أكد قادة وخبراء في خدمات الإطفاء والإنقاذ البريطانية أن توظيف الذكاء الاصطناعي في إدارة الحوادث الكبرى يمكن أن يحدث تحولاً في سرعة اتخاذ القرارات الميدانية ودقتها، خصوصاً في الحالات التي لا يمتلك فيها قائد الحادث سوى ثوانٍ معدودة لتقييم المخاطر وتحديد مسار العمليات، محذرين في الوقت نفسه من الاعتماد المفرط على الأنظمة الذكية أو السماح لها بإضعاف السلطة القيادية والمسؤولية البشرية عن القرارات المصيرية.
جاء ذلك خلال جلسة حوارية بعنوان «تكلفة القرار الواحد»، ضمن فعاليات ملتقى الهيئة الاتحادية للإسعاف والدفاع المدني، شارك فيها عدد من كبار قادة الإطفاء والإنقاذ في المملكة المتحدة، وأدارها تيري جونسون، المستشار الأول في دفاع مدني دبي، بمشاركة نيك سيرل، رئيس الإطفاء في خدمة ميرسيسايد للإطفاء والإنقاذ، ونيل أودين، رئيس الإطفاء السابق، وروبرت «بوب»، المسؤول عن العمليات في شركة «ديزاين كونفيدنس»، فيما ضمت قائمة المشاركين المعروضة خلال الجلسة مات كيوغ، العضو المؤسس في فريق البحث والإنقاذ الدولي بالمملكة المتحدة.
وأوضح تيري جونسون أن القيادة في قطاع الإطفاء والإنقاذ تقوم أساساً على اتخاذ القرارات في ظروف استثنائية، حيث قد يجد القائد نفسه أمام حادث ضخم ومتطور لا يتيح له سوى دقائق أو ثوانٍ لاتخاذ قرار يمكن أن يغير مسار الحادث أو يؤثر بصورة مباشرة في حياة الأشخاص الموجودين في الموقع.
وأشار إلى أن النقاش بشأن الذكاء الاصطناعي ينبغي ألا يقتصر على إمكاناته التقنية، بل يجب أن ينطلق من احتياجات قائد الحادث الميداني، وطبيعة المعلومات التي تساعده فعلياً في اتخاذ قرارات أفضل وأسرع، من دون أن تتحول التكنولوجيا إلى بديل عن الخبرة والقيادة وتحمل المسؤولية.
وحذر المشاركون من أن التدفق المفرط للمعلومات قد يتحول إلى عامل خطر بدلاً من أن يكون وسيلة للمساعدة، خصوصاً عندما يؤدي إلى تشتيت انتباه القادة الاستراتيجيين، بما ينعكس على الجهات المشاركة في إدارة الحادث، وصولاً إلى فرق الإطفاء العاملة في الميدان.
وشددوا على ضرورة أن تكون المعلومات المقدمة لقادة الحوادث موجزة ومباشرة ومرتبطة بالقرارات المطلوبة، بدلاً من إغراقهم بتفاصيل قد تعيق قدرتهم على تحديد الأولويات في اللحظات الحاسمة.
وقالوا إن مستقبل الذكاء الاصطناعي في قطاع الإطفاء والإنقاذ لا ينبغي أن يقوم على استبدال القادة البشريين، وإنما على تمكينهم من اتخاذ قرارات أكثر دقة وسرعة، مع المحافظة على وضوح المسؤوليات وسلامة الفرق الميدانية، خصوصاً في الحوادث التي قد تكون فيها تكلفة القرار الواحد حياة إنسان.
واستعرض نيك سيرل، رئيس الإطفاء في خدمة ميرسيسايد للإطفاء والإنقاذ، تجربة ميدانية مؤلمة خلال إدارته حريقاً كبيراً في مبنى تجاري وصناعي معقد، أسفر عن وفاة أحد رجال الإطفاء، موضحاً أن الحادث كشف أهمية المعلومات الدقيقة واستمرارية نقلها بين فرق القيادة.
من جانبه، حذر نيل أودين، رئيس الإطفاء السابق في المملكة المتحدة، من الاعتقاد بأن قائد الحادث يجب أن يمتلك معرفة كاملة بجميع تفاصيل الموقف، مؤكداً أن السعي إلى اليقين المطلق قد يمثل خطراً بحد ذاته في إدارة الأزمات.
بدوره، تناول روبرت «بوب»، المسؤول عن العمليات في شركة «ديزاين كونفيدنس»، إشكالية العلاقة بين السلطة القيادية لقائد الحادث والأنظمة الذكية التي قد تقدم تحليلات أو توصيات تختلف عن تقديراته الميدانية.
وأكد أن الدور الأنسب للذكاء الاصطناعي يتمثل في تقديم الدعم للقرارات البشرية، وليس الدخول في مواجهة مباشرة مع القائد، مع ضرورة وجود استثناء يتعلق بالقرارات التي قد تخالف بروتوكولات السلامة.