توالت التحاليل والاستشارات، إلى أن جاء اليوم الذي سمع فيه سالم الجملة الأثقل في حياته: «ابنتك متوفاة دماغياً».
طرح الأطباء سؤالاً أصعب من كل ما سبق: هل توافق على التبرع بأعضاء ابنتك، لتمنح حياة جديدة لآخرين ينتظرون على أسرّة المستشفيات؟
يصف تفكيره في تلك اللحظة قائلاً إنه سأل نفسه: «لو أنا مكان المتلقي، ولو عندي طفل محتاج لعضو ينقذ حياته، ألم أكن سأتمنى أن يمدّ أحدهم يده لنا؟».
من هذه الزاوية الإنسانية، بدأ القرار يتشكل داخله شيئاً فشيئاً، لم يتردد كثيراً حين أدرك أن الدولة لا تقر شيئاً إلا وفيه مصلحة للجميع، وأن «برنامج حياة» الذي أطلقته دولة الإمارات لتشجيع التبرع وزراعة الأعضاء إنما وُجد ليحوّل الفقد إلى فرصة لإنقاذ الآخرين.
يقول سالم إنه كان يتوقع أن تنقذ زهية بعد رحيلها شخصاً واحداً، لكن المفاجأة أنه علم لاحقاً بأنها أنقذت حياة ثلاثة أشخاص دفعة واحدة، حين منحتهم قلبها وكليتيها.
تحوّلت الطفلة الصغيرة، التي لم تُكمل عامها السادس، إلى جسر حياة لثلاثة مرضى كانوا يواجهون مصيراً غامضاً، بين غرف الإنعاش وقوائم الانتظار. وحده الطفل فيصل كان معروفاً له بالاسم، بعد فترة من عملية الزراعة، شاءت الأقدار أن يلتقي سالم بالطفل فيصل. يروي الأب أن ذلك اللقاء، الذي تم الخميس الماضي، كان مختلفاً في كل شيء.
دخل الصغير عليه بقلب زهية النابض في صدره، فشعر سالم بأنه أمام امتداد لطفلته، أمام حياة جديدة مُنحت من قلب فقده إلى قلب استرده. يقول إن فيصل لم يخَف منه، بل جلس بجانبه طوال الوقت، كأن بينهما ألفة قديمة لا تفسير لها إلا ذاك الإحساس العميق الذي لا يقدر أحد على إنكاره. يقول سالم، قبل أن يضيف بحنان: «أعتبره الآن ولدي».
اليوم، يعيش فيصل حياة طبيعية كما يصفها الأب، يذهب إلى المدرسة، يلعب، يلهو مثل أقرانه، بينما يتابع سالم أخباره بقلب راضٍ، يشعر أن جزءاً من زهية لا يزال يواصل الركض في ساحات الطفولة.
أما هو فما زال يسترجع تفاصيل الأيام الأخيرة في المستشفى، رأى بأم عينيه أن القرار بالتبرع لا يرتبط بشخص واحد، بل بمنظومة أطباء وممرضين وأجهزة وفرق طبية وفّرت كل شيء من البداية، لتجعل من هذه اللحظة الفارقة ممكنة.
«أنت ما تقدر تتبرع من دون دكتور، من دون أجهزة، من دون منظومة كاملة واقفة معك»، يقول ممتناً، مستشعراً أن الدولة وفرت له كل السبل ليحيل حزنه إلى أثر باق من الخير.
تتكامل الفرق الطبية، يُطلب رأي ثانٍ وثالث عند الحاجة، تُستخدم كل الإمكانات، حتى تشعر العائلة أن كل ما يمكن فعله قد فُعل بالفعل.
بعد ذلك فقط، وعندما تتضح الصورة وتستوعب الأسرة معنى الوفاة الدماغية، تبدأ مرحلة الحوار حول «ما بعد الفقد»: هل يمكن لهذا الرحيل أن يتحوّل إلى حياة جديدة لآخرين ينتظرون؟ يشير الدكتور علي إلى أن كثيراً من العائلات، مثل عائلة سالم، تنظر إلى الأمر من زاوية مختلفة تماماً، زاوية «لو كنت أنا المحتاج».
هكذا فكر الأب حين قال في نفسه: «لو ابني هو المريض الذي يحتاج لعضو، كنت بأحتاج حد يساعدني، فليش ما أساعد عيال الناس؟».
هذه النقلة في التفكير، من دائرة الألم الشخصي إلى رحابة الإيثار، هي ما يسعى برنامج «حياة» إلى ترسيخه في المجتمع الإماراتي، بوصفه ترجمة عملية لقيم بلد اعتاد أن يمدّ خيره إلى العالم.
فالإمارات التي ترسل مساعداتها الإنسانية إلى أقاصي الأرض، تجعل من التبرع بالأعضاء امتداداً طبيعياً لهذه الروح.
من هنا، يتحول التبرع بالأعضاء من قرار فردي صعب إلى ثقافة مجتمعية ناضجة، وهذا ما يطمح إليه سالم حين يقول إنه يريد أن تصبح ثقافة التبرع راسخة في المجتمع. سالم، الذي خاض أقسى اختبار يمكن أن يواجهه أب، يكرر اليوم أنه فخور بابنته، فخور بأنها «توفت وسوّت علامة خير».
يراها في مخيلته في مكان أجمل، في الجنة كما يقول، وقد تركت خلفها «أثراً وابتسامة أمل وحياة» لثلاثة أشخاص لا يعرف منهم إلا فيصل.
هكذا، تتجاوز حكاية زهية حدود الأسرة لتصبح جزءاً من حكاية وطن يبني منظومة متكاملة للتبرع وزراعة الأعضاء، ويحوّل قصص الفقد إلى رسائل أمل للأحياء، ويدعو كل أب وأم إلى أن يروا في التبرع امتداداً للحب، لا نهاية له.
