كشفت دولة الإمارات العربية المتحدة عن مركبة الهبوط التي طورتها وجمعتها واختبرتها ضمن مهمة الإمارات لاستكشاف حزام الكويكبات، والتي وصلت إلى مرحلة الجاهزية للطيران خلال أقل من عامين، لكن لماذا اختارت الإمارات الاستثمار في منطقة بعيدة بين المريخ والمشتري؟
تستعد المركبة للانطلاق على متن «المستكشف محمد بن راشد» ضمن ثاني مهام دولة الإمارات لاستكشاف الفضاء بين الكواكب، في رحلة تمتد لنحو 5 مليارات كيلومتر، بهدف دراسة 7 كويكبات في الحزام الرئيسي، وصولاً إلى الكويكب «جوستيشيا 269»، الذي يمثل الوجهة السابعة والأخيرة للمهمة.
ثروة في قلب ملايين الصخور
يقع حزام الكويكبات بين مداري المريخ والمشتري، ويضم ملايين الأجرام الصخرية التي تشكلت في المراحل الأولى من تاريخ النظام الشمسي.
وبحسب وكالة ناسا (NASA) ومعهد القمر والكواكب (LPI) فإن معادن حزام الكويكبات الرئيسية تتوزع ضمن أربعة أصناف، تشمل الكربونية الغنية بالسيليكات المائية كـالسيربنتين والجليد، والسيليكاتية المحتوية على معادن الأوليفين والبيروكسين وسبائك الحديد والنيكل.
كما تضم المعدنية المكونة من سبائك الكاماسيت والتاينيت والمعادن الثمينة كـالبلاتين والذهب والإيريديوم والكوبالت، بالإضافة إلى البازلتية المكونة من صخور البازلت والغابرو والفلسبار.
مهمة الإمارات
المهمة إلى حزام الكويكبات لا تعني أن الإمارات تتجه حالياً إلى التعدين الفضائي لأنه لايزال في مراحله المبكرة، لكن معرفة تركيبة الكويكبات وفهم طبيعة مواردها يمكن أن يساعدا في تطوير تقنيات تصبح مهمة في المستقبل، لأنه عندما يكون استخراج المواد من الكويكبات ممكناً، فقد لا يكون الهدف نقلها إلى الأرض، وإنما استخدامها في الفضاء نفسه لبناء المعدات والمنشآت والمصانع، ما يقلل الحاجة إلى نقل كميات ضخمة من المواد من الأرض.
وقود للرحلات الفضائية
تولي المهمة اهتماماً خاصاً بالكويكبات الغنية بالمياه، لأن المياه الموجودة فيها يمكن أن تصبح مصدراً مهماً للبعثات المستقبلية، فلا تقتصر قيمة المياه على الشرب، إذ يمكن تحليلها إلى الهيدروجين والأكسجين، وهما مكونان أساسيان لوقود الصواريخ، ما يفتح مستقبلاً فكرة استخدام الكويكبات كمحطات لتوفير الوقود للمركبات التي تواصل رحلاتها بين الكواكب.
مصانع ومستعمرات خارج الأرض
وفي حال تمكنت البشرية من استخراج المواد الخام من الكويكبات ومعالجتها خارج الأرض، يمكن استخدامها في تصنيع قطع ومعدات وهياكل فضائية، وربما بناء منشآت ومصانع تعتمد على الطباعة ثلاثية الأبعاد باستخدام المواد المتوافرة في الفضاء، ومن ثم لا تضطر المركبات الفضائية إلى حمل كل شيء معها من الأرض، بل يمكن تصنيع جزء من احتياجاتها في الفضاء، وهو ما قد يجعل إنشاء قواعد أو مستعمرات فضائية أكثر واقعية على المدى البعيد.
استثمار في المستقبل
تقود وكالة الإمارات للفضاء مهمة الإمارات لاستكشاف حزام الكويكبات وتمولها، وتشرف على تنفيذها بالتعاون مع شبكة من الشركاء الوطنيين والدوليين، ويضم الفريق الوطني للمهمة أكثر من 150 مهندساً وعالماً متخصصاً يعملون على مختلف مكوناتها، ما يوفر فرصة لتطوير خبرات إماراتية في تصميم المركبات الفضائية وتشغيلها والملاحة والاتصالات والعمل في بيئة الفضاء العميق.
تسعى المهمة إلى فهم أصول الكويكبات وتطورها، ودراسة الأجرام الغنية بالمياه، وتقييم إمكاناتها من حيث الموارد، إلى جانب اختبار تقنيات يمكن الاستفادة منها في مهمات فضائية مستقبلية.
الأهداف الاستراتيجية
من الأهداف الاستراتيجية للمهمة بحسب وكالة الإمارات للفضاء، الاستفادة من القطاع الخاص في الإمارات العربية المتحدة، وتدريب وتأهيل كادر إماراتي وإقامة شراكات دولية، إلى جانب تطوير البرامج الأكاديمية في الهندسة والعلوم ونقل المعرفة والخبرة.
كما ينبغي أن تهدف المهمة إلى تحقيق تقدم في العلوم الأساسية وإثبات جدوى التكنولوجيا، ودعم برنامج استكشاف الفضاء الخارجي لدولة الإمارات العربية المتحدة
والتثقيف من خلال برامج التوعية، كذلك تطوير القطاع التجاري للعلوم والتكنولوجيا، وابتكار مبادرات مستدامة في مجال العلوم والتكنولوجيا.
أهداف علمية
من بين الأهداف العلمية للمهمة فهم أصول وتطور الكويكبات الغنية بالماء وتقييم الإمكانات المواردية للكويكبات، كذلك تمهيد الطريق لاستخدام موارد الكويكبات في المستقبل.
استثمار يعود إلى الإمارات
تعد المهمة فرصة لتطوير قطاع الفضاء التجاري داخل الإمارات، فقد خصصت وكالة الإمارات للفضاء 50% من أعمال المشروع لشركات القطاع الخاص في الدولة، ما يتيح للشركات الوطنية المشاركة في تطوير تقنيات ومكونات مرتبطة بالمهمة، ويفتح المجال أمام نمو شركات ناشئة متخصصة في علوم الفضاء والتكنولوجيا المتقدمة.
كما يمكن للمشروع أن يعزز الشراكات الدولية ويجذب استثمارات جديدة إلى قطاع الفضاء، إضافة إلى نقل المعرفة والخبرة إلى الجامعات والمؤسسات والشركات الإماراتية.
رحلة تستمر 13 عاماً
تمتد المهمة الإماراتية على مدى 13 عاماً، منها 6 أعوام لتطوير المركبة الفضائية، تليها 7 أعوام للرحلة وتنفيذ عمليات الاستكشاف في حزام الكويكبات الرئيسي.
ومن المقرر إطلاق «المستكشف محمد بن راشد» في مارس 2028، ضمن نافذة إطلاق تمتد 3 أسابيع، وسيقطع المسبار نحو 5 مليارات كيلومتر، مستفيداً من مناورات مساعدة الجاذبية حول الزهرة والأرض والمريخ لتعديل مساره وسرعته.
وبعد ذلك، سيجري سلسلة من التحليقات القريبة حول 7 كويكبات، ومن المتوقع أن يسجل أول اقتراب له من أحدها في فبراير 2030، لتبدأ مرحلة واسعة من الرصد وجمع البيانات.
تستشرف الإمارات المستقبل في مهمة «المستكشف محمد بن راشد» إلى حزام الكويكبات في استثمار طويل الأمد ليس بحثاً عن ثروة جاهزة، وإنما تسعى إلى تعلم كيفية الوصول إلى موارد قد تصبح ذات أهمية كبيرة عندما ينتقل جزء من النشاط الصناعي والبشري إلى خارج الأرض.