خلال أقل من 48 ساعة، انتقل وزير الأمن القومي الإسرائيلي المتطرف إيتمار بن غفير، من المسجد الأقصى المبارك في القدس الشرقية إلى الحرم الإبراهيمي في الخليل.

وفي الوقت نفسه، كانت هجمات المستوطنين تمتد في الضفة الغربية المحتلة من جالود جنوب نابلس إلى قرى وطرق في محيط رام الله. المشهد لا يبدأ بهذين الاقتحامين، لكنه يكشف لحظة تتسارع فيها بالتوازي ثلاثة تحولات في الضفة: ارتفاع وتيرة عنف المستوطنين واتساع رقعته، وتسارع إنشاء المستوطنات والبؤر وتمويلها، وتوسيع الأدوات الإسرائيلية المستخدمة في إدارة الأرض والطرق والمواقع الحساسة.

هذه المسارات لا تعني أن كل هجوم للمستوطنين يصدر بقرار حكومي، ولا أن كل خطوة استيطانية ترتبط مباشرة بحادث ميداني بعينه. لكنها تجعل أحداث اليومين جزءاً من سياق أوسع يتزامن أيضاً مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر وتصاعد خطاب اليمين بشأن مستقبل الضفة.

المقدسات.. ما وراء المشهد

في المسجد الأقصى المبارك، ذكرت وكالة «وفا»، اليوم الثلاثاء، أن 1731 مستوطناً اقتحموا باحات المسجد خلال اليوم نفسه، وأدوا طقوساً دينية تلمودية. أما وجود بن غفير داخل الموقع وتصريحاته فوثقته أيضاً «تايمز أوف إسرائيل» في اليوم نفسه، ونقلت عنه قوله إن الإسرائيليين أصبحوا «أصحاب المكان» في الحرم.والمسألة في الأقصى لا تبدأ باقتحام الاثنين.

ففي 16 أغسطس الماضي، أفادت «تايمز أوف إسرائيل» بالسماح بإدخال كتب صلاة يهودية إلى الموقع، بعد أشهر من سوابق مرتبطة بالصلاة اليهودية العلنية، بينما ظل مكتب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يؤكد رسمياً أن الوضع القائم لم يتغير. والصحيفة نفسها أوضحت في تقريرها عن زيارة بن غفير في 28 سبتمبر أن الصلاة اليهودية لا تزال محظورة رسمياً، رغم إعلان بن غفير مراراً أنها أصبحت مسموحة.

بذلك يدور الخلاف عملياً حول ما يجري تطبيقه داخل الموقع بقدر ما يدور حول الصيغة الرسمية للوضع القائم.وفي الخليل، جاء اقتحام بن غفير للحرم الإبراهيمي، اليوم الثلاثاء، وفق المصادر الفلسطينية وتقارير إعلامية، بعد إغلاق الموقع أمام المصلين المسلمين خلال عيد العرش اليهودي.

لكن التحول الأهم سبق المشهد الحالي بأشهر. ففي 16 يونيو الماضي، أفادت «رويترز» بأن إسرائيل نقلت إليها صلاحيات التخطيط والبناء المتعلقة بالحرم ومحيطه، وهي صلاحيات كانت لدى جهات فلسطينية بموجب ترتيبات اتفاق الخليل لعام 1997.

وقال وزير المالية الإسرائيلي المتطرف بتسلئيل سموتريتش، إن الخطوة ستعمق «السيادة الإسرائيلية»، فيما شددت الخارجية الإسرائيلية في اليوم نفسه على أن اتفاق الخليل لم يُلغَ بكامله.

وفي 17 يونيو الماضي، ذكرت «رويترز» أن إسرائيل أقرت توسعة مدرسة للمستوطنين في قلب الخليل. ونقلت الوكالة عن سموتريتش قوله إن الإجراءات تهدف إلى خلق «وقائع على الأرض» وتعزيز ما وصفه بـ«السيادة العملية»، في حين اعتبر مسؤولون فلسطينيون الخطوات تغييراً في الترتيبات التي حكمت البناء والإدارة في المنطقة منذ اتفاق 1997.

جالود..حكم قضائي يصطدم بالميدان

المشهد الأكثر وضوحاً على الأرض جاء من قرية جالود في نابلس. فقد أفادت «أسوشيتد برس»، أمس الثلاثاء، بأن أكثر من مئة مستوطن منعوا عائلة فلسطينية من العودة إلى منزلها رغم وجود قوات إسرائيلية لمرافقتها، وأضرم مهاجمون النار في ممتلكات ورشقوا قوات الأمن بالحجارة، ما أدى إلى إصابة ثلاثة عناصر. وأضافت الوكالة أن السلطات الإسرائيلية أوقفت عدداً من المشتبه بهم، فيما قال الجيش الإسرائيلي إن العائلة لم تتمكن من استكمال عودتها.

وأدان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أحداث جالود، واصفاً إياها بـ«أعمال الشغب العنيفة»، وقال إن منفذيها لا يمثلون جمهور المستوطنين الملتزمين بالقانون، فيما أدان الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ الهجوم أيضاً.

وفي اليوم نفسه، وثقت «وفا» اعتداءات وإغلاقات واقتحامات في قرى وبلدات المغير وبيتونيا وسردا والطيرة في رام الله، شملت إحراق ممتلكات والاعتداء على مركبات وقطع طرق، فيما كانت اعتداءات اليوم السابق قد طالت بلدات ومناطق أخرى بينها بيتا في نابلس، وكفل حارس في سلفيت، وسنجل وترمسعيا في رام الله، ومسافر يطا في الخليل.

الأرقام تكشف حجم الاتساع

اعتداءات المستوطنين الإسرائيليين ليست ظاهرة جديدة، لكن أحدث بيانات الأمم المتحدة تظهر ارتفاعاً في وتيرتها واتساعاً في نطاقها الجغرافي. ففي تقرير نشره مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في 18 سبتمبر، قال المكتب إنه وثق منذ بداية 2026 وحتى 14 سبتمبر أكثر من 1600 هجوم للمستوطنين أسفر عن إصابات فلسطينية أو أضرار بالممتلكات، وطالت الهجمات 275 تجمعاً فلسطينياً، بمتوسط 6.7 هجمات يومياً مقابل خمس هجمات يومياً خلال 2025.

وقال «أوتشا» في التقرير نفسه إن أكثر من 4300 فلسطيني نزحوا في الضفة منذ بداية العام بفعل الهدم والإخلاء وهجمات المستوطنين والقيود المرتبطة بالوصول، وإن عنف المستوطنين والقيود المرتبطة به شكلا نحو 60 % من حالات النزوح المسجلة، ليصبحا السبب الأكبر للتهجير في الضفة خلال 2026.والاتجاه نفسه يظهر في البيانات الإسرائيلية، وإن اختلفت منهجية الرصد.

ففي 10 أغسطس، نقلت «تايمز أوف إسرائيل» عن هيئة البث الإسرائيلية «كان»، استناداً إلى أرقام المؤسسة الأمنية، تسجيل 660 حادثة مما تصفه أجهزة الأمن الإسرائيلية بـ«الجريمة القومية» للمستوطنين خلال النصف الأول من 2026، بزيادة قدرها 63 % مقارنة بالفترة التي اعتمدتها «كان» للمقارنة. كما ارتفعت الاعتداءات على قوات الأمن الإسرائيلية إلى 45 حادثة خلال الفترة نفسها.الاستيطان..

من البؤرة إلى الموازنة

بالتوازي مع ارتفاع عنف المستوطنين، تسارعت القرارات الاستيطانية. وكشفت صحيفة «يديعوت أحرونوت» في 14 يوليو أن الحكومة الإسرائيلية أقرت خلال ولايتها إقامة أو تسوية أوضاع 104 مستوطنات، بينها 34 مستوطنة جديدة، وأن 1.3 مليار شيكل خُصصت لإنشاء أحياء أولية فيها، إضافة إلى أكثر من مليار شيكل لمشروعات طرق. ونقلت الصحيفة عن الوزير اليميني المتطرف سموتريتش وصفه هذه السياسة بأنها «ثورة استيطانية».ولا يقتصر التوسع على المستوطنات الرسمية. فقد وثقت «رويترز» في تحقيق نشرته في 8 سبتمبر تسارع إقامة البؤر الزراعية غير المرخصة واستخدام الرعي والطرق والأسوار والمساكن الجاهزة لتوسيع نطاق السيطرة على الأراضي، مع حصول بعض القائمين عليها على دعم وتصاريح أو اعتراف رسمي لاحق.

ووجد التحقيق أن 184 بؤرة غير مرخصة أُنشئت خلال السنوات الثلاث المنتهية في 2025، وهو عدد يقارب ما أُقيم خلال العقود الثلاثة السابقة مجتمعة، وفق البيانات التي استندت إليها الوكالة. كما نقلت «رويترز» عن نتنياهو قوله في أغسطس إن 160 بؤرة زراعية أُقيمت وإن «المزيد في الطريق».

الطرق و«إي 1»الجغرافيا تتحرك

الطرق باتت جزءاً متزايداً من المعادلة. أمس الاثنين، نقلت «وفا» عن تقرير لـ«هآرتس» أن الجيش الإسرائيلي يستعد لتهيئة الظروف لإعادة فتح الطريق 463 أمام حركة المستوطنين في منطقة رام الله والبيرة. وبحسب ما نقلته الصحيفة عن رئيس المجلس الإقليمي للمستوطنات «يشع» يسرائيل غانتس، اتُّخذ قرار أولي بالمشروع وبدأت استعدادات أمنية وقانونية لتنفيذه، في وقت تقول الجهات الفلسطينية إن إعادة فتح الطريق بهذه الصورة قد تؤثر في حركة عدد من التجمعات الفلسطينية المحيطة به.أما مشروع «إي 1» بين القدس ومعاليه أدوميم، فقد انتقل إلى مرحلة أكثر تقدماً.

وقالت «رويترز» في 17 سبتمبر إن إسرائيل أضافت مناقصة لـ2167 وحدة إلى المشروع، ليرتفع الإجمالي إلى 3401 وحدة. ونقلت الوكالة عن سموتريتش تأكيده أن المشروع يستهدف منع قيام دولة فلسطينية، بينما ترى جهات فلسطينية وحكومات غربية أن البناء في «إي 1» يهدد التواصل الجغرافي بين القدس الشرقية وأجزاء الضفة الغربية.

وحدد ملف المناقصة موعداً لتقديم العروض في 25 أكتوبر، قبل يومين من الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر، وهو توقيت أثار جدلاً قانونياً وسياسياً داخل إسرائيل بشأن تنفيذ خطوات حكومية واسعة قبيل الاقتراع.

خطاب سياسي أكثر حدة

وفي موازاة الخطوات الميدانية والإدارية، ارتفعت حدة الخطاب السياسي. ففي 22 سبتمبر، أعلن وزير الأمن القومي الإسرائيلي المتطرف إيتمار بن غفير أن حزبه سيطالب بمنحه وزارة الدفاع في الحكومة المقبلة، وطرح برنامجاً يشمل ما سماه «تشجيع الهجرة الطوعية» للفلسطينيين من غزة والضفة، ونزع سلاح السلطة الفلسطينية وتغيير قواعد الاشتباك ومدونة أخلاقيات الجيش، بحسب «تايمز أوف إسرائيل».

وفي 27 سبتمبر، نقلت «واي نت» عن سموتريتش قوله إن إسرائيل يجب أن «تذهب إلى الحرب» في الضفة و«تفعل ما فعلته في غزة»، إلى جانب دعوته إلى تفكيك السلطة الفلسطينية.

هذه التصريحات لا تثبت صلة مباشرة بين كل حادث ميداني وبين برنامج سياسي محدد، لكنها تكشف مستوى الخطاب الذي بات جزءاً من المنافسة السياسية الإسرائيلية قبيل الانتخابات.

وفي المقابل، تظهر أحداث قرية جالود في نابس وجود حدود مختلفة داخل المؤسسة الإسرائيلية نفسها، إذ أدان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الإسرائيلي يتسحاق هرتسوغ الهجوم عندما استهدف المستوطنون أيضاً عناصر الأمن الإسرائيلي، بينما تشير بيانات المؤسسة الأمنية التي نشرتها «كان» إلى ارتفاع الاعتداءات على قوات الأمن نفسها خلال 2026.

ما الذي تغيّر فعلياً؟

 قالت اللجنة الدولية للصليب الأحمر إن «تصاعد العنف وزيادة القيود على الحركة وتسارع التوسع الاستيطاني» باتت تلحق أضراراً خطيرة بالمدنيين في مختلف أنحاء الضفة الغربية المحتلة، ودعت السلطات إلى حماية السكان من عنف المستوطنين واحترام التزامات القانون الدولي الإنساني.

الوقائع والأرقام لا تقول إن عنف المستوطنين بدأ الآن، ولا إن الاستيطان ظاهرة جديدة، ولا إن اقتحام موقع ديني يحدث للمرة الأولى. ما تظهره البيانات والقرارات المنشورة خلال الأشهر الأخيرة هو تزامن تسارع ثلاثة مسارات في الفترة نفسها: ارتفاع العنف واتساع رقعته، دفع مزيد من المشاريع والمستوطنات والبؤر، وتوسيع أدوات إدارة الأرض والطرق والمواقع الحساسة.

وما حدث بين الأقصى في القدس والحرم الإبراهيمي في الخليل خلال يومين لم يبدأ هذه التحولات، لكنه جمعها في مشهد واحد أكثر وضوحاً.