أسهمت في قرارات مفصلية لمجلس الأمن وتطوير إجراءات اختيار الأمين العام



مع إعلان ترشيح وزيرة الدولة الإماراتية لانا زكي نسيبة لخلافة أنطونيو غوتيريش في منصب الأمين العام للأمم المتحدة، تعود إلى الواجهة مسيرة دبلوماسية ارتبطت بأبرز محطات عمل المنظمة الدولية خلال أكثر من عقد، من مفاوضات إصلاح مجلس الأمن إلى القرارات المتعلقة بالنزاعات وحماية المدنيين. ويحمل دخولها سباق الأمانة العامة مفارقة لافتة، إذ سبق أن شاركت في جهود تطوير إجراءات اختيار الأمين العام، قبل أن يصبح اسمها جزءاً من المنافسة على قيادة المؤسسة التي أمضت سنوات طويلة في أروقتها.

وتأتي هذه المحطة في وقت تواجه فيه الأمم المتحدة تحديات تتصل بتصاعد النزاعات الدولية، والانقسامات بين القوى الكبرى، والضغوط المالية التي تؤثر في عمل مؤسساتها، فيما كشفت الجولات الأخيرة من التصويت داخل مجلس الأمن عن صعوبة التوافق على خليفة لغوتيريش، الذي تنتهي ولايته الثانية في 31 ديسمبر 2026.

سباق تعقّده حسابات القوى الكبرى

أظهر الاقتراع الاستطلاعي السادس الذي أجراه مجلس الأمن في 16 أكتوبر 2026، عدم تمكن أي من المرشحين السبعة المشاركين من الحصول على تأييد جميع الدول الخمس دائمة العضوية، وهي الولايات المتحدة وروسيا والصين وفرنسا وبريطانيا.

ووفق النتائج التي أوردتها وكالة «رويترز»، تصدرت ريبيكا غرينسبان، نائبة رئيس كوستاريكا السابقة والأمينة العامة لمؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية «أونكتاد»، بحصولها على تسعة أصوات مشجعة وخمسة مثبطة، بينها صوتان من الدول دائمة العضوية.

وحصل كل من المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، الأرجنتيني رافاييل غروسي، ومرشحة غيانا كارولين رودريغيز بيركيت، على ثمانية أصوات مشجعة وستة مثبطة، بينها صوتان من الدول دائمة العضوية لكل منهما.

ورغم أن الأصوات المثبطة في الاقتراعات غير الرسمية لا تمثل استخداماً فعلياً لحق النقض، فإنها تكشف عن اعتراضات قد تحول دون التوافق على أي من المرشحين عند التصويت الرسمي.

وتتطلب توصية مجلس الأمن بتعيين الأمين العام حصول المرشح على تسعة أصوات مؤيدة على الأقل من أصل 15، دون استخدام أي من الدول الخمس دائمة العضوية حق النقض، قبل عرض التوصية على الجمعية العامة لإقرار التعيين.

وزاد انسحاب الرئيس السنغالي السابق ماكي سال من السباق في 17 أكتوبر تعقيدات المشهد، وترك المجال مفتوحاً أمام ترشيحات جديدة، في ظل دعوات لاختيار أول امرأة تتولى قيادة الأمم المتحدة، بعدما تعاقب تسعة رجال على منصب الأمين العام منذ تأسيس المنظمة عام 1945.

وتتقاطع هذه الدعوات مع توجهات داخل المنظمة تؤيد إسناد المنصب إلى شخصية من أمريكا اللاتينية والكاريبي، استناداً إلى العرف المتعلق بالتناوب الجغرافي، وإن لم يكن ذلك شرطاً ملزماً في إجراءات الاختيار.

من كامبريدج إلى صناعة السياسة الخارجية

وتستند مسيرة لانا نسيبة إلى تكوين أكاديمي جمع بين التاريخ ودراسات الشرق الأوسط، قبل انتقالها إلى مجالات البحث والتخطيط السياسي والعمل الدبلوماسي.

وشغلت في بدايات عملها الحكومي منصب مديرة البحوث والاتصال في وزارة الدولة لشؤون المجلس الوطني الاتحادي، ثم تولّت رئاسة فريق العمل المعني بالحملة الإماراتية لاستضافة أبوظبي مقر الوكالة الدولية للطاقة المتجددة «آيرينا».

وفي عام 2009، أسست إدارة تخطيط السياسات بوزارة الخارجية، وتولّت منصب مديرتها الأولى لمدة ثلاث سنوات، في مرحلة شهدت توسعاً في الحضور الدبلوماسي الإماراتي على المستويين الإقليمي والدولي.

كما عملت مبعوثة خاصة مشاركة لدولة الإمارات إلى أفغانستان وباكستان خلال عامي 2010 و2011، وتولّت مهمة نائب منسق دولة الإمارات في قمة قادة مجموعة العشرين التي عُقدت تحت الرئاسة الفرنسية عام 2011.

وجمعت هذه المسؤوليات بين إعداد السياسات وإدارة العلاقات الدولية والتعامل مع القضايا الأمنية والتنموية، قبل انتقالها إلى واحدة من أبرز محطات مسيرتها الدبلوماسية.

أول امرأة تتولى تمثيل الإمارات في الأمم المتحدة

في سبتمبر 2013، عُيّنت نسيبة مندوبة دائمة لدولة الإمارات لدى الأمم المتحدة في نيويورك، لتصبح أول امرأة تشغل هذا المنصب في تاريخ الدبلوماسية الإماراتية، واستمرت فيه حتى أبريل 2024.

وخلال أكثر من عشر سنوات، شاركت في مفاوضات متعددة الأطراف تناولت قضايا السلم والأمن الدوليين، والتنمية المستدامة، وحقوق المرأة، وإصلاح المؤسسات الأممية، كما تولّت مسؤوليات قيادية داخل أجهزة الأمم المتحدة.

ففي عام 2017، ترأست المجلس التنفيذي لهيئة الأمم المتحدة للمرأة، وشغلت منصب نائب رئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الثانية والسبعين.

كما شاركت في رئاسة المفاوضات الحكومية الدولية بشأن إصلاح مجلس الأمن خلال الفترة الممتدة بين عامي 2017 و2019، وهي مفاوضات تتناول قضايا توسيع عضوية المجلس والتمثيل الجغرافي وآليات عمله، وسط تباينات مستمرة بين الدول الأعضاء بشأن شكل الإصلاح المطلوب.

وسبق ذلك مشاركتها في رئاسة فريق العمل المخصص لتنشيط أعمال الجمعية العامة خلال الدورة الحادية والسبعين، بين عامي 2016 و2017، والذي ارتبطت أعماله أيضاً بجهود تطوير إجراءات اختيار الأمين العام وتعزيز الشفافية والمشاركة في العملية.

ومنذ عام 2015، شاركت نسيبة في رئاسة مجموعة «أصدقاء مستقبل الأمم المتحدة» بالتعاون مع المملكة المتحدة، وهي منتدى غير رسمي يضم مندوبين دائمين لمناقشة التحديات المتعلقة بمستقبل المنظمة وقدرتها على تنفيذ مهامها.

قرارات مفصلية في مجلس الأمن

شكّلت عضوية دولة الإمارات غير الدائمة في مجلس الأمن خلال عامي 2022 و2023 محطة رئيسية في مسيرة نسيبة، إذ تزامنت مع تصاعد الاستقطاب الدولي إثر الحرب الروسية الأوكرانية، ثم اندلاع الحرب في قطاع غزة.

وخلال تلك الفترة، قادت جهوداً دبلوماسية إماراتية أسهمت في اعتماد عدد من القرارات المهمة التي شاركت الدولة في صياغتها، من بينها القرار رقم 2686 بشأن خطاب الكراهية والعنصرية والتمييز والمعلومات المضللة ودورها في اندلاع النزاعات وتفاقمها وتكرارها.

كما أسهمت في جهود اعتماد القرار رقم 2681، الذي أدان قرار حركة طالبان منع النساء الأفغانيات من العمل لدى الأمم المتحدة في أفغانستان.

وكان القرار رقم 2720، الذي اعتمده مجلس الأمن في 22 ديسمبر 2023 بشأن المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة، من أبرز المحطات المرتبطة بعملها، بعدما أسفرت المفاوضات عن إقرار آلية أممية تهدف إلى تسريع وتسهيل إيصال المساعدات الإنسانية إلى الفلسطينيين.

وفي أبريل 2024، تسلّمت نسيبة «درع فلسطين» من المندوب الدائم المراقب لدولة فلسطين لدى الأمم المتحدة رياض منصور، تقديراً لجهودها خلال فترة عملها، ولا سيما أثناء عضوية الإمارات في مجلس الأمن.

في ديسمبر 2021، صدر مرسوم اتحادي بمنح نسيبة درجة وزير، بينما كانت تشغل منصب مساعدة وزير الخارجية للشؤون السياسية والمندوبة الدائمة للإمارات لدى الأمم المتحدة.

وبعد انتهاء مهمتها في نيويورك في أبريل 2024، عادت إلى أبوظبي لمواصلة عملها مساعدة لوزير الخارجية للشؤون السياسية ومبعوثة لوزير الخارجية، قبل أن يُعلن في 9 سبتمبر 2025 تعيينها وزيرة دولة في حكومة الإمارات، بتوجيهات ومباركة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، وبإعلان صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله.

وواصلت من موقعها الوزاري المشاركة في ملفات السياسة الخارجية والشراكات الاستراتيجية والأمن الإقليمي، بما في ذلك العلاقات مع القوى الدولية والمنظمات متعددة الأطراف.

ففي فبراير 2026، ترأست الجانب الإماراتي في جولة من المشاورات السياسية مع إيران في طهران، تناولت العلاقات الثنائية والتطورات الإقليمية، فيما مثّلت الدولة خلال يونيو في الاجتماع الوزاري المشترك بين مجلس التعاون الخليجي والولايات المتحدة.

وفي أكتوبر 2026، ترأست الجانب الإماراتي في الجولة الأولى من المشاورات السياسية مع صربيا في بلغراد، التي تناولت التعاون الاقتصادي والاستثماري والتكنولوجي والتطورات الأمنية في أوروبا والشرق الأوسط.

من تمثيل دولة إلى استحقاق دولي

يضع ترشيح معالي لانا نسيبة للأمانة العامة تجربتها الدبلوماسية أمام استحقاق يختلف في طبيعته عن المناصب التي تولّتها سابقاً، إذ ينتقل نطاق المسؤولية من تمثيل دولة والدفاع عن سياساتها إلى قيادة الجهاز الإداري للأمم المتحدة، والتعامل مع مصالح الدول الأعضاء وتباين مواقفها.

وبموجب ميثاق الأمم المتحدة، يتولى الأمين العام رئاسة الأمانة العامة، ويضطلع بدور سياسي ودبلوماسي في القضايا المرتبطة بالسلم والأمن الدوليين، إلى جانب إدارة جهاز أممي واسع يواجه تحديات مالية ومؤسسية متزايدة.

ويظل حسم هذا الاستحقاق مرتبطاً بالتوافق داخل مجلس الأمن، ولا سيما بين الدول الخمس دائمة العضوية، قبل أن تتخذ الجمعية العامة قرار التعيين.

وبين مسيرتها في التخطيط السياسي، وتجربتها الممتدة في مجلس الأمن والجمعية العامة، ومسؤولياتها الوزارية في أبوظبي، تحمل نسيبة إلى المنافسة سجلاً من العمل الدبلوماسي متعدد الأطراف، في مرحلة يتجاوز فيها اختيار الأمين العام الجديد مسألة خلافة غوتيريش إلى النقاش الأوسع بشأن مستقبل الأمم المتحدة وقدرتها على التعامل مع التحولات الدولية.