المؤسسات الصحفية توسّع حضورها الرقمي من دون التخلي عن المهنية والرصانة

الذكاء الاصطناعي يساند الصحفي في البحث والإنتاج.. والقرار المهني يظل بشرياً

تتغير طريقة وصول الجمهور إلى الأخبار بوتيرة متسارعة، مع اتساع حضور الهاتف ومنصات التواصل الاجتماعي في الحياة اليومية، إلا أن هذا التحول لا يلغي دور الصحافة، بقدر ما يفرض عليها تطوير أدواتها وقنوات وصولها إلى المتلقي. وبين سرعة انتشار المعلومة وتعدد مصادرها، تظل الدقة والتحقق والمصداقية عناصر أساسية تميّز العمل الإعلامي المهني.

يقول إعلاميون لـ«البيان» إن المؤسسات الصحفية مطالبة بالحضور في المنصات التي يتابعها الجمهور، ولا سيما الشباب، وتطوير أشكال المحتوى ولغته بما يتناسب مع عادات المشاهدة الجديدة، مع الحفاظ على الأسس المهنية التي تمنح الصحافة قيمتها، سواء وصل المحتوى إلى القارئ عبر الصفحة الورقية أم الشاشة الرقمية.

وقال مكرم أحمد الطراونة، رئيس تحرير صحيفة «الغد»: إن وجود المؤسسات الإعلامية في الساحة الرقمية أصبح ضرورياً، إلى جانب فهم سلوك الشباب على منصات التواصل الاجتماعي من جوانبه النفسية والاجتماعية والفكرية، بما يساعد المؤسسات على معرفة اهتماماتهم وتقديم محتوى يتناسب معها.

وأوضح أن أحد التحديات يتمثل في استمرار التفكير في الجمهور التقليدي، رغم اتساع شريحة القراء الشباب، مشدداً على ضرورة وضع استراتيجيات مخصصة لمخاطبة هذه الفئة، وعدم ترك الفضاء الرقمي من دون حضور إعلامي مهني.

وأشار إلى أهمية دخول المؤسسات الإعلامية الرسمية والتقليدية إلى منصات مثل «تيك توك»، باعتبار أن وجود المؤسسات المهنية فيها يتيح تقديم محتوى يتناسب مع طبيعة المنصة، ويحافظ في الوقت نفسه على المعايير المهنية.

وشدد على أن دخول هذه المنصات لا يعني التخلي عن الأساليب التقليدية، وإنما تطوير الأدوات بالتوازي معها، مع الحفاظ على المهنية والرصانة وتقديم المعلومات بدقة وموثوقية.

الصحافة.. قيمة تتجاوز المنصة

وأوضح بيتر باراباس، رئيس المحتوى في شبكة «يورونيوز» العالمية، أن توجه الأجيال الشابة إلى منصات التواصل الاجتماعي ومقاطع الفيديو القصيرة، واعتمادها على صناع المحتوى والمحللين، يوسع الخيارات المتاحة أمام الجمهور ويزيد في الوقت نفسه الحاجة إلى الصحافة القائمة على الحقائق.

ولفت إلى أن الاعتماد على المحتوى الذي يقدم الأحداث من وجهة نظر واحدة قد يحصر المتلقي داخل قناعاته، مشيراً إلى أهمية أن تقدم المؤسسات الإعلامية المعلومات والحقائق بصورة كاملة، حتى عبر المنصات الرقمية.

وأوضح أن دور الإعلام المهني يتمثل في تقديم «الصحافة القائمة على الحقائق»، مشيراً إلى أن «يورونيوز» تنتج مقاطع قصيرة تشرح القصة وتقدم الحقائق الأساسية بصورة سريعة، ثم تترك للمتلقي مساحة تكوين رأيه الخاص.

وأضاف أن اختلاف ردود فعل الجمهور تجاه المحتوى يمكن أن يكون مؤشراً على تقديم القصة من دون الانحياز إلى وجهة نظر واحدة، مؤكداً أهمية إتاحة المعلومات كاملة للمتلقي، سواء اتفق معها أم اختلف.

ولفت إلى أن ما يعرف بـ«فقاعات» وسائل التواصل الاجتماعي و«غرف الصدى» قد تجعل المستخدم محاطاً بآراء تتوافق مع قناعاته وتحد من تعرضه لوجهات النظر الأخرى، مشيراً إلى أن هناك جمهوراً واسعاً لا يزال يبحث عن الصحافة القائمة على الحقائق.

ولم يقتصر تطور الإعلام على قنوات الوصول إلى الجمهور، بل امتد إلى شكل المحتوى وطريقة إنتاجه، إذ فرضت سرعة المنصات أنماطاً جديدة في التصوير والمونتاج والإخراج، من دون أن يعني ذلك التخلي عن المضمون أو الهوية الإعلامية.

وأكد علي الحمادي، مخرج رئيسي في مؤسسة دبي للإعلام، أن التغير في سلوك الجمهور وتطور منصات التواصل انعكسا بصورة مباشرة على أسلوب صناعة المحتوى التلفزيوني، سواء من حيث سرعة تقديمه أم أساليب التصوير والمونتاج والإخراج.

وأوضح أن التلفزيون يعمل وفق سياسات وبرامج ومحتوى موجه للجمهور، إلا أن ظهور قضايا وتوجهات جديدة في المجتمع يتطلب مواكبتها وتسليط الضوء عليها، مشيراً إلى أن أسلوب تقديم البرامج شهد تغيراً واضحاً، وأصبح المحتوى أسرع وأكثر حركة بما يتناسب مع طبيعة المشاهدة الحالية.

وأضاف أن التحول امتد إلى التصوير، فبعد الاعتماد بصورة أكبر على الكاميرات الثابتة، أصبحت الكاميرا المحمولة تدخل إلى قلب الحدث وتقدم للمشاهد زوايا أكثر قرباً، كما أصبح المونتاج أسرع وأكثر ديناميكية، مع استخدام تقنيات مثل «التايم لابس» وغيرها من الأدوات التي تتماشى مع اللغة البصرية التي اعتادها الجمهور عبر المنصات الرقمية.

وأكد الإعلامي سعود الكعبي أن صناعة المحتوى اليوم تقوم على معادلة تجمع بين فهم الخوارزميات وتقديم قيمة حقيقية للجمهور، موضحاً أن صانع المحتوى لا يستطيع التركيز على أحد الجانبين وإهمال الآخر.

وأوضح أن الوصول إلى قاعدة واسعة من الجمهور يتطلب في الوقت نفسه تقديم موضوع يدفع المتلقي إلى إكمال مشاهدة الفيديو أو قراءة النص حتى نهايته، مشيراً إلى أهمية تقديم بداية جاذبة تساعد على توسيع نطاق الانتشار، ثم بناء موضوع يحافظ على اهتمام الجمهور ويقدم له فائدة حقيقية.

وقال: «الشهرة التي يكون هدفها الخوارزميات فقط هي فقاعة»، مشيراً إلى أن الاستمرارية تتحقق عندما توظف الخوارزميات للوصول إلى جمهور أوسع وإيصال الرسالة الصحيحة، بدلاً من جعل الانتشار هدفاً بحد ذاته.

الجمهور يبحث عن الموثوقية

ومع سرعة تداول الأخبار عبر المنصات الرقمية، تبرز مسألة التحقق من المعلومات باعتبارها جزءاً أساسياً من التعامل مع المحتوى، خصوصاً مع قدرة الخبر على الانتشار قبل اكتمال تفاصيله.

وتعكس تجارب أفراد من الجمهور جانباً من هذا التحول، إذ سألنا متابعين للأخبار عن طرق حصولهم على المعلومات، وكيف يتحققون من مصادرها، وما يفضلونه من أشكال المحتوى.

وأكد سامي حسين جمعة أهمية التحقق من الأخبار قبل تداولها، موضحاً أنه لا يكتفي بمشاهدة المعلومة عبر حساب على وسائل التواصل الاجتماعي، بل يعود إلى المصادر الرسمية للتأكد من صحتها قبل نشرها.

وأوضح أنه عند الاطلاع على خبر ما، يحرص على الدخول إلى الموقع الرسمي للجهة المعنية أو إلى موقع المكتب الإعلامي لحكومة دبي والصفحات الرسمية ذات الصلة، للتأكد من المعلومة ومصدرها قبل إعادة تداولها.

وأشار إلى أنه يميل شخصياً إلى قراءة الصحف، إلا أن تغير أنماط استهلاك المحتوى يتطلب مواكبة الوسائل الأسرع في تقديم المعلومة، لافتاً إلى تفضيله المحتوى المرئي، ولا سيما مقاطع الفيديو التي يقدم فيها إعلامي المعلومة ويعلق عليها.

من جانبها، أكدت الدكتورة ولاء الشحي أنها تعتمد على المنصات الإعلامية الرسمية والموثوقة للحصول على الأخبار، وتفضل الرجوع إلى المؤسسات المعروفة، مثل صحيفة «البيان» ومؤسستي دبي وأبوظبي للإعلام والجهات الإعلامية الرسمية، ولا تلجأ إلى مصادر غير معروفة للتحقق من المعلومات.

وأوضحت أن «إنستغرام» يعد بالنسبة إليها الوسيلة الأسرع للوصول إلى الأخبار، إذ تتجه إليه عند سماعها عن حدث أو تطور جديد، ثم تبحث عن الخبر عبر الحسابات الموثقة للتأكد من صحته، لافتة إلى أن ثقافة الرجوع إلى المصادر الرسمية أصبحت أكثر حضوراً لدى الجمهور، خصوصاً خلال الأزمات.

وأضافت أنها تتجه إلى المحتوى المرئي أولاً، سواء أكان مقطع فيديو أم شرائح مصورة، قبل الانتقال إلى النص المكتوب للاطلاع على التفاصيل كاملة، موضحة أن الصورة تجذبها في البداية، بينما يظل النص ضرورياً لفهم التفاصيل التي لا تكفي المقاطع المختصرة للإحاطة بها.

الذكاء الاصطناعي.. أداة للصحفي

ومع اتساع حضور الذكاء الاصطناعي في صناعة المحتوى، تبرز فرص جديدة أمام المؤسسات الإعلامية لتطوير الإنتاج وتحسين بعض مراحله، بالتوازي مع الحاجة إلى وضع حدود واضحة لاستخدام هذه الأدوات في العمل الصحفي.

وأوضح علي الحمادي أن الذكاء الاصطناعي أصبح جزءاً من عملية تطوير المحتوى، بالتزامن مع خطة المؤسسة وبرامج التدريب والتوجهات الحكومية، مشيراً إلى إمكانية استخدامه في إنتاج بعض اللقطات وتحسين المحتوى، وليس بهدف صناعة محتوى مزيف.

وأشار إلى إمكانية الاستفادة منه في تحريك صور تاريخية موجودة في الأرشيف ولا تتوافر لها تسجيلات فيديو، بما يمنح المادة القديمة شكلاً بصرياً أكثر حيوية.

وشدد على أن الذكاء الاصطناعي لا يحل محل العنصر البشري، موضحاً أن الرؤية والفكرة تبدأ من الإنسان، ثم تأتي التقنية كأداة تساعده على تنفيذها وتسهيل بعض مراحل الإنتاج.

ومن جانبه، أوضح بيتر باراباس أن استخدام الذكاء الاصطناعي في العمل الصحفي يجب أن يخضع دائماً للمراجعة والقرار البشري، مشيراً إلى إمكانية الاستفادة من هذه الأدوات في البحث الأولي وفهم خلفيات القصص المعقدة، إلا أن المعلومات التي توفرها لا تمثل بالضرورة الصورة الكاملة للموضوع.