أكد الدكتور أحمد بن عبد العزيز الحداد كبير مفتين مدير إدارة الإفتاء بدائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري بدبي أن الأضحية سنة عند جمهور أهل العلم لقول النبي صلى الله عليه وسلم " إذا دخلت العشر ، وأراد أحدكم أن يضحي ، فلا يمس من شعره وبشره شيئا" والنهي للكراهة لا للحرمة عند جمهور العلماء، فمن لم يمسك لا إثم عليه، وأضحيته صحيحة، ودل الحديث على أن الأضحية سنة لأنه علقها بالإرادة، ولو كانت واجبة لما علقها بالإرادة، ويرى السادة الأحناف وجوبها، لقول النبي صلى الله عليه وسلم " من كان له مال فلم يضح فلا يقربن مصلانا " وقال مرة : " من وجد سعة فلم يذبح فلا يقربن مصلانا" وحمل الجمهور هذا النهي على الكراهية لا على الإيجاب لحديث أم سلمة السابق.
وأوضح أن الأضحية هي التي تذبح يوم العيد وأيام التشريق الثلاث من بهيمة الأنعام بقصد التقرب إلى لله تعالى، بشروطها المعروفة من حيث السن والسلامة من العيوب؛ وهي من أجلِّ الطاعات والقربات إلى الله في هذا اليوم فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما تقرب إلى الله تعالى يوم النحر بشيء هو أحبُّ إلى الله تعالى من إهراق الدم، وأنها- أي الأضحية - لتأتي يوم القيامة بقرونها وأشعارها وأظلافها،- أي أن المرء يؤجر على كل أجزاء الأضحية - وإن الدم ليقع من الله تعالى بمكان قبل أن يقع على الأرض فيطيبوا بها نفسا" وذلك لأن فيها إحياء لشعائر الله تعالى أي معالم دينه؛ لأنها تجدد معاني الحنيفية ملة إبراهيم عليه السلام الذي سمانا مسلمين، ونحن أولى الناس به، وهذا النسك كله من معالم دينه، وقد نوَّه الله تعالى بفضلها وعظيم منزلتها في كتابه الحكيم فقال سبحانه: {وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ } وقال سبحانه {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ} وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بقوله حينما سئل عن هذه الأضاحي ؟ قال : " سنة أبيكم إبراهيم " قال : قلنا: فما لنا منها ؟ قال : " بكل شعرة حسنة " قلنا : يا رسول الله فالصوف ؟ قال : " فكل شعرة من الصوف حسنة" لذلك ينبغي للمسلم أن يتقرب بها لربه سبحانه، ولا يبخل فيها ما دام قادرا مستطيعا، فإنها سنة مؤكدة، وقيل هي واجبة على المستطيع الموسر، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من وجد سَعة لأن يُضحي فلم يضح، فلا يحضر مصلانا " ثم إنها توسعة على النفس والعيال في يوم العيد وأيام التشريق، التي هي أيام أكل وشرب وذكر الله تعالى، وتوسعة على المسلمين، فإن من حقهم على المياسير أن يسعدوا ويأنسوا في العيد، ولذلك كان إطعامهم منها واجبا عند كثير من أهل العلم لقوله تعالى {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ} وقوله سبحانه {فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}
وهي لا تجزئ إلا من بهيمة الأنعام التي هي الإبل والبقر ومثلها الجواميس، والغنم من ماعز أو ضأن، فلا تجزئ من الطيور ولا من غيرها مما يحل أكله من الذبائح المذكاة ولو كانت أنفس وأغلا سعرا، كالغزلان والظباء؛ لأن النص وارد في بهيمة الأنعام خاصة، ولأنها الميسورة لكل الناس، والامتنان بها أكثر ولحمها أنفع وأطيب.
•tوشرط ما يضحى به من بهيمة الأنعام:
1- أن تكون في السن المجزئ، فمن الضأن أن يكون عمرها ستة أشهر فأكثر، ومن الماعز أن تكون سنة فأكثر، ومن البقر أو الجواميس أن تكون سنتين فأكثر، ومن الإبل أن تكون خمس سنين فأكثر، لورود النص بتحديد هذه الأسنان لكل نوع، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تذبحوا إلا مُسِنَّة، إلا أن يعسر عليكم، فتذبحوا جذعة من الضأن، ولأن ما دون هذه السنون لا تحقق غرضا كبيرا من التوسعة على الناس.
2- وشرطها كذلك أن تكون سليمة من العيوب التي تنفر الآكل من أكلها، فلا تكون عوراء ولا هتماء – يعني فاقدة الأسنان، ولا عجفاء لحديث " أربع لا تجزئ: العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين ظلعها، والكسير التي لا تنقي" أي لا مخ لها لهزالها، ويلحق بها كل عيب سوى ذلك كمقطوعة الذيل أو الخصية أو معظم الأذن، أو كانت تيل دما من جرح أصابها، كل ذلك لأن القصد منها التقرب إلى الله تعالى بأطيب الصدقات، لا أن يعمد إلى ما لا يرغب فيها فيتقرب به، فقد قال الله تعالى { لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ} وقال { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ}
3-وأن يكون ذبحها في وقت الأضاحي ابتداء من عقب صلاة العيد بعد الإشراق، وانتهاء بغروب شمس آخر أيام التشريق عند الجمهور، وهو اليوم 13 من ذي الحجة، وعند السادة المالكية ينتهي وقتها بغروب شمس ثاني أيام التشريق، يعني اليوم 12 فلا تجزئ قبل هذا التوقيت ولا بعده، لحديث البراء بن عازب رضي الله عنه، قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم النحر بعد الصلاة، فقال: " من صلى صلاتنا، ونسك نسكنا، فقد أصاب النسك، ومن نسك قبل الصلاة، فتلك شاة لحم" أي قدمها لنفسه وأهله، وليست أضحية.
ومن سننها أن يذبحها المضحي بنفسه إن كان يحسن ويقدر، أو وكيله كالجزار أو المقصب، إحياء لسنة الخليل إبراهيم عليه السلام وسنة النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان يذبح بيده، أو أن يشهدها بنفسه إن لم يذبح، كما روى جابر ابن عبد الله رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بكبشين أملحين أقرنين عظيمين موجوءين، - يعني خصيين - فأضجع أحدهما، وقال: " بسم الله ، والله أكبر، اللهم عن محمد وآل محمد " وقال لابنته فاطمة رضي الله تعالى عنها: " يا فاطمة قومي فاشهدي أضحيتك فإنه يغفر لك بأول قطرة تقطر من دمها كل ذنب عملته"
ومن سننها أن يأكل الإنسان منها ولو قليلا عملا بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه كان يأكل من أضحيته ولو من كبدها، وقد قال الله تعالى {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا} والأمر للندب لا للوجوب، وقيل للإباحة.
ومن سننها أن يتصدق ببعضها إن لم تكن منذورة، فإن كانت منذوره، أي نذر لله أن يضحي فيتصدق بها جميعا؛ لأن النذر يخرجها عن ملكه إلى ملك الفقراء خاصة، فإن لم تكن منذورة تصدق بما شاء منها قليلا أو كثيرا، وأهدى بعضا منها قليلا أو كثيرا للجيران والأقارب وذلك عملا بقوله تعالى {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ}
ويصح أن يضحي الإنسان داخل الدولة وخارجها، فكل ذلك قد ثبت، إلا أن الأضحية في البلد تتحقق بها سنن كثيرة؛ فمنها إظهار شعيرة الإسلام في الأضاحي، ومنها الإفادة والدروس التربوية للآباء والأبناء، حيث يتمثل المضحي حال إبراهيم عليه السلام الذي أمره الله تعالى بأن يضحي بفلذة كبده – ابنه إسماعيل – فما تردد في امتثال أمر الله تعالى، ويتذكر الأبناء فائدة البر وعظيم فضله، فإن إسماعيل لما قال لأبيه: {افعل ما تؤمر} وأسلم نفسه لأبيه طائعا راغبا فداه الله تعالى بذبح عظيم، ومثل هذه المعاني لا بد أن تحيا في النفوس، فإن الأضحية ما كانت إلا إحياء لسنة الخليل إبراهيم عليه السلام، كما أن من سنن الأضحية أن يشهدها المضحي بنفسه إن قدر، وأن يأكل منها ولو قليلا، وأن يوسع على عياله فيها، وهذه المعاني والسنن كلها تفوت بالأضاحي خارج الدولة، لذلك من أراد أن يضحي خارج الدولة لينفع المسلمين من ذوي الحاجة والكوارث والمنكوبين في أوطانهم، ينبغي له أن يجعل أضحية في بيته وبلده ولا يحرم نفسه وأولاده منها، فيكون قد جمع بين الحسنيين وله فضل عظيم في ذلك، فإن الأضحية من أجل القرب لله تعالى، وكلما أكثر الإنسان من القربة كلما زاد أجره وعظم.
وممن يستحق أن يتصدق عليهم بالأضاحي العمال المسلمون فهم فقراء فيصح أن يعطوا منها إن كانوا مسلمين، لأنها قربة فلا تصح لغير المسلم كالمنذورة والزكاوات، ويعطى غير المسلمين ما زاد عن الأضحية من عموم الصدقات الأخرى.
وينبغي أن يكون ذبح الأضاحي في المقاصب وذلك لا ينقص من أجر الأضحية شيئا فإنه توكيل في الذبح، والتوكيل جائز بالاتفاق ما دام أن الذابح مسلم ويحسن الذبح، بل قد يكون الذبح في المقاصب أفضل لما فيه من تحر كاف لسلامة الذبيحة من العيوب والأمراض، فإن لديها أطباء بيطريون يعنون جدا بسلامة الذبيحة، وإذا كان الذبح في البيوت ممنوعا نظاما كان الالتزام بالنظام حتمي.