محمد بن راشد عن والدته: سبب وجودي ومصدر حياتي وحقيقة نجاحي

لطيفة بنت حمدان.. بيتٌ اجتمعت فيه وظائف الدولة: تعليم وصحة ورعاية أيتام

من لديه أم لديه العالم كله ومن غابت عنه أمه فقد عالمه

«ليتك اليوم معي».. حنينٌ لا يعود إلى الماضي بل يستدعي الأم إلى الحاضر

الأم التي فتحت لابنها نافذة على العالم فصار وطنه قبلةً للعالم

ابنة آل نهيان وقلب بيت آل مكتوم.. صورة مبكرة للاتحاد في هيئته الإنسانية

علمتني الحياة أشياء كثيرة ولكنها لم تعلمني كيف أعيش بدونك

كل طفل يكبر ليكون رجلاً يحقق الأحلام التي زرعتها أمه في خياله

القدوة تسبق الكلمة.. طفل تعلم العطاء مرافقاً أمه بتوزيع المؤونة على المحتاجات

في كتاب «الرسائل»، الذي يحمل خلاصة تجربةٍ في القيادة والحياة، يخصّ صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، والدتَه الراحلة بواحدة من رسائله، وليست الكتابة إلى الراحلين ضرباً من الرثاء فحسب، بل هي فعل استمرار، فالرسالة بطبيعتها حوارٌ لا مناجاة، تفترض مخاطَباً حاضراً يُصغي، وبهذا الاختيار يُبقيها سموه طرفاً حياً في الحديث، ويعلن ضمنياً أن تجاربه وفكره، اللذين يخاطب بهما الأجيال والقيادات في بقية الكتاب، تمتد جذورهما وأواصرهما العميقة إلى بيتٍ كانت الشيخة لطيفة بنت حمدان آل نهيان روحه وقلبه.

يفتتح سموه رسالته بثلاث صفات تتسع دلالتها واحدة بعد أخرى «سبب وجودي، ومصدر حياتي، وحقيقة نجاحي»، فوالدته هي البداية التي منها كان، وهي النبع الذي يمدّ حياته بالمعنى والقوة، أما «حقيقة نجاحي» فتحمل الدلالة الأعمق، إذ لم يقل سموه «سبب نجاحي»، بل «حقيقة نجاحي»، والحقيقة هي ما يكمن خلف الظاهر، فالنجاح الذي يراه العالم، في المدن والمشاريع والمبادرات، له عند صاحبه جوهر آخر لا يُرى: «المرأة الصالحة الطيبة النقية التقية، الراضية بقدر الله، الساعية لخير الناس»، واللافت أن هذه الصفات كلها أخلاقية لا اجتماعية؛ فسموه لا يقدّم والدته بمكانتها أو نسبها فهما معروفان، بل بصلاحها ورضاها وسعيها في الخير.

ثقافة الحكم

ثم يرسم سموه موقع والدته في سيرة الأسرة بأربعة أفعال هي: «الجبل الذي استند إليه راشد بن سعيد 40 عاماً»، و«الحضن الذي ضم مكتوم بن راشد»، ومن «علم حمدان»، و«رعى محمد وأخاه أحمد»، والاستناد والضم والتعليم والرعاية ليست أدواراً عائلية عابرة، بل هي أركان ما يمكن تسميته «ثقافة الحكم» في بعدها الإنساني: السند الذي يقوّي، والاحتواء الذي يجمع، والتربية التي تُعِد، والرعاية التي تحفظ، وصورة «الجبل» تحديداً تستحق التوقف؛ فالجبل في الوعي العربي رمز الثبات والرسوخ، ووصف الأم به يقلب الصورة النمطية التي تحصر المرأة في الرقة والضعف، ليجعلها مصدر الصلابة التي يستند إليها رجل بنى مدينة، وفي اسمها ذاته، ابنة آل نهيان وقلب بيت راشد بن سعيد آل مكتوم، صورة مبكرة للاتحاد في هيئته الإنسانية، قبل أن يصير كياناً سياسياً.

البيت دولة صغيرة

وإذا جمعنا الصفات التي يمنحها سموه لوالدته في مواضع متفرقة من الرسالة، تتشكل أمامنا صورة لافتة، فهي «المداوية للمرضى، المطعمة للفقراء، الراعية للأيتام»، وكلامها «كان أكبر مدرسة»، ولمساتها «كانت أفضل شفاء»، فالتعليم، والصحة، والرعاية الاجتماعية، وكفالة الأيتام، هذه هي الوظائف التي تقوم عليها الدول الحديثة في مؤسساتها، وقد اجتمعت كلها في بيت واحد وامرأة واحدة.

وهنا يتجلى المعنى الأعمق لقولنا إن الأوطان تبدأ من البيوت، فالبيت الذي نشأ فيه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد كان نموذجاً مصغراً لما ستكون عليه الدولة، مكاناً يُعلَم فيه الصغير، ويُداوى فيه المريض، ويُطعم فيه الجائع، ويجد فيه اليتيم من يرعاه، ولأن سموه تربّى على هذا النموذج ورآه في تفاصيل يومه، جاءت رؤيته للوطن استثنائية، يلتقي فيها بُعد النظر بدفء البيت الأول، ولعل في ندائه لأمه «يا مأمني وأماني وإيماني وجنتي» ما يختصر هذه الصورة، فالمأمن هو المكان الذي يُلجأ إليه، والأمان هو الحال التي يمنحها، والإيمان هو الروح التي تسكنه، والجنة هي ما يُرجى منه، أربع كلمات تصف الأم، وتصف الوطن كما يريده أبناؤه.

البركة.. رأس مال

وفي خطاب القيادة المعاصر تُقاس الأشياء عادة بما يُحصى ويُرى، غير أن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد يصرح في رسالته بمصدر آخر للقوة: «بقيت دعواتها معي حتى اليوم.. وبقيت بركاتها ترعاني وتحرسني طوال حياتي»، ثم يعود إليه في اعترافه بأن الحياة لم تعلمه «كيف أطمئن بغير دعواتك لي كل صباح»، وهذه رؤية كاملة للعالم، فالنجاح فيها ليس ثمرة الجهد وحده، بل هو أيضاً فضلٌ ونعمة تحرسها دعوات من يحبوننا، واختيار الفعلين «ترعاني وتحرسني» يمنح الدعاء حضوراً يكاد يُلمس، كأنه يدٌ حانية ترافق صاحبه أينما مضى، وعينٌ ساهرة لا تغفل عن حراسته، وهي رؤية تتسق مع وصفه والدته بـ«الراضية بقدر الله»، فالرضا والتوكل لا يناقضان الطموح والعمل، بل يمنحانهما اتزانهما وبركتهما.

وأولى أمنيات الرسالة وأشدها: «ليتني قدرت أن أعطي من عمري لعمرك.. ومن سنواتي لأيامك.. ومن حياتي لأسمع صوتك»، وفي هذه الأمنية يبلغ البر أقصى صوره؛ فالعمر هو ما لا يملك الإنسان التصرف فيه، ومع ذلك يتمنى سموه لو استطاع أن يرد إلى أمه ما وهبته إياه أولاً، وفي تدرج الأمنية دلالة لافتة: من «العمر» إلى «السنوات» إلى «الحياة»، وكل ذلك في سبيل غاية تبدو صغيرة في ظاهرها: «لأسمع صوتك»، وهنا تتجلى مفارقة الفقد، أن أثمن ما يملكه الإنسان يصبح زهيداً في مقابل لحظة إصغاء واحدة لصوت غاب.

حب بكل الحواس

تحضر الأم في الرسالة حضوراً حسياً كاملاً، لا صورةً في الذاكرة فحسب، ففي صوتها «شيء يشبه النجاة.. يشبه الحياة.. يشبه الدعاء الذي يرتفع للسماء»، وفي هذا التشبيه الثلاثي صعود واضح، من النجاة إلى الحياة التي تستمر، ومنها إلى الدعاء الذي يعرج إلى السماء، فالصوت يبدأ خلاصاً أرضياً وينتهي صلةً بالله تعالى..

ثم تتوالى الحواس، بدءاً برائحة الأم التي لا ينساها الإنسان مهما كبر، وحضنها و«ضمة فؤادها»، وطعم الفطور في الصباحات الباكرة «من يديك.. من خبزك.. من قهوتك»، ثم ابتسامة وجهها، ويجمعها سموه في عبارة واحدة «صوتك في البيت كان أكبر نعمة، وكلامك كان أكبر مدرسة، ولمساتك كانت أفضل شفاء، والنظر في وجهك أجمل دواء»، فالسمع والكلام واللمس والنظر، كلها تتحول في حضرة الأم إلى نِعَم ومعارف وعلاج، فهي عالمٌ متكامل يُعاش بالحواس جميعها، ولذلك يصل سموه إلى حكمته الكبرى «من لديه أم لديه العالم كله، ومن غابت عنه أمه يا حبيبتي فقد عالمه».

قلب عظيم

ومن أعمق عبارات الرسالة وصف قلب الأم: «قلبك الذي وسع الجميع، والذي كان يخاف عليّ أكثر من خوفي على نفسي»، وفي هذه الجملة تعريف دقيق للأمومة، وهي أن يسبق خوفُ الأم على ابنها خوفَه على نفسه، ومن عرف مسيرة سموه، بما حفلت به من إقدامٍ في ميادين الفروسية والقيادة والبناء، أدرك عمق هذا الاعتراف، فخلف كل خطوة واثقة خطاها، كان هناك قلبٌ يخاف عليه، ويدعو له، واصفاً حبها بأنه «الأمان وقت الشدة، والملجأ وقت الحزن، والراحة عند التعب».

حنين إلى الحاضر

تتكرر في الرسالة عبارة «ليتك اليوم معي» حتى تصبح عمودها الفقري، والتأمل في تركيبها يكشف أمراً لافتاً، فسموه لا يتمنى العودة إلى الماضي، بل يتمنى أن تأتي والدته إلى الحاضر، والحنين هنا ليس انكفاءً على ما مضى، بل رغبة في أن تشهد الأم ما صار، ولذلك تتردد في الرسالة أفعال المشاهدة، «تشاهدين كيف أصبحت بلادك»، «لتشاهدي آثار دعواتك وبركاتك».

ومن هنا تطرح الرسالة سؤالاً إنسانياً عميقاً، كيف تكتمل فرحة الإنجاز إذا غاب شاهده الأول؟ فالشيخة لطيفة بنت حمدان آل نهيان أول من آمنت بأحلام سموه، وأول من احتضنتها قبل أن تصير واقعاً، وحين تحققت هذه الأحلام بعد رحيلها، ظلّ سموه يتمنى لو كانت إلى جواره تشهدها وتفرح بها، وتكشف عبارة «الإنجازات التي حلمنا بها معاً» أن الحلم لم يكن حلم سموه فحسب، بل كانت والدته شريكته فيه منذ البداية.

وتتجلى هذه الشراكة في أبهى صورها حين يستعيد سموه ذكرى سفره الأول إلى لندن، يومها كانت الشيخة لطيفة بنت حمدان آل نهيان هي من قرّبت العالم البعيد إلى خيال ابنها، فأخبرته أنه سيسافر «في بطن طائر كبير سيقطع بي بحاراً»، واشترت له «أول سترة أنيقة» استعداداً للقاء بلاد لم يعرفها بعد، فعاد إليها يحمل أول هدية من هناك، ثم تنقلب الصورة بعد عقود: «ليتك اليوم معي.. تشاهدين كيف أصبحت بلادك هي التي يسافر الناس إليها، ويحلم الأطفال بزيارتها، وتتمناها الأمهات لأبنائهن»، فالأم التي فتحت لابنها نافذته الأولى على العالم، يتمنى سموه اليوم لو يفتح لها نافذة على الوطن الذي بات قبلة العالم أجمع.

الخيال الذي تزرعه الأمهات

ويضع صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد في قلب الرسالة قاعدة مهمة وهي «كل طفل يكبر ليكون رجلاً يحقق الأحلام التي زرعتها أمه في خياله»، فالفعل «زرعتها» يحمل دلالة الصبر والانتظار والنمو البطيء، والمكان «الخيال»، أي أن الأم لا تورث ابنها أحلاماً جاهزة، بل تمنحه القدرة على أن يتخيل، ولعل في هذا ما يضيء ملمحاً أساسياً في رؤية سموه، وهو استشراف المستقبل والإيمان بأن ما يُتخيل اليوم يمكن أن يُبنى غداً، فالخيال الذي نشأ في أحاديث الطفولة عن الأعشاب والخيل والغزلان الصغيرة والبلاد البعيدة، هو ذاته الخيال الذي امتد لاحقاً ليرسم مدناً ومشاريع لم تكن في حسبان أحد.

حكمة غالية

ينتقل الخطاب بالرسالة في نصفه الثاني من التمني إلى الحكمة، بعبارة «علمتني الحياة»، وهنا تتحول التجربة الخاصة إلى دروس وحكم غالية، وقول سموه «من لديه أم فهو الغني» و«حب الأم لا يشيخ» ينبع من تجربة شخصية ليصير حكمة لكل قارئ، ويصف سموه فقد الأم بأنه لا يُنسى، «بل تجدده الأيام، كالموج الذي يعاود شاطئ الحياة ليجدد الأشواق والذكريات»، وفي هذه الصورة فهمٌ عميق لطبيعة الفقد، فهو ليس جرحاً يلتئم مع الوقت، بل حركة دائرية تشبه الموج، تنحسر ثم تعود محملة بالحنين، ثم يأتي الاعتراف المرهف «علمتني الحياة يا أمي أشياء كثيرة، ولكنها لم تعلمني كيف أعيش بدونك».

قيم تُرى.. قبل أن تُقال

«من مثل أمي.. من مثل لطيفة»..

على امتداد الرسالة يعدد سموه صفات والدته: «لم أرَ إنساناً راضياً مثلها، ولا قلباً صابراً كقلبها، ولا وجهاً جميلاً كوجهها»، غير أن المشهد الأعمق هو ذلك الذي يستعيد فيه طفولته مرافقاً لها: «وأنت توزعين المؤونة على النساء المحتاجات»، فالقيم لم تصله وعظاً، بل رآها بعينه وهو يمشي إلى جوارها، وهذا جوهر التربية كما تكشفه الرسالة، أن القدوة تسبق الكلمة، وأن الطفل يتعلم العطاء حين يراه فعلاً يومياً لا فكرة مجردة، ومن يتأمل حضور العمل الإنساني في مسيرة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، يجد في هذا المشهد أحد منابعه الأولى، ويختم سموه هذا المقطع بعبارة تجمع الإيمان بالامتنان: «أعرف أن الله يحب أمي.. ويحبني لأنه جعلها أمي».

بِر لا ينقطع

تبدأ الرسالة بأمنيةٍ بعيدة المنال، وتنتهي بدعاءٍ لا تحجبه المسافات، فعلى امتدادها ظل صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد يتمنى ما طواه الغياب، وأن يهب والدته من عمره، وأن يسمع صوتها، ثم يختمها بــ«رحمك الله يا من لا يغيب وجهها عن قلبي.. ولا تغيب روحها عن روحي.. ولا تغيب ذكراها عن بلادي».

وبهذا المعنى لا تكون «رسالة إلى أمي» نصاً عن الأم فحسب، بل هي في ذاتها فعلُ بِر، ودعاءٌ مكتوب يتجدد مع كل قراءة، ويُبقي الصلة بين سموه ووالدته حيّة، والبيت الذي بدأت منه الحكاية لم يُغلق برحيل صاحبته، بل اتسعت أبوابه حتى صار وطناً، يجد فيه كل قارئ لهذه السطور مكاناً.

ولعل هذا ما يمنح التوقيع في آخر الرسالة وزنه الكامل «ابنك المحب.. محمد بن راشد آل مكتوم»، فقد اختار سموه أن يختم بالصفة التي لم تتغير منذ البداية، والتي ما زال وفياً لها كلما دعا لوالدته، لتبقى سيرة الشيخة لطيفة بنت حمدان آل نهيان أثراً خالداً لا يغيب عن ذاكرة الإمارات.