بينما تسعى عديد من العواصم إلى محاولة تثبيت التهدئة في غزة، وإحياء أفق سياسي للصراع الذي تفاقم منذ أحداث السابع من أكتوبر قبل ثلاثة أعوام، تواصل إسرائيل توسيع خريطة الاستيطان في الضفة الغربية بوتيرة متسارعة تكشف أن السباق على الأرض لم يتوقف.وخلال الفترة الأخيرة التي غطّاها التقرير الأممي المقدم إلى مجلس الأمن في 28 سبتمبر المنقضي، جرى دفع أو إقرار نحو 4570 وحدة استيطانية في المنطقة «ج» و3515 وحدة في القدس الشرقية، بينها 1234 وحدة ضمن مخطط «إي1» الذي تحذر الأمم المتحدة من أنه قد يفصل شمال الضفة عن جنوبها ويعزل القدس الشرقية عن محيطها الفلسطيني.ومع استمرار مصادرة الأراضي وهدم المنشآت وتصاعد عنف المستوطنين، يبرز السؤال الأصعب: هل يجري التفاوض على السلام في الوقت الذي يجري فيه، على الأرض، تقليص المساحة التي يمكن أن يقوم عليها هذا السلام؟ولا يتوقف المشهد عند البناء الاستيطاني؛ إذ تزامن التوسع مع تصاعد عنف المستوطنين وعمليات هدم ومصادرة ممتلكات فلسطينية.

ووفق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، سُجل أكثر من 1600 اعتداء للمستوطنين منذ بداية 2026 حتى منتصف سبتمبر، بمعدل 6.7 اعتداءات يومياً، طالت 275 تجمعاً فلسطينياً.كما أدى هدم منشآت خلال أسبوع واحد في سبتمبر إلى تهجير 147 فلسطينياً، بينهم عشرات قرب المنطقة المستهدفة بمخطط «إي1».

فرض جغرافيا جديدة!

ويرى محللون أن خطورة هذه التطورات تكمن في أنها لا تعالج الاستيطان باعتباره ملفاً تفاوضياً مؤجلاً، بل تحوله إلى أداة لإعادة تشكيل الجغرافيا قبل أي تفاوض؛ فكل طريق جديد، وبؤرة جديدة، ومصادرة أرض، وتغيير في توزيع السكان، يضيق عملياً هامش أي تسوية لاحقة.وتزداد المخاوف مع التوسع في إنشاء مستوطنات جديدة شمال الضفة، وإعادة إحياء مستوطنات أخليت سابقاً، في خطوات تصفها قراءات سياسية بأنها محاولة لتثبيت وقائع يصعب عكسها مستقبلاً.ويعتقد خبراء أن التناقض بين مساعي السلام والتوسع الاستيطاني لم يعد مجرد فجوة سياسية، بل بات تناقضاً بين مسارين متوازيين: مسار دبلوماسي يتحدث عن دولة فلسطينية، ومسار ميداني يقلص الأرض التي يفترض أن تقوم عليها تلك الدولة.

الضفة.. عقدة السلام المقبلة

وعزز هذا القلق التحذير الأممي من أن التوسع الإداري والإقليمي الإسرائيلي يقوّض فرص التسوية ويعمق ما وصفته الأمم المتحدة بـ«الضم الزاحف» للضفة.ويخلص محللون إلى أن استمرار الاستيطان بالتوازي مع التهدئة في غزة قد يحول الضفة إلى عقدة السلام المقبلة؛ لأن إنهاء الحرب في القطاع لن يكون كافياً وحده لإطلاق تسوية شاملة، ما لم يتوقف السباق على الأرض.وفي ظل اقتراب الانتخابات الإسرائيلية في 27 أكتوبر الجاري، يرى خبراء أن تسريع بعض المشاريع الاستيطانية يحمل أيضاً بعداً سياسياً يتمثل في محاولة خلق حقائق مسبقة قبل اتضاح شكل السلطة المقبلة في إسرائيل.

نسف «الدولة الفلسطينية»

إلى ذلك، يؤكد خبير العلاقات الدولية الدكتور محمد شكريد، أن التوسع الاستيطاني المحموم في الضفة الغربية، المتزامن مع مساعي التهدئة وهندسة مسارات السلام لقطاع غزة، يمثل النسف العملي الأكثر شراسة لأي فرصة حقيقية لقيام دولة فلسطينية متصلة جغرافياً وقابلة للحياة.ويرى شكريد أن سياسة حكومة إسرائيل لا تتعامل مع مسارات التفاوض والخطط الدولية سوى كـ«ستار دخاني» يتيح لها استكمال مشروع التقسيم الجغرافي والديموغرافي على الأرض.

ويوضح أن التوغل الاستيطاني المتسارع، وتوسيع البؤر، وتقطيع أوصال المدن والقرى الفلسطينية عبر شبكات الطرق الالتفافية وجدار الفصل، لا ينفصل أبداً عن معادلات الصراع الكبرى؛ بل يهدف بوضوح إلى فرض «أمر واقع» بنيوي ومؤسسي يستحيل معه تفكيك الكتل الاستيطانية لاحقاً.

ويحذر شكريد من أن هذه السياسة المنهجية تقوض مسبقاً أي تسوية سياسية مستقبلية أو صيغ للدولتين، محيلاً إياها إلى شعارات جوفاء بلا رصيد جغرافي.وبذلك، فإن محاولات إحياء العملية السياسية في غزة، بينما تتآكل الضفة بصمت، تعاني من عوار استراتيجي قاتل؛ فالفصل الهندسي والجغرافي الممنهج الذي تفرضه الجرافات الاستيطانية يغلق نهائياً نافذة السلام العادل، ويضع المنطقة على صفيح ساخن من الانفجار المؤكد، ما لم يُدرك المجتمع الدولي أن بقاء الاستيطان هو القاتل الحصري لأي أفق تسوية مستقبلية.

الاستيطان

بدوره، يرى المحلل السياسي أسامة الدليل، رئيس قسم الشؤون الدولية بمجلة الأهرام العربي، أن المشروع الاستيطاني الإسرائيلي لا يتسع في جوهره لفكرة «التسوية السياسية»، ولا يعترف بما تم التوصل إليه في اتفاق أوسلو، معتبراً أن الوقائع على الأرض تؤكد ذلك منذ سنوات، وليس فقط منذ أحداث السابع من أكتوبر.ويحذر الدليل من اختزال التوسع الاستيطاني في كونه انعكاساً للمنافسة الانتخابية الإسرائيلية المرتقبة، معتبراً أن ذلك «فخ تحليلي»، لأن المواقف تجاه الاستيطان ورفض قيام دولة فلسطينية تتجاوز شخص رئيس الوزراء، وتمتد إلى أبرز المتنافسين على السلطة.

ويؤكد أن أي حكومة إسرائيلية مقبلة ستواجه اختباراً مماثلاً، وقد تواصل توسيع الاستيطان وتقطيع أوصال الضفة الغربية بما يصعّب فرص إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة.وبحسب الدليل، فإن مستقبل أي تسوية سياسية تضمن للفلسطينيين دولة على أراضيهم بات مرتبطاً بدرجة كبيرة بقدرتهم على إنهاء الانقسام وتوحيد الموقف السياسي.

ويشدد على أن البيانات الدولية والخطب السياسية لا تكفي في مواجهة «صراع يُحسم على الجغرافيا»، محذراً من أن استمرار الاستيطان قد يدفع الصراع إلى نطاق أوسع.