رغم الجدوى الكبيرة للجهود الحكومية وحملات التوعية والرقابة الأسرية لمنع تسرب آفة المخدرات إلى المجتمع، إلا أن هذه الجهود تحتاج شراكة حقيقية من الأسرة والمجتمع لتوعية المراهق، وتسليحه بشجاعة قول كلمة «لا» في وجه إغراءات وضغوطات الصحبة السيئة، والرفض القاطع لتعاطي المخدرات، تحت ما يُعرف بـ «ضغط الأقران»، الذي يقوم على استغلال الضعف الاجتماعي للمراهق، أو قلة وعيه حول تأثير الجرعة الأولى، والتي تكون أول درجات سلّم الإدمان.

وقد تبدو كلمة «لا» سهلة في وجه جرعة مخدرات، إلا أنها تتطلب تعزيزاً للوعي الممنهج والمدروس من قبل الأسرة والمجتمع للمراهق، حتى يستطيع ممارستها بوعي، وحماية نفسه من العادات السلبية أو الأفكار الدخيلة على مجتمعنا، وهو ما يتطلب تضافر جميع الجهود على جميع الأصعدة، لتقديم هذه الحصانة الفكرية والمناعة الاجتماعية، وضمان فاعليتها باستمرار، حتى في غياب الرقابة الأسرية أو القانونية، وتتحول إلى وازع ذاتي يتيح للشاب القدرة على التمييز الواعي بين الخطأ والصواب.

وتظهر الخطورة الأكبر على فئة الشباب والمراهقين، حسب ما أظهرته الدراسات الحديثة، من كون هاتين الفئتين من بين الشرائح الأكثر عرضة لخطر الشروع في تعاطي المواد المخدرة والإدمان عليها، وذلك لأسباب عديدة مثل ضعف المهارات الوالدية، وإهمال احتياجات الطفل العاطفية في مرحلة الطفولة المبكرة والمراهقة والمشاكل الأسرية، بالإضافة إلى قلة وضعف المهارات الاجتماعية والحياتية، كما تشير العديد من الدراسات إلى دور ضغط الأقران السلبي في زيادة احتمالية الشروع في التعاطي.

حملة وطنية

ولأهمية تكاتف المجتمع في حماية أبنائنا من خطر الوقوع في مصيدة الإدمان، جاءت الحملة الوطنية لمكافحة المخدرات تحت شعار: «توحيد الصف لاستئصال الآفة»، التي أطلقها الجهاز الوطني لمكافحة المخدرات، بالتعاون مع المكتب الإعلامي لحكومة الإمارات، في إطار الرؤية الاستراتيجية الشاملة للدولة الهادفة إلى حماية المجتمع، وصون مكتسباته الوطنية، وأهمها الشباب، والتأكيد على الأهمية القصوى لتمكين الأسر من المهارات التربوية التي تشكّل عاملاً حاسماً في حماية الأبناء من خطر التعاطي، عبر صقل شخصياتهم ليكونوا أفراداً مسؤولين في المجتمع، وقادرين على مواجهة مختلف الضغوطات.

وتعمل الجهات المختصة على تقديم برامج توعوية مدروسة، مبنية على أفضل أسس التربية الاجتماعية، مستهدفة الشباب والمراهقين عبر تنظيم الدورات الصيفية والمجالس المجتمعية التي تعمل على تنمية المهارات الاجتماعية لدى المراهقين، كالذكاء العاطفي والاجتماعي، وكيفية اتخاذ القرار الصحيح، والتعامل مع ضغط الأقران، والدعوة إلى ملء أوقات فراغ الشباب بالنافع المفيد، وتعزيز مفهوم وأهمية التطوع لديهم، وتثقيفهم بأضرار المواد المخدرة، وتأثيرها السلبي ومخاطرها على حياة الفرد والمجتمع، وتعليم الشاب أن رفض الانسياق وراء العادات المدمرة، كتعاطي حتى ولو جرعة واحدة من المخدرات، هو شجاعة ورجولة، وليس ضعفاً وطفولة، كما أنه ينم عن ذكاء اجتماعي متميز، وليس علامةً على الانسحاب والعزلة، فالأصحاب الحقيقيون هم الذين يكونون ركائز عون لكَ، وليسوا معاول هدم لمستقبلك.

ويحرص الجهاز الوطني لمكافحة المخدرات على تنظيم المجالس المجتمعية الوطنية للوقاية من المخدرات، لتعزيز منظومة الوقاية المجتمعية، وتكامل الأدوار بين الجهات المعنية، لحماية الأسرة وفئة الشباب من مخاطر المخدرات والمؤثرات العقلية، والتركيز خلالها على موضوع القيم الإماراتية، وأثرها في تشكيل السلوك لدى الأبناء، وأثر سلوك الوالدين في تكوين شخصية الأبناء، ودور العبادات في تنمية الانضباط، وتعزيز القيم الأسرية، مع التأكيد على أثر القدوة الوالدية في تكوين شخصية الأبناء، وذلك أن السلوك اليومي للوالدين، يمثل المرجع الأول الذي يكتسب منه الأبناء قيمهم واتجاهاتهم، وأن بناء بيئة أسرية قائمة على الحوار المفتوح والاحتواء وتعزيز الثقة، يسهم في تنمية شخصية متوازنة، قادرة على اتخاذ قرارات سليمة، ومقاومة الضغوط السلبية.

قوة ضغط الأقران

ولا يمكن التقليل أبداً من خطر وقوة تأثير ضغط الأقران على الشاب والمراهق، فالعلاقة التي تحكم الشباب في هذه السن، تكون مبنية على الثقة المفرطة بين الأصحاب، والتي قد تكون في غير محلها أحياناً، كما تحكمها باستمرار تحديات بسبب عامل السنّ لإثبات الذات، وعدم الظهور بين الأقران بمظهر المتخاذل عنهم، والرغبة في نيل إعجابهم، والتي تدفعه لأن يوافق أحياناً على تصرفات قد لا يكون مقتنعاً بها، كالتدخين، والهروب من المدرسة، وتجربة السلوكيات الخطرة، لا سيما مع سيطرة غريزة الانتماء لدى المراهق، والخوف من الإقصاء، مع رغبة الشباب في هذه المرحلة العمرية بالخروج من قبضة رقابة الأسرة، والشعور بالاستقلالية، واعتقادهم أن قول كلمة «لا» في وجه الأصدقاء، سيفسد علاقته بهم، أو يتسبب في جرحهم وخسارتهم. ومن هذه المنطلقات يظهر خطر ضغط الأقران، الذي قد يتسلل إليهم من يحمل فكرة مؤذية أو عادة سيئة، تجعل الجميع أسرى لها.

ولضمان حماية المراهق من الوقوع في مصيدة ضغط الأقران، ينبغي العمل على برامج المناعة الذاتية المجتمعية باللجوء إلى العديد من الاستراتيجيات التربوية التي يوصي بها المختصون بالشأن التربوي، ومن أبرزها: تقييم علاقات المراهق بأقرانه، ولا يكون ذلك بعزلهم عن محيطهم، أو تعنيفهم، وإنما بمراقبة سلوكاتهم وعلاقاتهم بصورة غير مباشرة، وتقييمها باستمرار، والاطّلاع على أنشطتهم اليومية، سواء على أرض الواقع، أو على مواقع التواصل الاجتماعي، وتطوير مهارات التواصل الاجتماعي لديهم، لمعرفة كيفية اختيار أصدقاء صالحين، والبعد عن رفقاء السوء.

ومن الاستراتيجيات التربوية الأسرية أيضاً، التواصل الفعّال، وبناء علاقة قويّة مع المراهق، وإشعاره بأن أسرته ووالديه هم الملاذ الآمن له، يشاركهم مخاوفه وأفكاره، دون أن يجد منهم التذمر والشكوى والانتقاد، وأهمية استيعاب وفهم الآباء لطبيعة عواطف المراهق المتغيرة وغير المستقرة، والتي هي جزء من تشكل شخصيته، واتباع أسلوب الحوار والإقناع، وإشعاره بطريقة هادئة بأنه صاحب القرار، ومن ثم يختار ليتحمل مسؤولية قراره، وبذلك سيشعر بثقته بنفسه، وبأننا نحترمه ونقدره، ولا بد من العمل أيضاً على تقوية شخصية المراهق، وتعزيز احترامه لذاته، إلى جانب تعليمه كيف يتَّخذ القرار الصحيح تبعاً لقِيَمه ومبادئه.

ومن الأهمية بمكان أيضاً، إشغال المراهق بهوايات وأنشطة مفيدة، لأنها تسهم في تشتيت تركيزه عن التأثير السلبي للأقران، بل قد تزيد من احترام الآخرين وتقديرهم له، يضاف إلى ذلك تعزيز الوازع الديني، والتنشئة الأخلاقية الحَسَنة على العادات الأصيلة، والقيم الاجتماعية النبيلة.

وعلى صعيد المراهق نفسه، لا بد من العمل على إعطائه مجموعة من المهارات الذاتية، التي تساعده على ممارسة الرفض الإيجابي الذكي، فالهدف ليس وضع المراهق في زجاجة مغلقة، أو تحويله إلى شاب صدامي منفّر لأصدقائه، بل أن يكون تواصله ذكياً، ويمكن ترسيخ ذلك عبر آليات بسيطة، منها مثلاً قول «لا»، مع تقديم بديل لمن يعرض عليه شيئاً لا يرضى به، أو اللجوء إلى «حيلة الأهل» في المواقف العالية الضغط، حيث يمكن للمراهق تحميل المسؤولية للقواعد المنزلية، لتخفيف الحرج الاجتماعي، ومن هذه الآليات أيضاً، استعمال أسلوب «الأسطوانة المشروخة»، عبر تكرار الرفض بعبارة بسيطة وحازمة، دون الدخول في جدال أو تبريرات طويلة، مع التأكيد على استعمال لغة الجسد الحازمة، من خلال التواصل البصري المباشر، ونبرة الصوت الواثقة والهدوء، التي ترسل إشارة للأقران بأن هذا القرار نهائي وغير قابل للمساومة، مع تذكر دوماً القاعدة الذهبية التي تؤكد أن من يحبك لا يضرك، فالصديق الحقيقي يحترم حدودك وقراراتك الشخصية، دون أن يبتزك عاطفياً، كما أنه يدفعك للأفضل، ويحمي مصلحتك، ويتقبل كلمة «لا» دون أن تتغير معاملته لك، أو يهددك بالابتعاد أو السخرية إذا رفضت مشاركته.