لم يكن حضور دولة الإمارات العربية المتحدة في المشهد اليمني الإنساني مجرّد استجابة طارئة لأزمة وقتية، بل كان اختباراً عملياً للقدرة على العمل الإنساني في واحدة من أعقد البيئات السياسية والأمنية في العالم. ففي بلدٍ أنهكته الحرب، وتعددت فيه السلطات، وتراجعت فيه مؤسسات الدولة، اختارت الإمارات أن تواصل أداء واجبها الأخوي، متجاوزةً تحديات جسيمة فرضها الواقع الميداني، واضعةً الإنسان اليمني في صدارة أولوياتها.
لم يكن إيصال المساعدات إلى اليمن مهمة سهلة؛ إذ اصطدمت الجهود الإنسانية منذ بداياتها بمخاطر أمنية مباشرة، وصعوبات لوجستية، وتعقيدات سياسية حدّت من حركة المنظمات الدولية وأضعفت قدرتها على الوصول إلى المناطق الأشد احتياجاً. ومع ذلك، نجحت الإمارات في بناء نموذج عمل مرن، مكّنها من الاستمرار في تقديم الدعم الإنساني رغم التقلبات الميدانية، مستندة إلى شراكات محلية، وتنسيق مباشر مع المنظمات الأممية، وآليات تنفيذ ميدانية قلّصت فجوات الوصول.
وبرز الهلال الأحمر الإماراتي بوصفه ذراعاً إنسانية قادرة على العمل في ظروف عالية الخطورة، من خلال الانتشار في مناطق يصعب على كثير من الجهات الوصول إليها، وضمان تدفق المساعدات الغذائية والطبية والإغاثية دون انقطاع، في وقت كانت فيه سلاسل الإمداد تتعرض للتعطيل مراراً بفعل الأوضاع الأمنية.
موارد شحيحة
أحد أكبر التحديات التي واجهتها الجهود الإنسانية في اليمن تمثّل في انهيار الخدمات الأساسية، خصوصاً المياه والرعاية الصحية، وهي قطاعات لا تحتمل التأجيل. وفي هذا السياق، نجحت الإمارات في الانتقال من مجرد الإغاثة العاجلة إلى استعادة الحد الأدنى من مقومات الحياة اليومية.
فقد شملت المبادرات الإماراتية حفر وتأهيل الآبار، وتشغيل محطات ضخ المياه، وتزويدها بأنظمة طاقة بديلة، لا سيما الطاقة الشمسية، في خطوة عالجت تحدّي شح المياه وانقطاع الكهرباء في آنٍ واحد. كما أُعيد تأهيل مستشفيات ومراكز صحية، وتزويدها بالمعدات الطبية، ما ساهم في تخفيف الضغط على نظام صحي شبه منهار، وأتاح لمئات الآلاف الحصول على خدمات علاجية كانت مفقودة.
دعم مستدام
في وقتٍ أظهرت فيه بيانات الأمم المتحدة أن خطة الاستجابة الإنسانية لعام 2024 لم تُموَّل سوى بنحو 56 % من احتياجاتها، واصلت الإمارات التزامها المالي والإنساني، متجاوزة تحدّي فجوة التمويل الدولي التي أثّرت في برامج الإغاثة في اليمن. وقد انعكس ذلك في حزم دعم متتالية، سواء عبر التعهدات الدولية أو من خلال دعم الاستقرار الاقتصادي، بما في ذلك المشاركة في حزمة دعم بقيمة ملياري دولار عام 2022 لدعم البنك المركزي اليمني والحد من تدهور العملة.
ومع تداخل السياسة بالإشكالات الأمنية، أصبح تحييد العمل الإنساني عن الصراع أحد أعقد التحديات التي نجحت المقاربة الإماراتية في تجاوزها، حيث حرصت على الفصل الواضح بين البعد الإنساني وأي اعتبارات أخرى، مع الالتزام بمعايير الشفافية والمساءلة الدولية، وهو ما مكّن المساعدات من الوصول إلى مستحقيها دون أن تتحول إلى عامل توتير إضافي في المشهد المحلي.
تجاوزت قراءة التمويل الإماراتي في اليمن الأرقام والتعهدات، لتتجلى تجربة إنسانية في تخطي التحديات على اختلافها من الأمن إلى شح الموارد والصعوبات اللوجستية، وانهيار مؤسسات الدولة. نجحت الإمارات في تلك التجربة، واستطاعت الحفاظ على استمرارية دعمها الإنساني رغم تعقيدات المشهد، مؤكدةً أن الأثر الإنساني الحقيقي هو ذلك الذي يتم في أحلك الظروف، وأن واجب الأخوّة يظل ثابتاً مهما استجد من عقبات.
