المحتالون يستهدفون ثقة الأفراد.. والوعي الرقمي خط الدفاع الأول
«لا تنغش» يجمع الخبرة التقنية والتأثير الإعلامي لتحصين المجتمع من الخداع الإلكتروني
«تحقق أولاً ثم ثق».. دعوة لترسيخ الثقة الذكية وحماية الأسر من المخاطر الرقمية
أكدت منى بوسمرة، رئيسة أكاديمية دبي للإعلام، أن الاحتيال الإلكتروني لم يعد مجرد تهديد تقني يستهدف الأجهزة والحسابات، بل تحول إلى خطر يتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية، ويستهدف ثقة الأفراد وأمن الأسر والمؤسسات، مشددة على أن المحتال لم يعد بحاجة إلى طرق الأبواب للوصول إلى ضحاياه، بعدما أصبحت رسالة إلكترونية أو رابط مجهول أو إشعار يبدو صادراً عن جهة رسمية كافياً لفتح الطريق أمام محاولات الخداع، ما يجعل الوعي الرقمي ضرورة لحماية المجتمع، وليس مجرد معرفة تقنية تقتصر على المتخصصين.
وأوضحت، خلال ملتقى «لا تنغش»، الذي تنظمه أكاديمية دبي للإعلام بالشراكة مع مركز دبي للأمن الإلكتروني، تحت شعار «إعلام واعٍ.. مجتمع محصّن»، أن أساليب الاحتيال شهدت تحولاً جذرياً، إذ بات المحتال قادراً على الوصول إلى الأفراد عبر الشاشات التي يحملونها، مستخدماً لغة مألوفة ومعلومات شخصية ورسائل مصممة لاستغلال الثقة والاستعجال، ودفع المستهدفين إلى اتخاذ قرارات قبل التحقق من صحتها.
ولفتت إلى أن التحدي الحقيقي لم يعد يتمثل في احتمالية التعرض لمحاولة احتيال، وإنما في مدى استعداد الأفراد لاكتشافها والتعامل معها، مؤكدة أن تطور وسائل الخداع يفرض الانتقال من التوعية التقليدية إلى بناء ثقافة وقائية تجعل التحقق من المعلومات والروابط والرسائل ممارسة يومية لدى جميع أفراد المجتمع.
الوعي درع الحماية
وأكدت بوسمرة أن مبادرة «لا تنغش» تمثل نموذجاً للتكامل بين الخبرة التقنية والتأثير الإعلامي، من خلال الشراكة بين مركز دبي للأمن الإلكتروني وأكاديمية دبي للإعلام، بما يجمع بين المعرفة المتخصصة بالتهديدات الرقمية والقدرة على تحويلها إلى رسائل توعوية واضحة ومؤثرة تصل إلى مختلف فئات المجتمع.
وأوضحت أن التكنولوجيا، مهما بلغت درجة تطورها، لا تستطيع وحدها تحقيق الحماية المطلوبة إذا افتقر المستخدمون إلى المعرفة اللازمة للتعامل مع المخاطر، كما أن الرسائل الإعلامية لا تحقق أهدافها ما لم تستند إلى معلومات تقنية دقيقة وموثوقة، مشيرة إلى أن الجمع بين الجانبين يحوّل الوعي إلى درع يحمي المجتمع، ويعزز قدرة الأفراد على مواجهة محاولات الاحتيال قبل وقوع الضرر.
وأضافت أن مواجهة الخداع الإلكتروني تتطلب تجاوز الاكتفاء بالتحذير من المخاطر إلى تمكين الأفراد من التعرف إلى أساليب المحتالين، وفهم الطرق التي يستخدمونها لاستغلال الثقة أو الاستعجال، بما يساعدهم على اتخاذ قرارات واعية في تعاملاتهم الرقمية.
الأسرة في المواجهة
ولفتت إلى أن انعقاد الملتقى في عام الأسرة يعكس أهمية التركيز على حماية الأسرة باعتبارها أحد أبرز أهداف محاولات الاحتيال الإلكتروني، وفي الوقت نفسه خط الدفاع الأول في مواجهتها، موضحة أن المخاطر الرقمية لا تستهدف جميع أفراد الأسرة بالطريقة نفسها، وإنما تتغير وفق أعمارهم واهتماماتهم ومستويات معرفتهم بالتكنولوجيا.
وأشارت إلى أن الطفل قد يقع ضحية الخداع بسبب ثقته بالأشخاص الذين يتواصلون معه عبر الإنترنت، بينما قد يستهدف المحتالون المراهقين من خلال استغلال رغبتهم في الحصول على فرص أو تحقيق القبول الاجتماعي، في حين يواجه كبار السن تحديات مختلفة نتيجة عدم نشأتهم في بيئة رقمية مماثلة لما تعيشه الأجيال الجديدة.
وأكدت أن اختلاف أساليب الاستهداف يستدعي تطوير رسائل توعوية تراعي احتياجات كل فئة عمرية، وتساعد أفراد الأسرة على التعرف إلى محاولات الاحتيال والتعامل معها، بما يعزز قدرتهم على حماية أنفسهم، ويجعل الوعي الرقمي جزءاً من الثقافة الأسرية والممارسات اليومية، بدلاً من اقتصاره على حملات توعوية مؤقتة.
ثقة تحت الاستهداف
وشددت بوسمرة على أن الإعلاميين ومسؤولي الاتصال الحكومي يتحملون مسؤولية محورية في تعزيز الحماية الرقمية للمجتمع، باعتبارهم يمتلكون القدرة على الوصول إلى ملايين المتابعين، وتحويل التحذيرات التقنية المعقدة إلى رسائل بسيطة ومباشرة يسهل فهمها وتذكرها والعمل بمضمونها.
وأوضحت أن ثقة الجمهور في المؤسسات الإعلامية تمثل إحدى أهم أدوات التأثير والتوعية، وهي في الوقت نفسه من أبرز العناصر التي يسعى المحتالون إلى استغلالها، من خلال انتحال صفات الجهات الرسمية والمؤسسات الموثوقة، واستخدام رسائل تبدو حقيقية لإقناع الأفراد بالتفاعل معها.
وأكدت أن دور الإعلام في مواجهة الاحتيال لا ينبغي أن يتوقف عند نقل الأخبار والتحذيرات، بل يمتد إلى بناء المعرفة الوقائية لدى الجمهور، وتقديم معلومات دقيقة تساعد الأفراد على التمييز بين الرسائل الحقيقية والمضللة، والتعرف إلى مؤشرات الخداع قبل الاستجابة لها.
ولفتت إلى أن إشراك الإعلاميين ومسؤولي الاتصال الحكومي في المبادرة يستهدف تأهيلهم للقيام بدور أكثر تأثيراً في توعية الجمهور، وتحويل المعرفة المتخصصة إلى محتوى إعلامي قادر على الوصول إلى مختلف شرائح المجتمع، بما يعزز المسؤولية المشتركة في مواجهة المخاطر الرقمية.
الثقة الذكية
ودعت رئيسة أكاديمية دبي للإعلام إلى ترسيخ مفهوم «الثقة الذكية»، القائم على مبدأ «تحقق أولاً ثم ثق»، باعتباره قاعدة أساسية للتعامل الآمن مع العالم الرقمي، مؤكدة أن الثقة لا تعني الاستجابة الفورية لكل رسالة أو رابط أو طلب، وإنما تستوجب التثبت من المصادر والتأكد من صحة المعلومات قبل اتخاذ أي إجراء.
وأشارت إلى أن شعار الملتقى «إعلام واعٍ.. مجتمع محصّن» يجسد العلاقة بين مستوى الوعي الذي يصنعه الإعلام وقدرة المجتمع على مواجهة محاولات الخداع، إذ إن الرسالة الإعلامية الدقيقة والمبسطة تستطيع تحويل التحذير من معلومة عابرة إلى سلوك وقائي يحمي الأفراد والأسر.
وأكدت أن بناء الثقة الذكية لا يعني التخوف من التكنولوجيا أو الحد من الاستفادة منها، بل تعزيز القدرة على استخدامها بوعي ومسؤولية، بما يضمن الاستفادة من فرص التحول الرقمي دون الوقوع ضحية للممارسات الاحتيالية.
وأكدت بوسمرة أن بناء مجتمع آمن رقمياً يتطلب التعامل مع الوعي باعتباره مسؤولية مستمرة، وليس استجابة مؤقتة لظهور تهديدات أو حوادث احتيال، مشيرة إلى أن الحماية الحقيقية تبدأ من قدرة الإنسان على إدراك المخاطر واتخاذ القرارات الصحيحة عند التعامل مع الرسائل والمعلومات والروابط الإلكترونية.
ولفتت إلى أن دبي، التي نجحت في بناء مدينة ذكية وتطوير منظومة رقمية متقدمة، تواصل تعزيز مسؤوليتها في بناء مجتمع واعٍ يمتلك المعرفة والقدرة على التعامل الآمن مع التكنولوجيا، مؤكدة أن الأمن لا يتحقق ببناء أنظمة الحماية وحدها، بل بترسيخ ثقافة مجتمعية تتجدد كل يوم.
واختتمت بالتأكيد على أن بناء مجتمع يصعب خداعه يتطلب تكامل جهود المؤسسات والأفراد، وتحويل الوعي الرقمي إلى سلوك راسخ داخل المنازل ومؤسسات العمل، بما يجعل الإنسان شريكاً فاعلاً في منظومة الحماية، ويعزز قدرة المجتمع على مواجهة أساليب الاحتيال المتجددة.