أحمد المهيري: آلاف المعثورات يتم التعامل معها يومياً وفق أعلى معايير الأمان

900 بلاغ فقدان تستقبلها إدارة المعثورات والمفقودات يومياً

في معظم دول العالم، يرتبط عمل إدارات التحريات بتتبع الجناة والبحث عن المطلوبين وكشف ملابسات الجرائم، لكن في دبي تتجاوز المهمة المفهوم التقليدي، لتأخذ بعداً إنسانياً، يعكس ثقافة الأمان والثقة التي تتميز بها الإمارة، حيث يبحث رجال التحريات عن أصحاب المفقودات ليعدوها لهم، حتى أصبحت في كثير من الأحيان تصل إلى أصحابها قبل أن يدركوا أنهم فقدوها.

هذه المواقف لم تكن مجرد روايات متداولة، بل واقع رصدته «البيان» خلال زيارة ميدانية إلى إدارة المفقودات والمعثورات في القيادة العامة لشرطة دبي، حيث تعمل هناك منظومة متكاملة على مدار الساعة، لضمان إعادة المفقودات إلى أصحابها بأسرع وقت، سواء كانوا داخل الدولة أو خارجها.

منذ اللحظة الأولى داخل الإدارة، تتضح دقة التنظيم وحجم العمل، آلاف المقتنيات التي يعثر عليها في مختلف أنحاء الإمارة، تمر عبر سلسلة من الإجراءات، تبدأ بالاستلام والفحص والتصنيف، ثم إدراجها في نظام إلكتروني ذكي، يمنح كل معثور رقماً تعريفياً خاصاً، بما يضمن سهولة الوصول إليه عند ورود أي بلاغ فقدان.

ولا يقتصر الأمر على المقتنيات الثمينة، بل تشمل المنظومة كل ما يعثر عليه، مهما بلغت قيمته، انطلاقاً من قناعة بأن قيمة الغرض لدى صاحبه لا تقاس بثمنه المادي فقط، فربما يحمل ذكريات أو وثائق أو أهمية شخصية لا تقدر بثمن، ومنها، على سبيل المثال، شيك بقيمة 12 مليون درهم، أعادته شرطة دبي لصاحبه قبل أن يشعر بفقدانه.

وخلال الجولة، رصدت «البيان» آلية استقبال البلاغات التي يتجاوز عددها يومياً 900 بلاغ، والتي يتولى قسم الاتصال والشكاوى استقبالها عبر الرقم «901»، أو من خلال التطبيق الذكي لشرطة دبي، لتبدأ بعدها عملية متابعتها بمطابقة دقيقة بين بيانات البلاغ والمعثورات المسجلة في النظام، سواء كانت محفوظة في المستودعات الرئيسة أو في نقاط التجميع المنتشرة بمراكز الشرطة والمراكز التجارية والمواقع المختلفة في الإمارة، وعند التأكد من تطابق البيانات، يتم التواصل مباشرة مع صاحب المفقودات، ومنحه خيار الحضور لاستلامها، أو الاستفادة من خدمة توصيل المعثورات إلى مقر إقامته، أو مكان عمله، في أي إمارة بالدولة.

فحص وتسجيل

وعلى هامش الزيارة، أوضح المقدم أحمد خليفة المهيري نائب مدير إدارة المفقودات والمعثورات، أن الإدارة تستقبل يومياً آلاف المعثورات التي يتم فحصها وتسجيلها إلكترونياً، قبل حفظها وفق أعلى معايير الأمان، مشيراً إلى أن المقتنيات الثمينة، مثل الساعات والمجوهرات والمبالغ النقدية والشيكات، تخضع لفحص من قبل خبراء للتأكد من أصالتها، ثم تحفظ داخل خزائن مؤمنة، حتى يتم تسليمها لأصحابها، مبيناً أن عدد المعثورات التي تم تسليمها إلى أصحابها 29,652 في النصف الأول من العام.

وأضاف أن النظام الذكي الذي تخزن فيه تفاصيل المعثورات يتيح للموظفين سرعة مطابقتها مع البلاغات، الأمر الذي يمكنهم في كثير من الحالات من العثور على الغرض خلال دقائق معدودة، والتواصل مع صاحبه فوراً، فيما تتطلب مطابقة بعضها وقتا أطول، بحكم تشابهها مع مئات أو آلاف المعثورات، خصوصاً الهواتف، التي تعد من أكثر الأغراض المفقودة من قبل الأشخاص.

وأشار المهيري إلى أن شرطة دبي، في إطار حرصها المستمر على تطوير خدماتها، وتسهيل حياة الناس، أطلقت مؤخراً خدمة توصيل المعثورات لباب المنزل، أو الموقع الذي يحدده المتعامل في مختلف إمارات الدولة، مشيراً إلى أن الخدمة تحظى بإقبال متزايد من قبل المتعاملين، حيث تم توصيل أكثر من 1000 معثور إلى أصحابه في مختلف إمارات الدولة، وفق إجراءات تضمن سلامة المقتنيات، ووصولها إلى أصحابها في مدة لا تتجاوز 3 أيام.

رحلة بحث

واستحضر المهيري موقفاً يصفه بأنه من المواقف التي جسدت استباقية شرطة دبي في إعادة المفقودات إلى أصحابها، قبل أن يدركوا أنهم فقدوها، وتعود لأحد الأشخاص كان قد أنهى مراجعته لإحدى الجهات الحكومية وغادر المكان، دون أن ينتبه إلى أن شيكاً مالياً بقيمة 12 مليون درهم سقط منه أثناء وجوده هناك، وفي الوقت الذي كان يواصل يومه بشكل طبيعي، كانت فرق شرطة دبي قد تسلمت الشيك، وبدأت فوراً رحلة البحث عن صاحبه.

ولم تمضِ سوى فترة قصيرة، حتى تلقى الرجل اتصالاً من شرطة دبي، في البداية ظن أن الاتصال يتعلق بإجراء روتيني، لكنه فوجئ بالمتصل يخبره بأن شيكاً يخصه عثر عليه، وأن بإمكانه استلامه، مشيراً إلى أن الرجل أصيب بالذهول لشدة المفاجأة، قبل أن يقول عبارة بقيت عالقة في ذاكرة فريق العمل: «توقعت وايد أشياء تصير معاي في حياتي، إلا إنه يضيع عني غرض، وحد يتصل فيني ويقولي إنه حصله، ومب أي غرض.. شيك بـ 12 مليون درهم، لكن هالشي مب غريب لأني دبي». ويؤكد المهيري أن دهشة صاحب الشيك لم تكن بسبب قيمة المبلغ فقط، بل لأنه تلقى اتصالاً يبلغـه بالعثور على مفقوده، قبل أن يفتح حقيبته ويكتشف بنفسه أنه فقده.

ويضيف أن مثل هذه المواقف تتكرر بصورة مستمرة، خصوصاً مع المسافرين أو المتعاملين الذين يغادرون مواقعهم بسرعة، إذ تعتمد شرطة دبي على منظومة عمل متكاملة، تتيح تتبع أصحاب المفقودات، والتواصل معهم فور التحقق من بياناتهم، في سباق مع الوقت، لإعادة مقتنياتهم قبل أن تتحول إلى مصدر قلق أو خسارة.

واختتم المهيري حديثه بالتأكيد أن هذه القصة ليست استثناء، بل نموذج لما يحدث يومياً في دبي، حيث لا تقاس قيمة المفقودات بثمنها المادي فقط، وإنما بحق أصحابها في استعادتها، في مدينة أصبحت فيها الأمانة جزءاً من منظومة العمل.