يشكل انسحاب القوات الأمريكية كاملاً من قاعدة «عين الأسد» في العراق، وتوقيت الإعلان عنه اليوم السبت في خضم توتر إقليمي ساخن، حلقة وصل في فهم طبيعة التحركات العسكرية الأخيرة في المنطقة، حيث ربط محللون ومراقبون بين هذه الخطوة والاستعدادات الأمريكية والإسرائيلية لتوجيه ضربة لإيران.

وبينما يقرأ محللون هذا التحرك كإجراء «تأمين وقائي» يهدف لرفع الكلفة السياسية والعسكرية عن كاهل واشنطن عبر سحب جنودها من مرامي النيران الإيرانية، يذهب آخرون إلى أبعد من ذلك، باعتبار أن إفراغ القواعد الثابتة هو المؤشر الأوضح على انتقال الإدارة الأمريكية من استراتيجية الردع إلى استراتيجية «المبادأة بالهجوم»، حيث لم يعد الوجود البري المكشوف يخدم الأهداف القادمة التي تتطلب مرونة جوية وصاروخية قصوى.

هذا التحول في «جغرافيا القوة» يراه مراقبون محاولة لتمكين المؤسسات العسكرية، مثل الجيش العراقي، من استعادة السيادة وقطع الطريق على الفصائل المسلحة التي كانت تستخدم الوجود الأمريكي ذريعة للبقاء، وهو ما يضع طهران أمام واقع جيوسياسي جديد يقلص من قدرة أذرعها على المناورة جغرافياً.

ولم يتأخر الرد الإيراني الذي جاء مشحوناً بلغة التهديد الوجودي، إذ اعتبرت طهران أن إعادة تموضع القوات الأمريكية لا يعدو كونه «تغييراً في واجهات الاستهداف»، مؤكدة أن أي اعتداء على أراضيها سيجعل من القواعد المنطلقة منها الهجمات أهدافاً مشروعة، بصرف النظر عن القوة التي تديرها.

ولعل تقاطع هذه القراءات مع الاستنفار الإيراني الأخير يشير بوضوح إلى أن المنطقة ربما تكون تجاوزت مرحلة «التحرّشات الأمنية» لتدخل في «مرحلة التعبئة».

وبهذا المعنى، فإن إخلاء «عين الأسد»، بالتوازي مع التصريحات الإيرانية عالية النبرة، يضع العالم أمام «ساعة صفر» محتملة، حيث يبدو أن واشنطن قررت «تخليص الميدان» من نقاط ضعفها البشرية قبل الدخول في مواجهة مفتوحة قد تصبح معها هذه النقاط صيداً سهلاً للصواريخ الإيرانية في حال اندلاع الحرب.

وقد يعكس هذا الانسحاب من «عين الأسد» استراتيجية «فك الارتباط» الأمريكية بالمواقع القريبة من نفوذ الميليشيات، ما يشير إلى أن المنطقة دخلت مرحلة «تحجيم النفوذ» التي قد تسبق ضربات مباشرة للداخل الإيراني، من خلال قطع الطريق أمام الفصائل المسلحة الموالية لطهران وحرمانها من ذريعة مهاجمة القوات الأجنبية.