بعد أن وقف الحجيج على صعيد عرفات الطاهري ملبين مكبرين متضرين إلى رب العالمين، ينفرون إلى مشعر المزدلفة طلباً للسكينة والطمأنينة، واستكمالاً لمناسك الحج.

وتقع المزدلفة بين عرفات ومنى، وتُعرف باسم «المشعر الحرام» و«جمع»، وقد جاء ذكرها في القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾، كما ورد عن النبي ﷺ أنه أطلق عليها «جمع»، لأنها موضع اجتماع الحجاج والجمع بين الصلاتين فيها.

وتتحدد حدود المزدلفة شرعاً بين منطقتي المأزمين ووادي محسر، ولا يُشترط مكان معين داخلها، بل يصح المبيت في أي جزء منها، ويتحقق النسك بالحضور فيها ولو يسيراً بعد منتصف ليلة النحر، بحسب ما قرره جمهور الفقهاء.

وسميت المزدلفة بهذا الاسم من الازدلاف، أي القرب، لأن الحجاج يقتربون فيها من منى بعد عرفات، وقيل لأنها موضع اجتماع الناس وتقاربهم، وهو معنى يتجلى عملياً في توافد الحجاج إليها في وقت واحد.

أما حكم المبيت بالمزدلفة، فقد اختلف فيه الفقهاء على أقوال متعددة، فذهب الشافعية والحنابلة في أحد أقوالهم إلى أن المبيت واجب على غير المعذور، ويُجبر تركه بدم، بينما ذهب بعضهم إلى أنه سنة مؤكدة، ولا إثم في تركه عند وجود العذر.

واعتبر المالكية المبيت مندوباً مع لزوم قدر يسير من المكث لأداء الصلاة، وإلا وجب الدم عند الترك بلا عذر، في حين يرى الحنفية أن المبيت سنة مؤكدة، وأن الواجب هو الوقوف بالمزدلفة ولو لحظة بين الفجر وطلوع الشمس.

ويُستثنى من وجوب المبيت أصحاب الأعذار، مثل المرض أو الخوف على النفس أو المال أو الضعف الشديد أو رعاية مريض، كما ألحق بعض الفقهاء الزحام الشديد في زماننا بهذه الأعذار إذا ترتب عليه ضرر أو خطر، تخفيفاً على الحجاج ومراعاة لمقاصد الشريعة في حفظ النفس.

وأما ما يشرع في المزدلفة، فأهمه الجمع بين صلاتي المغرب والعشاء جمع تأخير، وهو من السنن الثابتة عن النبي ﷺ، حيث صلى المغرب والعشاء في المزدلفة بأذان واحد وإقامتين، دون تسبيح بينهما، وقد أجمع العلماء على مشروعيته للحاج في هذا الموضع.

ثم يبيت الحاج في المزدلفة حتى صلاة الفجر، فيصليها في أول وقتها، ثم يسن له الوقوف عند المشعر الحرام للدعاء والذكر والتكبير والتهليل حتى الإسفار، اقتداءً بفعل النبي ﷺ الذي وقف ودعا طويلاً قبل أن يدفع إلى منى قبل طلوع الشمس.

ويستحب بعد ذلك الدفع من المزدلفة إلى منى قبل طلوع الشمس، حيث يبدأ الحاج أعمال يوم النحر برمي جمرة العقبة، ثم بقية المناسك.

وتكمن حكمة المبيت في المزدلفة في تحقيق معاني السكينة بعد الوقوف بعرفة، وجمع الحجاج في مكان واحد استعداداً ليوم النحر، إضافة إلى إبراز روح التيسير في الإسلام من خلال الجمع بين الصلاتين وتخفيف الأحكام عند وجود الأعذار، مع الحفاظ على روح العبادة والانضباط في أداء المناسك.

المزدلفة تعد محطة إيمانية عظيمة في رحلة الحج، يجتمع فيها الحجاج على الذكر والدعاء، ويؤدون فيها نسكاً اقتداء بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم.