أكد صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، بمناسبة انطلاق «عام الأسرة»، أن تمكين الأسرة أولوية وطنية ومسؤولية اجتماعية مشتركة، والاستثمار فيها استثمار في مستقبل الإمارات واستدامة نهضتها. وأضاف سموه: نؤكد الالتزام بمواصلة العمل على تعزيز نماء الأسرة وتماسكها ودورها في بناء الإنسان وتنشئة الأجيال على حب الوطن والانتماء إليه والتمسك بقيمه ومبادئه. جاء ذلك في تدوينة لسموه على حسابه الرسمي عبر منصة «إكس» قال سموه فيها: «بمناسبة انطلاق «عام الأسرة» نؤكد الالتزام بمواصلة العمل على تعزيز نماء الأسرة وتماسكها ودورها في بناء الإنسان وتنشئة الأجيال على حب الوطن والانتماء إليه والتمسك بقيمه ومبادئه. تمكين الأسرة أولوية وطنية ومسؤولية اجتماعية مشتركة، والاستثمار فيها استثمار في مستقبل الإمارات واستدامة نهضتها». وشكلت الأسرة في دولة الإمارات منذ القدم العمود الفقري للمجتمع، والأساس الذي بنيت عليه منظومة القيم والعلاقات الاجتماعية، ففي مجتمع ارتبط بالبحر والصحراء، وعاش تحديات الطبيعة وشظف العيش، كانت الأسرة هي الحصن الأول للإنسان، ومصدر الأمان والاستقرار، والإطار الذي تغرس فيه القيم النبيلة مثل التضامن، والتكافل، والاعتماد المتبادل، وقد لعبت الأسرة دوراً محورياً في تنظيم شؤون الحياة اليومية، وتوزيع الأدوار، وتربية الأبناء على الصبر والعمل والمسؤولية، ما أسهم في الحفاظ على تماسك المجتمع واستمراريته عبر الأجيال.

المدرسة الأولى

وفي مرحلة ما قبل قيام الاتحاد، اتسمت الأسرة الإماراتية بطابعها الممتد، حيث كان الجد والأبناء والأحفاد يعيشون في كنف واحد، تجمعهم روابط الدم، وتقويهم وحدة المصير، وكانت العلاقات الأسرية تقوم على الاحترام العميق للكبير، والتراحم مع الصغير، والتعاون في مواجهة أعباء الحياة، كما كانت الأسرة هي المدرسة الأولى التي يتعلم فيها الأبناء القيم الدينية والاجتماعية، ويتشربون حب الأرض والوطن، والاعتزاز بالهوية، وأسهم هذا النموذج الأسري في خلق مجتمع متماسك، متعاون، قادر على الصمود في وجه التحديات.

ومع بزوغ فجر الاتحاد عام 1971، دخلت الأسرة الإماراتية مرحلة تاريخية جديدة، اتسمت بالتحول والتنمية الشاملة، فقد أدركت القيادة الرشيدة منذ اللحظة الأولى أن بناء الدولة الحديثة لا ينفصل عن بناء الإنسان، وأن الإنسان لا يبنى إلا في كنف أسرة مستقرة ومتماسكة، ومن هذا المنطلق، وضعت الأسرة في قلب المشروع الوطني، باعتبارها النواة الأساسية التي ينطلق منها بناء المجتمع والدولة، وقد انعكس ذلك في السياسات المبكرة التي ركزت على التعليم والصحة والإسكان والعمل بوصفها ركائز تدعم استقرار الأسرة وتحسن جودة حياتها.

طفرة تنموية

وخلال العقود الأولى من عمر الدولة، شهدت الأسرة الإماراتية اهتماماً متزايداً، تزامن مع الطفرة التنموية التي عمت مختلف القطاعات، فقد أتاح التعليم المجاني لأبناء الدولة فرصاً غير مسبوقة للمعرفة والارتقاء الاجتماعي، وأسهم في رفع مستوى الوعي الأسري، وتطوير أساليب التربية والتنشئة، كما وفرت الدولة الرعاية الصحية الشاملة، والإسكان الميسر والملائم، والدعم الاجتماعي، ما خفف الأعباء المعيشية عن الأسرة، ومكنها من التركيز على دورها التربوي والاجتماعي. وفي الوقت ذاته، حرصت القيادة على الحفاظ على القيم الأسرية الأصيلة، وعدم التفريط بها في خضم التحديث السريع، فكان التوازن بين الأصالة والمعاصرة سمة بارزة للتجربة الإماراتية، حيث تطورت أنماط الحياة، وتغيرت أشكال السكن والعمل، لكن جوهر الأسرة بقي قائماً على التماسك والاحترام والتكافل، وقد أسهم هذا التوازن في حماية النسيج الاجتماعي من التفكك وفي تعزيز الشعور بالانتماء والاستقرار النفسي لدى الأفراد.

تحولات اجتماعية

ومع تسارع التحولات الاجتماعية والاقتصادية، واجهت الأسرة الإماراتية تحديات جديدة، تمثلت في الانتقال التدريجي من الأسرة الممتدة إلى الأسرة النووية، وتمكين المرأة بدخولها بقوة إلى ميادين التعليم والعمل، وقد أدركت القيادة الرشيدة أن هذه التحولات، على الرغم من إيجابياتها، قد تفرض ضغوطاً جديدة على الأسرة، ما استدعى تطوير سياسات وتشريعات اجتماعية مرنة، تحمي الأسرة، وتدعم تماسكها، وتساعدها على التكيف مع متطلبات العصر دون المساس بثوابتها.

وفي هذا السياق، تعزز الاهتمام الرسمي بقضايا الأسرة، وبرزت برامج ومبادرات تهدف إلى دعم الاستقرار الأسري، وتعزيز جودة الحياة داخل البيت الإماراتي، وقد شمل ذلك الاهتمام بتنظيم الزواج وتشجيع تكوين الأسر ودعم الأمومة والطفولة، وتوفير الإرشاد الأسري، إلى جانب سن تشريعات تحمي حقوق أفراد الأسرة، وتضمن بيئة آمنة ومستقرة للجميع، كما توج ذلك الاهتمام بإطلاق وزارة تُعنى بملف الأسرة وتعزيز دورها في المجتمع.

زخم جديد

وفي بداية العام الجاري، اكتسب ملف الأسرة زخماً جديداً مع إعلان صاحب السمو رئيس الدولة، حفظه الله، 2026 عاماً للأسرة، حيث يعد ذلك محطة تاريخية مفصلية في مسيرة الاهتمام بالأسرة الإماراتية، حيث جاء هذا العام تتويجاً لمسار طويل من السياسات والمبادرات التي سلطت الضوء على مكانة الأسرة بوصفها نواة المجتمع، ومحور التنمية الإنسانية، وأساس الاستقرار الاجتماعي. ولا يعد تخصيص عام 2026 عاماً للأسرة مناسبة رمزية فحسب، بل يعد إطاراً وطنياً شاملاً لتوحيد الجهود، وتعزيز التنسيق بين مختلف الجهات المعنية بشؤون الأسرة، فهو يعيد التأكيد على أن تعزيز نماء الأسرة وتماسكها مسؤولية وطنية مشتركة، تتطلب تكامل الأدوار بين الحكومة والمجتمع، والأسرة نفسها، ومراجعة السياسات الاجتماعية، وتطوير البرامج التي تعالج احتياجات الأسرة في مختلف مراحلها، من مرحلة ما قبل الزواج، مروراً بتكوين الأسرة، وصولاً إلى رعاية الأبناء.

حلقة الوصل

ولم يغفل هذا التوجه التاريخي أهمية كبار المواطنين، الذين يشكلون الذاكرة الحية للمجتمع، وحلقة الوصل بين الماضي والحاضر، فقد أكدت سياسات «عام الأسرة» تعزيز مكانة كبار السن داخل الأسرة، والاستفادة من خبراتهم، وترسيخ ثقافة البر والتواصل بين الأجيال، كما شملت الجهود دعم أصحاب الهمم، وضمان دمجهم في المجتمع، وتعزيز دور الأسرة في تمكينهم، بما يعكس القيم الإنسانية العميقة التي يقوم عليها المجتمع الإماراتي.

في عام 2026 تقف الأسرة الإماراتية على أرضية صلبة، بفضل رؤية قيادية رشيدة، وسياسات اجتماعية متكاملة، وتجربة تاريخية غنية أثبتت أن الاستثمار في الأسرة هو الاستثمار الأكثر استدامة، فأسرة مستقرة ومتماسكة تعني مجتمعاً متلاحماً، واقتصاداً أكثر إنتاجية، ومستقبلاً أكثر أمناً واستقراراً.