لم يعد السؤال الراهن في الضفة الغربية مقصوراً على حجم الرقعة التي تلتهمها المستوطنات، بل تجاوز ذلك ليطال الجوهر الاستراتيجي لعملية «إعادة الهندسة القسرية للفضاء الفلسطيني»، حيث تحول إلى آفة هيكلية تقطع أواصر الجغرافيا والسكان، وتعيد رسم الحدود الديموغرافية والسياسية بدمدمة الجرافات وتشريع القوانين.

وتكشف أحدث المعطيات والتقارير الموثقة حتى أواخر سبتمبر المنقضي عن حجم هذا الزلزال الديموغرافي؛ إذ دفعت سلطات الاحتلال وأقرت، خلال الفترة من 13 يونيو حتى 18 سبتمبر، نحو 4570 وحدة استيطانية جديدة في المنطقة «ج»، إلى جانب 3515 وحدة أخرى في القدس الشرقية.

ولم تتوقف عند هذا الحد، بل طرحت وزارة الإسكان الإسرائيلية عطاءات لنحو 2240 وحدة إضافية في المنطقة «ج»، تضمنت في ذروتها 1234 وحدة ضمن مشروع «E1» الاستراتيجي الخطير شرق القدس.

ويكتسب مشروع «E1» أهمية تتجاوز حجمه العمراني، إذ يقع في منطقة استراتيجية بين القدس الشرقية ومستوطنة معاليه أدوميم، ويمكن لتنفيذه أن يقطع الاتصال الجغرافي بين شمال الضفة وجنوبها ويزيد عزلة القدس الشرقية عن محيطها الفلسطيني، ولهذا وصف مسؤول أممي المشروع أمام مجلس الأمن بأنه تهديد وجودي لحل الدولتين.

ويرى خبراء ومحللون أن التطور الأخطر يتمثل في انتقال الاستيطان من سياسة توسيع تجمعات قائمة إلى منظومة متكاملة لإعادة صياغة المجال الجغرافي، عبر ربط المستوطنات بشبكات طرق وبنى تحتية، وتوسيع نطاق السيطرة على الأراضي، بحيث تصبح المناطق الفلسطينية أكثر تشتتاً وأقل قدرة على التواصل فيما بينها. وتزداد خطورة هذا المسار مع اتساع عمليات الهدم والإخلاء،

ويرى أستاذ العلاقات الدولية بجامعة محمد الأول في وجدة، المغرب، د. محمد بوبوش، أن الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية تحول منذ عام 2023 من سياسة توسع عمراني إلى مشروع منهجي لإعادة هندسة الأرض والسكان، عبر إنتاج وقائع جغرافية وديموغرافية جديدة تجعل أي تسوية مستقبلية قائمة على دولة فلسطينية متصلة وقابلة للحياة أكثر صعوبة.

ويوضح بوبوش أن اتساع أعداد المستوطنين وتزايد المستوطنات والبؤر الاستيطانية، لا سيما ذات الطابع الرعوي والزراعي، يعكس انتقال الاستيطان إلى نمط أكثر ارتباطاً بالسيطرة على الأرض، وليس بمجرد توفير مساكن جديدة.

وتتركز هذه السياسة بصورة خاصة في المنطقة المصنفة «ج»، التي تشكل نحو 60 في المئة من مساحة الضفة الغربية، حيث تفرض إسرائيل سيطرة واسعة على التخطيط والأراضي، بينما يواجه الفلسطينيون قيوداً كبيرة على البناء والتوسع العمراني.

ويشير إلى أن إعادة توزيع السيطرة على الأرض تتم عبر مجموعة متداخلة من الأدوات، تشمل إقامة البؤر الزراعية والرعوية، وإعلان مساحات جديدة باعتبارها «أراضي دولة»، وشق الطرق الالتفافية، ومد شبكات البنية التحتية التي تربط المستوطنات ببعضها، ويؤدي هذا المسار، وفق تقديره، إلى الضغط على التجمعات البدوية والرعوية ودفع بعضها إلى مغادرة مواقعها، بما يغير تدريجياً طبيعة التوزيع السكاني .

ويحذر من أن هذه التطورات تدفع الضفة الغربية تدريجياً نحو واقع يشبه «أرخبيلاً» من الجيوب الفلسطينية المحاطة بالكتل الاستيطانية، الأمر الذي يضعف التواصل الجغرافي والاقتصادي بين التجمعات الفلسطينية.

كما أن السيطرة المتزايدة على الأراضي الزراعية والموارد المائية، إلى جانب القيود المفروضة على التوسع العمراني الفلسطيني، تقلص قدرة أي كيان فلسطيني مستقبلي على بناء اقتصاد مستدام ومستقل.

في السياق ذاته، يرى المحلل السياسي أحمد المصري أن التحولات الجارية في الضفة الغربية تتجاوز بكثير أطر التوسع العقاري المعتاد، لتؤسس لنموذج استعماري استباقي يقوم على «الهندسة العضوية للفضاء»، حيث تتشابك البنى التحتية العسكرية والمدنية لتمزيق أي إمكانية لقيام وحدة جغرافية ديموغرافية.

ويقول المصري إن استغلال حالة الإنهاك الإقليمي والدولي لا يعدو كونه غطاءً تكتيكياً لتسريع وتيرة «الضم البنيوي»، مستهدفاً تحويل الأراضي الفلسطينية من مجال حيوي لدولة مستقبلية إلى أرخبيل من الكانات المعزولة.

ويضيف أن هذا المسار لا يستهدف فقط إجهاض حلم الدولة الفلسطينية على مستوى الخرائط، بل يسعى إلى تفكيك مفهوم الهوية السياسية الجماعية للفلسطينيين، عبر إحلال مستوطنات كبرى تقطع أوصال الشمال بالجنوب.