في الأيام الأولى من ديسمبر 2023، بدأ المستشفى الميداني الإماراتي في غزة يفتح أبوابه للجرحى، لم تكن قصة المستشفى يومها تُقاس بعدد الأسرّة أو غرف العمليات، بل بمريضين.

كان الأول عبدالكريم وائل في السابعة عشرة، وقد نُقل مصاباً بكسر في الكاحل وجرح مفتوح في الركبة جراء سقوط كتلة خرسانية ثقيلة عليه خلال القتال، وكان يحتاج إلى تدخل جراحي عاجل. وبعده وصل أسامة برهوم، في الثالثة عشرة، مصاباً بكسر مفتوح في الفخذ بسبب شظية، ويحتاج هو الآخر إلى تدخل جراحي. كانا أول مريضين يستقبلهما المستشفى الإماراتي.

قبل ذلك بأقل من شهر، لم يكن المستشفى موجوداً.

في السادس من نوفمبر 2023، أقلعت خمس طائرات من مطار أبوظبي الدولي تحمل المعدات والمتطلبات اللازمة لإنشائه وتشغيله، متجهة إلى العريش تمهيداً لنقل حمولتها إلى قطاع غزة. وفي اليوم السابق، وجّه صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، ببدء عملية «الفارس الشهم 3» الإنسانية لدعم الشعب الفلسطيني في القطاع.

بين تلك الطائرات الخمس وأول جريحين دخلا المستشفى، كانت الاستجابة الإماراتية قد بدأت تتحول من مساعدات طارئة فرضتها الساعات الأولى للحرب، إلى عملية إنسانية ستتسع، على مدى ما يقرب من ثلاثة أعوام، لتشمل الغذاء والمياه والعلاج والإجلاء الطبي والإيواء وإعادة التأهيل.

قبل «الفارس الشهم».. بدأت الاستجابة

كانت البداية في العاشر من أكتوبر 2023، حين أمر صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، بتقديم مساعدات عاجلة إلى الفلسطينيين بقيمة 20 مليون دولار عبر وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا». وبعد ثلاثة أيام، أطلقت الإمارات حملة «تراحم من أجل غزة».

وفي 15 أكتوبر من العام نفسه، تجمع أكثر من 4500 متطوع في قاعة موانئ أبوظبي بميناء زايد. في ذلك اليوم وحده، جهزوا 13 ألف حزمة إغاثية، ضمت سلالاً غذائية وحزماً مخصصة للأطفال والنساء والأمهات. وستكبر الحملة لاحقاً ليشارك فيها أكثر من 24 ألف متطوع، ويتم خلالها إعداد 71 ألف حزمة إغاثية عبر فعاليات أقيمت في مختلف إمارات الدولة.

وبالتوازي، تحركت مؤسسات إماراتية أخرى، فوجّه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، بتقديم 50 مليون درهم مساعدات عاجلة عبر مؤسسة «مبادرات محمد بن راشد آل مكتوم العالمية»، فيما وجهت قرينة صاحب السمو حاكم الشارقة سمو الشيخة جواهر بنت محمد القاسمي رئيسة مؤسسة القلب الكبير بتقديم 30 مليون درهم مساعدات إغاثية.

لكن اتساع الأزمة كان يفرض سؤالاً أكبر من إرسال الغذاء والدواء: ماذا عن الذين لم يعد العلاج ممكناً لهم داخل القطاع؟

في الأول من نوفمبر 2023، وجّه صاحب السمو رئيس الدولة باستضافة ألف طفل فلسطيني برفقة عائلاتهم من غزة لتلقي الرعاية الطبية في مستشفيات الإمارات. وفي 18 نوفمبر، تبع ذلك توجيه من سموه باستضافة ألف مريض سرطان من مختلف الفئات العمرية للعلاج في الدولة.

5 نوفمبر.. عملية بحجم أزمة

مع إطلاق «الفارس الشهم 3»، دخلت الاستجابة مرحلة جديدة. كان المستشفى الميداني أحد أوائل ملامحها. ثم امتدت العملية براً وبحراً وجواً، مع استمرار تدفق المواد الغذائية والطبية والإغاثية ومستلزمات الإيواء إلى القطاع.

وعندما تعذر الوصول براً إلى بعض المناطق، بدأت «طيور الخير» في 29 فبراير 2024، بعمليات إسقاط جوي للمساعدات. وبحلول أغسطس 2026، كانت قد نفذت 81 عملية إسقاط جوي، حملت أكثر من أربعة آلاف طن من المساعدات الإنسانية إلى مناطق تعذر الوصول إليها براً.

وفي العريش، تطور العمل إلى منظومة لوجستية تستقبل المساعدات وتفرزها وتجهزها قبل تحريكها نحو غزة. وعلى الطرق تحركت آلاف الشاحنات، وفي البحر توالت سفن المساعدات، بينما استمر الجسر الجوي في نقل الإمدادات. لم تعد هناك طريق واحدة إلى غزة.

عندما دخل الماء عبر أنبوب

ومع امتداد الحرب، تغيرت طبيعة الاحتياجات، لم يعد الأمر يتعلق فقط بوصول شحنة غذاء أو دواء، بل بتأمين ما يحتاجه السكان كل يوم: الماء والخبز والعلاج.

في 31 ديسمبر 2023، دشنت الإمارات ست محطات لتحلية المياه في رفح المصرية، بطاقة إجمالية بلغت آنذاك 1.2 مليون غالون يومياً. ومع توسع المشروع، أصبحت المحطات تنتج نحو مليوني غالون يومياً.

لكن المشروع لم يتوقف عند محطات التحلية. في 29 أغسطس 2025، أعلنت «الفارس الشهم 3» بدء ضخ المياه المحلاة عبر خط ناقل من المحطات الإماراتية في مصر إلى جنوب قطاع غزة. يمتد الخط 7.5 كيلومترات، بطاقة تصل إلى نحو مليوني غالون يومياً، ويخدم أكثر من مليون شخص، كما تم ربطه بخزان البراق في خان يونس بسعة خمسة آلاف متر مكعب.

هنا تغيرت صورة المساعدة مرة أخرى. في البداية وصلت داخل صناديق وعلى متن الطائرات والشاحنات. ثم بدأت تصل إلى غزة عبر أنبوب.

وبجانب التحلية والخط الناقل، شملت مشروعات المياه حفر وصيانة الآبار، ودعم شبكات توزيع المياه والصرف الصحي، وتوفير الخزانات والصهاريج.

الخبز والوجبة اليومية

وعلى جبهة الغذاء، اتخذت الاستجابة شكلاً مشابهاً. في فبراير 2024، أنشأت الإمارات خمسة مخابز أوتوماتيكية لتوفير الاحتياجات اليومية لأكثر من 72 ألف شخص، إلى جانب توفير الطحين لمخابز قائمة داخل غزة. ومع مرور الوقت، توسعت منظومة الأمن الغذائي لتشمل تشغيل ودعم المخابز والمطابخ الميدانية والتكايا الخيرية.

وبحلول 2025، كانت الإمارات تدعم أكثر من 50 تكية تقدم الوجبات الساخنة يومياً. وخلال شهر رمضان، نفذت هيئة الهلال الأحمر الإماراتي برامج تضمنت توزيع 13 مليون وجبة إفطار، وتوفير احتياجات 44 تكية طوال الشهر، إلى جانب دعم عدد من المخابز.

هكذا اتسعت العملية من توفير المواد الغذائية إلى دعم القدرة على إنتاج الخبز والوجبات داخل القطاع نفسه.

جبهة أخرى للحرب.. العلاج

كان القطاع الصحي، منذ البداية، أحد أكثر مسارات الاستجابة الإماراتية اتساعاً. إلى جانب المستشفى الميداني داخل غزة، أبحر في فبراير 2024 مستشفى إماراتي عائم إلى مدينة العريش، بسعة 100 سرير، مزوداً بغرف عمليات وعناية مركزة وأشعة ومختبر وصيدلية، إضافة إلى قدرات للإخلاء الطبي.

ومع مرور الوقت، استمر المستشفيان في استقبال المرضى وإجراء العمليات وتقديم الرعاية المتخصصة. وحتى 5 أكتوبر 2026، كان المستشفى الإماراتي العائم قد قدم 35,030 خدمة علاجية للمرضى والمصابين القادمين من قطاع غزة.

وفي الوقت نفسه، كانت هناك رحلة علاج أخرى تجري خارج غزة.

توالت عمليات الإجلاء الطبي إلى الإمارات بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية، لنقل الأطفال والجرحى ومرضى السرطان ومرافقيهم. وبحلول ديسمبر 2025، بلغ عدد الذين أجلتهم الإمارات من المرضى ومرافقيهم للعلاج في الدولة نحو ثلاثة آلاف شخص.

لكن بعض الإصابات لم يكن علاجها ينتهي بإغلاق الجرح. في فبراير 2024، افتتح مركز للأطراف الصناعية في المستشفى الميداني داخل غزة. ثم توسعت برامج إعادة التأهيل، ومن بينها «خطوة أمل» في المستشفى الإماراتي العائم، الذي وصل عدد المستفيدين منه من مبتوري الأطراف إلى 198 مستفيداً بحلول سبتمبر 2026.

كان ذلك انتقالاً آخر في معنى الإغاثة: من إنقاذ المصاب إلى مساعدته على استعادة الحركة.

وفي صيف 2024، ظهر تهديد صحي جديد. بعد تسجيل أول إصابة بشلل الأطفال في غزة منذ 25 عاماً، وجّه صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، بتقديم خمسة ملايين دولار لدعم حملة تطعيم طارئة بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية و«اليونيسف» و«الأونروا».

استهدفت الحملة الأطفال دون سن العاشرة، ونفذت لاحقاً حملة تطعيم شاملة شملت أكثر من 640 ألف طفل في القطاع.

في حرب كان التركيز فيها على الجروح والقصف ونقص الدواء، أصبحت حماية مئات الآلاف من الأطفال من مرض كان قد غاب عن غزة ربع قرن جزءاً من الاستجابة الإنسانية نفسها.

دعم يتجاوز «الفارس الشهم»

ورغم أن «الفارس الشهم 3» بقيت العمود الفقري للعمل الإنساني الإماراتي في غزة، فإن الدعم لم يقتصر عليها.

في يناير 2024، تعهدت مؤسسة «مبادرات محمد بن راشد آل مكتوم العالمية» بتقديم 10 ملايين دولار لدعم القطاع الصحي في غزة بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية، ثم قدمت 11.7 مليون دولار مساعدات غذائية مباشرة بالتعاون مع برنامج الأغذية العالمي، يستفيد منها مليون شخص.

وفي فبراير من العام نفسه، خصصت الإمارات خمسة ملايين دولار لدعم جهود كبيرة منسقي الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية وإعادة الإعمار في غزة. وفي أبريل 2024، ساهمت بـ15 مليون دولار في صندوق «أمالثيا» الداعم للممر البحري الإنساني من قبرص إلى غزة.

كما نقلت «دبي الإنسانية» في سبتمبر 2024 شحنة عاجلة ضمت 71.6 طناً من الإمدادات الطبية الأساسية، في واحد من مسارات الدعم الإماراتي عبر المنظمات والمؤسسات الإنسانية الدولية.

4 مليارات دولار.. والصورة أكبر من الرقم

بعد ما يقرب من ثلاثة أعوام، يصعب رؤية المسافة بين أولى حزم «تراحم من أجل غزة» وما أصبحت عليه الاستجابة من خلال مبادرة واحدة أو رقم واحد.

في 26 سبتمبر 2026، تجاوزت قيمة المساعدات الإنسانية الإماراتية المقدمة منذ انطلاق «الفارس الشهم 3» أربعة مليارات دولار، ومثلت 46% من المساعدات الإنسانية العالمية المقدمة إلى غزة منذ عام 2023.

وبحلول ذلك التاريخ، كانت المساعدات قد نُقلت عبر 796 طائرة و25 سفينة وأكثر من 14 ألف شاحنة، إضافة إلى 81 عملية إسقاط جوي.

ثم واصلت القوافل الدخول. وفي أحدث حصيلة نشرت في 4 أكتوبر 2026، بلغ إجمالي عدد الشاحنات التي دخلت قطاع غزة ضمن «الفارس الشهم 3» 14,442 شاحنة، فيما تجاوز حجم المساعدات، وفق الأرقام المنشورة، 136 ألف طن.

لكن الأرقام، على ضخامتها، لا تقول وحدها كيف اتسعت القصة.

بدأت بمساعدات مالية عاجلة، ومتطوعين يملأون الصناديق، وطائرات تحمل أجزاء مستشفى لم يكن موجوداً. ثم أصبح هناك مستشفى داخل غزة، وآخر في العريش، سفن وشاحنات وطائرات، إسقاطات جوية عندما يتعذر الوصول براً، محطات تحلية وخط مياه، مخابز وتكايا، لقاحات، أطراف صناعية، وإجلاء مرضى إلى مستشفيات الإمارات.

وبين أول جريح استقبله المستشفى الإماراتي وبين آلاف الشاحنات التي عبرت إلى القطاع، تغير الحجم والأدوات والاحتياجات مرات كثيرة.

أما الفكرة التي ربطت كل تلك المراحل، فبقيت واحدة وهي: أن يجد الإنسان، وسط الحرب، ماءً يشربه، وخبزاً يأكله، ودواءً يعالجه، وطريقاً آخر إلى الحياة.