يعكس تخصيص 34.6 مليار درهم لقطاع التنمية الاجتماعية والمعاشات في الميزانية العامة للاتحاد لعام 2027، بنسبة 38.4 % من إجمالي المصروفات، أولوية الاستثمار في الإنسان ضمن التوجهات الحكومية للمرحلة المقبلة، وفي مقدمتها تطوير التعليم وتعزيز جودة الحياة، ويتزامن هذا التوجه مع تحقيق الإمارات نتائج متقدمة في مؤشرات التعليم الدولية، تصدرت من خلالها الدول العربية في اختبارات «بيزا 2025»، إلى جانب التقدم في دراسات الرياضيات والعلوم والقراءة، وتوسيع نطاق التجربة الإماراتية في تعليم الذكاء الاصطناعي، لتكون متاحة للاستفادة منها دولياً.
ويأتي ذلك في إطار ميزانية اتحادية، تبلغ مصروفاتها 90.1 مليار درهم لعام 2027، ضمن خطة مالية للأعوام 2027-2029 بإجمالي مصروفات يصل إلى 292.5 مليار درهم، وبنمو قدره 28.3 % مقارنة بالأعوام الثلاثة السابقة، ويؤكد هذا التوجه ما أعلنه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، بشأن ثبات أولوية التعليم والصحة والسكن والخدمات الاجتماعية وجودة حياة المواطن واستقراره، بما يعزز استمرارية الاستثمار في القطاعات المرتبطة بالتنمية البشرية.
وبلغت مخصصات التعليم في الميزانية الاتحادية لعام 2026 نحو 16.9 مليار درهم، بنسبة 18.3 % من إجمالي المصروفات، في مؤشر إلى حجم الإنفاق الموجه لتطوير المدارس والمناهج والكوادر التعليمية والبنية التحتية، والارتقاء بجودة المخرجات التعليمية، ويواكب هذا الاستثمار العمل على توفير بيئة مدرسية أكثر جاهزية، وتطوير أساليب التعليم والتقييم، وتعزيز قدرة الطلبة على اكتساب المهارات الأساسية،ومواكبة متطلبات المستقبل.
وشهد العام الدراسي 2026-2027 افتتاح 11 مدرسة ومجمعاً تعليمياً وروضة أطفال جديدة، وتوفير 5810 حافلات مدرسية، وتوزيع 8 ملايين كتاب مدرسي، ضمن استعدادات وزارة التربية والتعليم لاستقبال أكثر من مليون و277 ألف طالب وطالبة في أكثر من 1180 مدرسة حكومية وخاصة، بينهم 26 ألفاً و700 طالب مستجد في المدارس الحكومية.
وفي سياق الارتقاء بجودة الأداء المدرسي تعتزم الوزارة إطلاق مشروع لتقييم جميع المدارس الحكومية والخاصة المرخصة من قبلها في الدولة، بنسبة تغطية تبلغ 100 % على مدار عامين دراسيين، بهدف قياس جودة الأداء المؤسسي والتعليمي، ومساعدة المدارس على إعداد خطط تطوير مستدامة، تستجيب لاحتياجاتها، وتدعم تحسين مخرجاتها.
تقدم دولي
وتعكس نتائج الدراسات الدولية تطور أداء الطلبة في عدد من المجالات التعليمية، إذ تصدرت الإمارات الدول العربية المشاركة في اختبارات «بيزا 2025» في القراءة والرياضيات والعلوم، وكانت ضمن ثماني دول واقتصادات من أصل 91 حققت تحسناً في المجالات الثلاثة، كما جاءت الدولة في المركز الأول عربياً في دراسة «تيمز 2023» للرياضيات والعلوم، مسجلة تقدماً في أداء طلبة الصفين الرابع والثامن.
وفي مهارات القراءة ارتفع متوسط أداء طلبة الدولة في دراسة «بيرلز 2021» إلى 483 نقطة، بزيادة 33 نقطة مقارنة بدورة 2016، وتوفر هذه النتائج مؤشرات على تطور الأداء في المهارات الأساسية، كما تبرز أهمية مواصلة العمل على تطوير المناهج، ورفع كفاءة المعلمين، وتوسيع الممارسات التعليمية التي تعزز الفهم والتحليل والتطبيق، بما يدعم استدامة التقدم في المؤشرات الدولية.
تعلم المستقبل
ولا يقتصر تطوير المنظومة التعليمية على تحسين نتائج الاختبارات، بل يمتد إلى إعداد الطلبة للتعامل مع التحولات التقنية، ومتطلبات الاقتصاد الرقمي. وفي هذا الإطار أتاحت الإمارات الإطار الوطني لتعليم الذكاء الاصطناعي من رياض الأطفال حتى الصف الثاني عشر، بما يتيح للأنظمة التعليمية في دول العالم الاطلاع على التجربة الإماراتية، والاستفادة من مكوناتها وتكييفها وفق احتياجاتها.
ويركز هذا التوجه على تمكين الطلبة من فهم الذكاء الاصطناعي وآليات عمله وتطبيقاته ومخاطره، وتنمية قدرتهم على استخدام التقنيات الحديثة بمسؤولية ووعي، بما يعزز جاهزيتهم للتخصصات والوظائف المستقبلية، كما يوسع نطاق مشاركة الخبرات التعليمية الإماراتية دولياً، وينقل التجربة من مستوى التطبيق المحلي إلى إتاحة المعرفة والممارسات للاستفادة منها في بيئات تعليمية مختلفة.
وتظهر نتائج «بيزا 2025» مؤشرات على تقدم المدارس الإماراتية في تهيئة الطلبة للتعامل مع البيئة الرقمية؛ إذ أفاد 81.7 % من الطلبة بأنهم يتعلمون كيفية تقييم المعلومات المولدة بالذكاء الاصطناعي، مقارنة بمتوسط 62.6 % في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، كما يدرس 96.3 % من الطلبة في مدارس لديها إرشادات خاصة بالمواد الدراسية لاستخدام الأجهزة الرقمية، مقابل متوسط يبلغ 71.2 % في دول المنظمة.
وتشير هذه المؤشرات إلى اتساع حضور التوجيه المنظم لاستخدام التكنولوجيا في البيئة المدرسية، بالتوازي مع تنمية قدرة الطلبة على تقييم المحتوى الرقمي والتعامل معه بوعي، وهي مهارات تزداد أهميتها مع توسع تطبيقات الذكاء الاصطناعي في التعليم والعمل والحياة اليومية.
تطوير الممارسات
وامتدت جهود التطوير إلى أساليب التعلم والتقييم، إذ وسعت وزارة التربية والتعليم تطبيق مشروع التعلم والتقييم القائم على المشاريع، ليشمل أكثر من 129 ألف طالب وطالبة في 366 مدرسة، مع إدخال مشروعات تكاملية، تربط اللغة العربية والإنجليزية والرياضيات والعلوم بالتطبيقات العملية. ويستهدف هذا النهج تعزيز مهارات البحث والتحليل والتفكير النقدي وحل المشكلات، من خلال ربط المعارف النظرية بالتطبيق.
وشملت التحديثات كذلك تطوير منظومة تقييم طلبة الصفوف من التاسع حتى الثاني عشر، بتخصيص 50 % للتقييمات المدرسية، و50% للتقييمات المركزية، إلى جانب تطبيق اختبارات تشخيصية للكشف المبكر عن الفجوات التعليمية، وإعداد خطط علاجية وإثرائية، تتناسب مع مستويات الطلبة، والتوسع في برامج التطوير المهني للمعلمين.
وتتكامل هذه المسارات، من تطوير البنية التحتية وتقييم أداء المدارس إلى تحديث أساليب التعلم وتعزيز المهارات الرقمية، في دعم منظومة تعليمية، تستند إلى قياس الأداء وتحسين المخرجات، والاستعداد للتحولات المستقبلية. ومع استمرار تخصيص الموارد للقطاعات ذات الأولوية تبرز أهمية تحويل الاستثمار التعليمي إلى تحسن مستدام في أداء الطلبة، وتعزيز تنافسية الإمارات في المؤشرات الدولية، وتوسيع إسهام تجربتها في تطوير التعليم عالمياً.