شهدت مشاركة دولة الإمارات العربية المتحدة في الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك حركة دبلوماسية واسعة متعددة المسارات، قادها سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان، نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية، وجمعت بين التحرك السياسي إزاء الملفات الإقليمية والدولية، وتوسيع شبكة الشراكات الثنائية، والدفع بأجندة اقتصادية وتنموية وتكنولوجية امتدت من الاستثمار والطاقة إلى الذكاء الاصطناعي والمياه والعمل المناخي.

وتكشف كثافة اللقاءات حجم هذا الحراك وخريطته. فقد توزعت اتصالات ولقاءات سمو الشيخ عبدالله بن زايد على رؤساء دول وحكومات وعشرات وزراء الخارجية والمسؤولين من قارات مختلفة، فيما تحرك الوفد الإماراتي الذي ضم 137 عضواً، بينهم 47 من الوزراء ومساعدي الوزراء وكبار المسؤولين، على مجموعة متوازية من الملفات السياسية والاقتصادية والتنموية.

وعلى امتداد أيام الاجتماعات، عقد سمو الشيخ عبدالله بن زايد لقاءات مع أكثر من 30 وزير خارجية. وتظهر سلسلة البيانات اليومية اتساع الدائرة الجغرافية لهذه اللقاءات؛ من فرنسا وروسيا وبولندا والنمسا والبرتغال ودول البلطيق وأوروبا الشرقية، إلى كندا وأستراليا، ودول في أمريكا اللاتينية والكاريبي، وصولاً إلى كوريا وفيتنام وسنغافورة وسريلانكا وبروناي والمالديف ونيبال، إضافة إلى دول أفريقية بينها غانا وأوغندا ونيجيريا.

وتجاوز المستوى السياسي لهذه الحركة الاجتماعات الوزارية. فقد التقى سمو الشيخ عبدالله بن زايد رئيس الإكوادور دانيال نوبوا، ورئيس جمهورية القمر المتحدة غزالي عثماني، كما عقد لقاءات مع رؤساء حكومات بنغلاديش وأنتيغوا وباربودا وتونغا، إلى جانب رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام.

وفي واحد من أبرز الاجتماعات السياسية خلال الأسبوع، شارك سمو الشيخ عبدالله بن زايد في الاجتماع الذي عقده الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع عدد من قادة ووزراء خارجية الدول العربية والإسلامية، وضم قيادات ومسؤولين من قطر وتركيا وسوريا والكويت والعراق ولبنان ومصر والسعودية والأردن والبحرين وسلطنة عُمان.

هذه الخريطة الواسعة للقاءات ترافقت مع مضمون سياسي متكرر في المباحثات: مستجدات الأوضاع الإقليمية والدولية، ودعم السلام والأمن والاستقرار، وتعزيز العمل متعدد الأطراف، بالتوازي مع بحث العلاقات الثنائية وفرص التعاون في الاقتصاد والتجارة والاستثمار والطاقة والتكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والأمن الغذائي والصحة والتعليم والمناخ.

وجاء هذا التحرك منسجماً مع الرؤية التي حملتها الإمارات إلى نيويورك منذ بداية المشاركة. فقد حددت الدولة أولوياتها في دعم تسوية النزاعات والاستقرار العالمي، وتعزيز التسامح والتعايش السلمي، والدفع نحو إصلاح منظومة الأمم المتحدة وجعلها أكثر كفاءة وفاعلية، وتوظيف الذكاء الاصطناعي بصورة مسؤولة، إلى جانب العمل المناخي وتعزيز الحلول المستدامة لأمن المياه.

وجسّد بيان دولة الإمارات أمام المناقشة العامة للجمعية العامة، الذي ألقاه معالي خليفة شاهين المرر، وزير دولة، الإطار السياسي لهذا التحرك، بالتأكيد على نهج يقوم على خفض التصعيد وبناء الجسور وتعزيز الدبلوماسية والحوار والتسوية السلمية للنزاعات، واحترام سيادة الدول والقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. كما تناول البيان ملفات إقليمية ودولية متعددة، من غزة والسودان إلى أوكرانيا وأمن الملاحة، إلى جانب إصلاح المؤسسات متعددة الأطراف.

بناء الشراكات

زخم المشاركة الإماراتية لم يتوقف عند بحث الملفات السياسية والأزمات القائمة. فاللافت في تحركات نيويورك كان الحضور المتزامن للدبلوماسية الاقتصادية والتكنولوجية والتنموية.

وحضر سمو الشيخ عبدالله بن زايد النسخة الأولى من «المجلس الإماراتي للاستثمار»، الذي نظمته وزارتا الخارجية والاستثمار، وجمع مسؤولين حكوميين وصناع قرار ومستثمرين وقادة أعمال، تحت عنوان «سلاسل الإمداد المرنة والخدمات اللوجستية الذكية»، وناقش البنية التحتية والتجارة الرقمية والخدمات اللوجستية المدعومة بالذكاء الاصطناعي والموانئ ومراكز الخدمات اللوجستية.

وفي نموذج أكثر مباشرة لتحويل اللقاء السياسي إلى مشروع تعاون عملي، شهد لقاء سمو الشيخ عبدالله بن زايد ورئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام الإعلان عن مبادرة «مليون خبير لبناني في الذكاء الاصطناعي»، ضمن برنامج الإمارات للتبادل المعرفي الحكومي، بهدف تمكين مليون لبناني من اكتساب مهارات أساسية وعملية في الذكاء الاصطناعي التوليدي وهندسة الأوامر.

كما ترأس سموه اجتماعاً ثلاثياً مع وزيري خارجية فرنسا والهند في إطار مبادرة التعاون الثلاثي بين الإمارات وفرنسا والهند، تناول مسارات التعاون المشترك والقضايا الإقليمية والدولية، في مؤشر آخر إلى تعدد الأطر التي تحركت من خلالها الدبلوماسية الإماراتية خلال الأسبوع.

وفي مقر بعثة الدولة في نيويورك، أقام سمو الشيخ عبدالله بن زايد حفل استقبال رسمياً حضره رؤساء دول وحكومات ووزراء خارجية من دول خليجية وعربية وأجنبية، إلى جانب مسؤولين في منظمات دولية، مؤكداً خلاله نهج الإمارات في دعم العمل الدولي متعدد الأطراف لخدمة التنمية والسلام.

دبلوماسية بفريق واسع

وفي موازاة تحركات وزير الخارجية، توزعت مشاركة أعضاء الوفد الإماراتي على مسارات متخصصة؛ من جهود السلام والتعاون الدولي وملف غزة، إلى الطاقة والتجارة الخارجية والصحة والمناخ وأفريقيا والمرأة والسلام والأمن، فضلاً عن الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والمياه.

وشكل ملف المياه بصورة خاصة محوراً متكرراً في المشاركة الإماراتية، مع اقتراب استضافة أبوظبي، بالشراكة مع السنغال، مؤتمر الأمم المتحدة للمياه خلال الفترة من 8 إلى 10 ديسمبر. ولم يقتصر طرح هذا الملف على الفعاليات المتخصصة، بل دخل أيضاً في عدد من لقاءات سمو الشيخ عبدالله بن زايد مع وزراء الخارجية، بما يعكس إدراجه ضمن أجندة العلاقات والشراكات الدولية للدولة.

وفي الوقت نفسه، حضرت التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في مستويات مختلفة من المشاركة؛ من التعاون الثنائي والمجلس الإماراتي للاستثمار إلى الفعاليات المتخصصة في حوكمة الذكاء الاصطناعي والأمن الرقمي، بما ربط القضايا التقليدية للدبلوماسية بملفات أصبحت جزءاً متزايداً من القوة الاقتصادية والأمن والتنمية والعلاقات الدولية.

تحرك متعدد المسارات

ويتضح أن المشاركة الإماراتية في نيويورك أبعد من سلسلة لقاءات منفصلة. فخريطة الأسبوع أظهرت ثلاثة مسارات تتحرك بالتوازي: سياسي يرتبط بالأزمات والاستقرار والعمل متعدد الأطراف، واقتصادي يركز على التجارة والاستثمار وسلاسل الإمداد والطاقة، ومستقبلي يمتد إلى الذكاء الاصطناعي والمياه والمناخ وبناء القدرات.

وفي مركز هذه الخريطة، قاد سمو الشيخ عبدالله بن زايد حركة اتصالات امتدت عبر مناطق جغرافية وتكتلات سياسية مختلفة، فيما عمل وفد الدولة على تحويل الأولويات العامة إلى ملفات متخصصة وشراكات وفعاليات ومبادرات.