شهدت الجلسة الحوارية التي جمعت سعادة الدكتور سلطان محمد النعيمي، مدير عام مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، وحامد بن كرم، رئيس تحرير صحيفة البيان، قراءة استشرافية معمقة لمفهوم "السردية" وتوظيفها السياسي، جاء ذلك خلال الجلسة التي نظمها نادي دبي للصحافة في مقره بدبي تحت عنوان ”التطورات الجيوسياسية في المنطقة وتأثيرها على الخطاب الإعلامي”. 

وأوضح النعيمي أن السردية تجاوزت في عصرنا الراهن دور نقل "الخبر الخام" لتصبح بناءً منهجياً متكاملاً يستهدف التأثير المباشر في قناعات الجمهور ومفاهيمه. وأكد أن السردية الإعلامية الناجحة هي التي تُبنى وفق حبكة منظمة تستهدف فئات مجتمعية محددة (عبر الصحف والإذاعات والتلفزيونات) لتحويل الحدث من مجرد معلومة إلى قصة ذات أثر استراتيجي.

حرب العقول.. المواجهة في ميدان الوعي الوطني

في معرض حديثه عن "حرب السرديات"، أكد الدكتور النعيمي أن دولة الإمارات تواجه "حرب عقول" موازية للتهديدات المادية المتمثلة في الصواريخ والمسيّرات. وشدد على أن إعادة إعمار البنية التحتية المادية أمر يسير ومقدور عليه، لكن التحدي الأكبر والخطورة الحقيقية يكمنان في محاولات "العدوان على الوعي" وتزييف الفهم الصحيح لدى الشعوب. واعتبر أن استهداف الإمارات بسرديات مغالطة (مثل وصف دبي بمدينة أشباح في 2008) هو "ضريبة النجاح"، واصفاً الدولة بالمرآة التي تعكس تفوق النموذج الإماراتي وقدرته على تحويل التحديات إلى فرص، وهو ما يستفز الخصوم لمحاولة تغيير المسلمات الوطنية.

سيميولوجيا التضليل: تفكيك الاستراتيجيات اللغوية المعادية

استعرض النعيمي نتائج دراسة تخصصية حول "توظيف اللغة في الاستراتيجية الإعلامية الإيرانية"، مبيناً كيف يتم "تسييس اللغة" لتزييف الواقع. وضرب أمثلة دقيقة على التلاعب باللفظ، مثل استخدام مصطلح "المشيخة" للإيحاء بتخلف المنظومة السياسية، وتوظيف لفظ "الأعراب" بمدلوله السلبي بدلاً من "عرب"، وتسمية الميليشيات بـ "الحكومة الشرعية" مقابل وصف الحكومات المعترف بها بـ "الهرب". وأكد النعيمي أن الإمارات تتبع نهج "التبيان" لا "التبرير"، مستشهداً بمقولة باولو كويلو: "لا تبرر؛ فأصدقاؤك لا يحتاجون لذلك، وعدوك لن يصدقك"، مشدداً على أن القرار السيادي الإماراتي لا يحتاج لموافقة الأطراف التي قررت العداء مسبقاً.

الاستقلال الاستراتيجي والتموضع السيادي في قطاع الطاقة

وفي المحور الأكثر حساسية، أكد النعيمي أن الإمارات تتبنى مبدأ "الاستقلال الاستراتيجي" كقرار دائم يهدف لتأمين مصالحها العليا، وهو ما أكد عليه معالي الدكتور أنور قرقاش. وأوضح أن توجهات الدولة الأخيرة في قطاع الطاقة والتحليق خارج الأطر التقليدية (في إشارة لمنظمة أوبك) هي قرارات سيادية محضة مبنية على استثمارات ضخمة بلغت 120 مليار دولار. وانتقد النعيمي القراءات غير الدقيقة لوكالات الأنباء العالمية (مثل رويترز)، مؤكداً أن إسقاط معايير "الزمان والمكان" التي تعود لثلاثة عقود مضت على واقع عام 2026 يعد خطأً فادحاً؛ فالإمارات دولة متجددة تمارس تموضعاً استراتيجياً يخدم مصلحة شعبها أولاً وأخيراً.

الحصانة المجتمعية والولاء القائم على القناعة المطلقة

شدد النعيمي على أن المصد الحقيقي والنهائي ضد الحرب الإعلامية هو المجتمع الإماراتي. وأكد أن الولاء في الإمارات يقوم على "القناعة المطلقة" برؤية القيادة وليس "الطاعة العمياء"، وهو فرق جوهري في الفلسفة السياسية للدولة. وحذر من ترك أي "فراغ إعلامي" يمكن أن يستغله الآخرون لفرض سردياتهم، مشيداً بالتلاحم الوطني الذي يجمع المواطنين والمقيمين (الذين وصفهم بأهلنا الإماراتيين من غير المواطنين)، والذين أثبتوا انتماءً حقيقياً للنموذج الإماراتي في الأزمات، مما جعل "كل من في الإمارات إماراتياً" بالانتماء والمعنى.

"بنظهر أقوى" والمصداقية كرهان نهائي

اختتمت الجلسة بالاستناد إلى شعار صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة "حفظه الله" "بنظهر أقوى" كمنهج عمل، مع التوصية بتطوير خطط إعلامية ممتدة لمواجهة التأثير على العقول. واعتبر الدكتور النعيمي أن "المصداقية العالية" التي دعا إليها صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد هي الضمانة الوحيدة لإسقاط كافة محاولات تزييف الحقائق. وأكد أن النجاح المستمر وبروز الكوادر الوطنية المتخصصة هما السد المنيع أمام أي سردية معادية، ففي نهاية المطاف "لا يصح إلا الصحيح".