إلى عالم تجارة الأعضاء البشرية وتتبعا خيوط القضية في تجربة أشادت لجنة التحكيم آنذاك بما تضمنته من جهد ومغامرة للوصول إلى الحقائق.

ومن التحقيقات التي عكست المخاطر المرتبطة بالصحة العامة، برز في 2014 تحقيق من «اليوم السابع»، حمل عنواناً لافتاً هو «مستشفيات الحكومة تشتري الموت من مصانع بير السلم»، وفاز بجائزة الصحافة الاستقصائية، بعدما تناول ملفاً يمس بصورة مباشرة سلامة المرضى والمنظومة الصحية.

وفي 2015، ذهبت الجائزة إلى صحيفة «الشروق» المصرية عن تحقيق «فوضى الأدوية المغشوشة»، وهو عنوان آخر عكس حضور القضايا الصحية والاجتماعية ذات التأثير المباشر على حياة الناس في الأعمال المتنافسة على الجائزة.

الفساد تحت المجهر

وفي 2018، ذهبت جائزة الصحافة الاستقصائية إلى الصحافي البحريني سيد علي المحافظة من صحيفة «البلاد» عن تحقيق حمل عنوان «التوحش العمراني يضع البحرين على أعتاب كارثة بيئية»، وهو عمل تناول تداعيات التوسع العمراني على البيئة، ووصل إلى منصة التكريم من بين آلاف الأعمال المشاركة.

وفي 2019، حمل التحقيق الفائز الجائزة إلى العراق، إذ فاز الصحافي أسعد الزلزلي من صحيفة «العالم الجديد» العراقية عن عمل بعنوان «فساد مشاريع الأبنية المدرسية في العراق»، الذي وضع ملف المنشآت التعليمية والفساد المرتبط بمشروعاتها تحت المجهر.

وفي الدورة التاسعة عشرة التي أقيم حفلها في 2020، فاز الصحافي جمال جوهر من صحيفة «الشرق الأوسط» بجائزة الصحافة الاستقصائية عن عمل حمل عنوان «المهاجرون غير النظاميين..

ورقة المقاتلين في حرب طرابلس»، جامِعاً بين التحقيق في ملف الهجرة غير النظامية وتشابكاته مع الصراع المسلح في ليبيا.

وفي الدورة الـ 20 فازت صحيفة البيان بـ«فئة الصحافة الاستقصائية» عن عمل حمل عنوان «التجارب السريرية.. «روشتة» الوقاية من أمراض وأوبئة العصر».

وتكشف هذه العناوين وحدها كيف تحولت منصة الجائزة، سنة بعد أخرى، إلى سجل لبعض أكثر القضايا تعقيداً في المنطقة، وكيف تغيرت أولويات الصحافة الاستقصائية نفسها بتغير الواقع السياسي والاجتماعي والصحي، ومنها العمل الفائز بعنوان «سنوات الظواهري... ماذا بقي من القاعدة؟».

و«تاريخ الأوبئة بين الدين والخرافة»، و«بعد كورونا: الرأسمالية تعاني والاشتراكية مستحيلة والبديل قيد البحث»، و«جحيم الاتجار بالبشر».

وبذلك بدت الأعمال الفائزة في تلك الدورة وكأنها سجل للمرحلة نفسها؛ الوباء وتداعياته الاقتصادية والاجتماعية، والإرهاب والاتجار بالبشر، وهي قضايا كانت في قلب اهتمام المنطقة والعالم.

قضايا حديثة

واستمرت الصحافة الاستقصائية في حضورها بعد انتقال الجائزة إلى إطارها الأشمل. ففي 2023، فاز الصحافي جمال جوهر من صحيفة «الشرق الأوسط» للمرة الثانية في هذه الفئة، عن عمل حمل عنوان «باب على الأمل والموت في ليبيا»، في معالجة جديدة لملفات إنسانية وأمنية شائكة ارتبطت بالأوضاع في ليبيا.

وفي الدورة الرابعة والعشرين عام 2025، التي أصبحت الفئة فيها تحمل مسمى «التحقيقات الصحافية»، فاز سامح اللبودي من صحيفة «الشرق الأوسط» عن تقرير «قصة الإبحار الأخير لـ«مركب ملح» سيئ السمعة».

وفي الدورة نفسها، فاز محمد عيسى من مجلة «الأهرام العربي» بفئة الصحافة السياسية عن تحقيق «الطائرات المسيرة.. شبح الخطر القادم».

فيما فاز السيد زيادة ومحمد سالمان من «اليوم السابع» بجائزة الصحافة الاقتصادية عن موضوع «متاهة العملات المشفرة تبدأ بـ(لايك)»، بما يعكس انتقال اهتمامات الأعمال المتنافسة إلى قضايا حديثة فرضتها التكنولوجيا والتحولات الاقتصادية والأمنية.

كما فازت صحيفة الخليج الإماراتية عن فئة «الصحافة الاقتصادية» عن عمل جماعي تقدم به فريق عمل الصحيفة تحت عنوان «ماذا يريد القطاع الخاص؟».

العمود الصحافي

وبالتوازي مع التحقيقات، حافظت الجائزة على مساحة خاصة للكتابة الصحافية والرأي، من خلال جائزة «العمود الصحافي» التي أصبحت لاحقاً «أفضل كاتب عمود»، والتي لا ترتبط بعمل واحد بقدر ما تكرّم مسيرة الكاتب وانتظامه في تقديم أفكار ذات تأثير في القراء والمجتمع.

وضمت قائمة الفائزين عبر السنوات أسماء بارزة في الصحافة العربية؛ من بينهم على سبيل الذكر الكاتبة السعودية بدرية البشر التي حصلت على الجائزة عام 2012.

والكاتب المصري الراحل أحمد رجب في 2014، والكاتب الإماراتي ناصر الظاهري في 2017، والكاتب المصري صلاح منتصر في 2018. وفي 2019، حصل الكاتب والمفكر المصري عبدالمنعم سعيد على جائزة العمود الصحافي.

فيما ذهبت في 2020 إلى الكاتب عثمان ميرغني من صحيفة «الشرق الأوسط». وفي الدورة العشرين التي أقيمت في 2021، مُنحت الجائزة للكاتب والمفكر المغربي الدكتور عبدالإله بلقزيز تقديراً لمسيرته في الكتابة الصحافية والفكرية، فيما حصل الكاتب عبداللطيف الزبيدي من صحيفة «الخليج» على جائزة أفضل كاتب عمود في 2024.

وفي 2025، فاز الكاتب الصحافي المصري سليمان جودة من «المصري اليوم» بالجائزة، تقديراً لأسلوبه في معالجة القضايا الراهنة وطرحه الذي يجمع بين الرأي والتحليل.

شخصية العام

وإلى جانب تكريم العمل الصحافي، احتفظت «شخصية العام الإعلامية» بمكانة خاصة في تاريخ الجائزة، لتتحول قائمتها على مدى السنوات إلى سجل يضم أسماء من أجيال ومدارس إعلامية مختلفة.

ومن بين من حملوا اللقب الإعلامي الكويتي الراحل سامي أحمد المنيس، والكاتب المصري محمد كامل الزهيري، والراحل تريم عمران تريم، والصحافي الأردني محمود الشريف،

والناقد والكاتب المصري رجاء النقاش، والإعلامي صلاح الدين حافظ، والإعلامي السعودي عثمان العمير، والراحل مكرم محمد أحمد، ومؤسس صحيفة «السفير» اللبنانية طلال سلمان.

كما كرمت الجائزة الدكتور عبدالله عمران تريم، والإعلامي القطري ناصر محمد العثمان، والإعلامي الكويتي محمد ناصر السنعوسي، والإعلامي المصري حمدي قنديل، والإعلامي الإماراتي الراحل إبراهيم العابد.

وتواصلت القائمة لاحقاً مع أسماء من بينها وليد آل إبراهيم، وعبدالرحمن الراشد، وغسان شربل، ونبيل يعقوب الحمر، ومحمد جاسم الصقر.

وفي 2020، أصبحت نايلة تويني أول امرأة عربية تحصل على جائزة «شخصية العام الإعلامية»، قبل أن تذهب في الدورة التالية إلى الإعلامي والكاتب المصري عماد الدين أديب.

وفي 2022، حصل خالد بن حمد المالك على الجائزة، وتبعه المفكر والإعلامي الكويتي الدكتور محمد الرميحي في 2023، والكاتب اللبناني سمير عطا الله في 2024، فيما مُنحت في 2025 للكاتب والصحافي العراقي فخري كريم تقديراً لمسيرته في خدمة الإعلام والثقافة العربية.

الإعلام العربي

وكان عام 2021 محطة مفصلية في مسيرة الجائزة، عندما تحولت «جائزة الصحافة العربية» إلى «جائزة الإعلام العربي»، لتخرج من الإطار الصحافي التقليدي إلى مظلة تشمل قطاعات الإعلام المختلفة. ومع تطبيق الهيكل الجديد، أصبحت الجائزة تقوم على ثلاثة محاور رئيسية هي «جائزة الصحافة العربية» و«جائزة الإعلام المرئي» و«جائزة الإعلام الرقمي».

وضمت الصحافة السياسية والاقتصادية والاستقصائية وصحافة الطفل وأفضل كاتب عمود، فيما شملت جائزة الإعلام المرئي أفضل برنامج اقتصادي وثقافي وریاضي واجتماعي وأفضل عمل وثائقي، بينما ضمت جائزة الإعلام الرقمي أفضل منصة إخبارية واقتصادية ورياضية.

وجاء التطوير استجابة لتغير المشهد الإعلامي نفسه؛ فلم يعد المحتوى حكراً على الصحيفة، ولم يعد التلفزيون منفصلاً عن العالم الرقمي، فيما تحولت المنصات الإلكترونية إلى لاعب رئيسي في صناعة الأخبار والمعلومات والوصول إلى الجمهور.

وعكست قائمة الفائزين هذا الاتساع؛ ففي 2023، على سبيل المثال، فازت «هسبريس» المغربية بجائزة أفضل منصة إخبارية، وبوابة «أرقام» السعودية بأفضل منصة اقتصادية، ومنصة «FilGoal» المصرية بأفضل منصة رياضية، بينما شهد الإعلام المرئي تكريم برامج وأعمال من قنوات عربية مختلفة.

وفي 2025، شملت قائمة الفائزين تلفزيونياً برنامج «Business مع لبنى» من «سكاي نيوز عربية» كأفضل برنامج اقتصادي، و«صباح العربية» .

كأفضل برنامج اجتماعي، و«صاحبة السعادة» كأفضل برنامج ثقافي، و«هجمة مرتدة» كأفضل برنامج رياضي، فيما فاز الفيلم «تحت الأنقاض» من «الشرق» بجائزة أفضل عمل وثائقي.

مرحلة جديدة

وتدخل الجائزة دورتها الخامسة والعشرين هذا العام وهي تحمل إرثاً يختلف كثيراً عن المشهد الذي ولدت فيه قبل ربع قرن.

فقد انتقلت من زمن كانت فيه الصحيفة المطبوعة مركز صناعة الخبر والرأي، إلى عصر تتحرك فيه الأخبار والمعلومات خلال ثوانٍ بين الشاشات والمنصات، ويتجاور فيه الصحافي مع مقدم البرامج وصانع المحتوى والمنصة الرقمية، فيما يفرض الذكاء الاصطناعي اليوم أسئلة جديدة حول مستقبل المهنة نفسها.

واعتمد مجلس إدارة «جائزة الإعلام العربي» في الثاني من سبتمبر الجاري الأعمال الفائزة في الدورة الخامسة والعشرين.

إضافة إلى الفائزين بجائزتي «أفضل كاتب عمود» و«شخصية العام الإعلامية»، على أن تُكشف الأسماء خلال حفل التكريم الذي يقام ضمن «قمة الإعلام العربي 2026».

وبين أول دورة والدورة الخامسة والعشرين، تغيرت الوسائل والفئات والأدوات، لكن أرشيف الجائزة ظل شاهداً على القضايا التي شغلت الصحافة والإعلام العربي وعلى الأسماء التي تصدت له.

فمن تجارة الأعضاء والأدوية المغشوشة والتوحش العمراني، إلى الهجرة غير النظامية والتجارب السريرية والعملات المشفرة والطائرات المسيّرة، تحكي عناوين الأعمال الفائزة جانباً آخر من قصة الجائزة؛ قصة إعلام لم يكتف بتسجيل الأحداث، بل حاول في أفضل نماذجه البحث خلفها وكشف ما تخفيه وطرح الأسئلة التي تهم الناس.

ومع احتفالها باليوبيل الفضي، تبدو «جائزة الإعلام العربي» اليوم أقرب إلى سجل ممتد لتحولات المهنة في المنطقة؛ سجل بدأ بالصحافة، واتسع ليشمل الصورة والشاشة والمنصة، فيما تبقى الدورة الخامسة والعشرون محطة بين تاريخ صنعه مئات الفائزين، ومرحلة جديدة من إعلام تتغير ملامحه بوتيرة أسرع من أي وقت مضى.

ربع قرن من الاحتفاء بالتميّز في الصحافة والإعلام

شخصيات إعلامية بارزة صنعت سجل الجائزة العربية

جوائز الصحافة الاستقصائية كشفت قضايا شائكة عبر ربع قرن

تسليط الضوء على تحقيقات لاحقت الفساد والهجرة والأزمات الصحية

المتوجون بشخصية العام الإعلامية

سامي أحمد المنيس

محمد كامل الزهيري

تريم عمران تريم ومحمود الشريف

رجاء النقاش

صلاح الدين حافظ

عثمان العمير

مكرم محمد

أحمد طلال سلمان

عبدالله عمران تريم

ناصر محمد العثمان

محمد ناصر السنعوسي

حمدي قنديل

إبراهيم العابد

وليد آل إبراهيم

عبدالرحمن الراشد

غسان شربل

نبيل يعقوب الحمر

محمد جاسم الصقر

نايلة تويني

عماد الدين أديب

خالد بن حمد المالك

محمد الرميحي

سمير عطا الله

فخري كريم