يتعمق التناقض بين احتياجات المؤسسة العسكرية الإسرائيلية ومطالب الأحزاب الحريدية (الدينية المتشددة) التي تقوم عليها الأغلبية البرلمانية الحالية. وتكشف مؤشرات الأزمة المتفاقمة داخل الائتلاف الحاكم عن دخول حكومة بنيامين نتنياهو مرحلة استنزاف سياسي قد تكون الأخطر منذ تشكيلها، ليس فقط بسبب الحرب وتداعياتها، بل نتيجة هذا التناقض.

ملف إعفاء المتدينين اليهود من الخدمة العسكرية، الذي جرى تأجيله ووضعه في متاهة المناورة لسنوات عديدة، عاد اليوم ليتحول إلى قنبلة سياسية تهدد بإنهاء عمر الحكومة والدفع نحو انتخابات مبكرة خلال الخريف المقبل.

المعطيات في الإعلام الإسرائيلي توحي بأن الحديث لم يعد يدور حول إمكانية سقوط قانون التجنيد فحسب، بل حول كيفية إدارة لحظة الانهيار السياسي بأقل الخسائر الممكنة. فالأحزاب الحريدية.

وعلى رأسها حزب شاس بقيادة أرييه درعي، تدرك أن جمهورها يعتبر أي تراجع في ملف الإعفاء تهديداً مباشراً لهوية المجتمع الحريدي ونمط حياته، فيما يدرك حزب الليكود، بقيادة نتنياهو، أن استمرار الامتناع الجماعي عن التجنيد بات يثير غضباً واسعاً في الشارع، سيما في ظل تداعيات حرب غزة وما تبعها من تصعيد إقليمي.

ووفقاً للتقارير العبرية، فإن النقاش داخل الائتلاف الحكومي انتقل بشكل جدي إلى تحديد موعد الانتخابات، بعد الإقرار السري والعلني بسقوط قانون التجنيد إثر تعليمات المرجعيات الدينية للحريديم بعدم التعاون معه، وفشل حشد أغلبية داعمة له داخل الليكود.

المصادر أوضحت أن نتنياهو يدفع باتجاه إجراء الانتخابات المبكرة في الأول من سبتمبر المقبل، مستغلاً نافذة زمنية ضيقة قبل مواجهة معارضة أوسع، في حين يواجه هذا الموعد اعتراضاً من رئيس حزب «شاس» أرييه درعي الذي يفضل منتصف سبتمبر لإبعاد المعركة الانتخابية عن ذكرى أحداث السابع من أكتوبر.

وتبدو تصريحات درعي أقرب إلى إعلان سياسي مبكر بانتهاء صلاحية الائتلاف الحالي. فحين يقر أحد أبرز شركاء نتنياهو بأن قانون التجنيد «لن يمر»، فهذا يعني عملياً أن أحد الأعمدة التي حافظت على تماسك الحكومة قد انهار.

لكن المفارقة أن الحريديم لا يريدون إسقاط نتنياهو بالكامل بقدر ما يريدون إعادة صياغة شروط الشراكة معه في انتخابات جديدة، بينما يسعى نتنياهو إلى استباق الانهيار عبر الذهاب إلى انتخابات سريعة قبل أن تتراكم عليه تداعيات الحرب والتحقيقات والإخفاقات الأمنية.

ويبدو أن اختيار سبتمبر ليس تفصيلاً تقنياً، بل جزء من حسابات دقيقة داخل معسكر اليمين. فنتنياهو يريد انتخابات مبكرة قبل اتساع دائرة الغضب الشعبي على أداء الحكومة، وقبل أن تتمكن المعارضة من إعادة تنظيم صفوفها حول ملف الفشل الأمني والسياسي.

كما يسعى إلى استثمار أي تطورات إقليمية محتملة، سواء في الملف الإيراني أو في مسار الحرب على غزة، لإعادة تقديم نفسه باعتباره «رجل المرحلة الأمنية».

في المقابل، يخشى الحريديم من أن يؤدي توقيت الانتخابات إلى تراجع نسبة التصويت داخل جمهورهم، سواء بسبب الأعياد أو السفر التقليدي لبعض المتدينين إلى أوكرانيا، وهو ما يفسر الخلاف حتى على موعد الاقتراع نفسه.

ورغم هذا التوتر، لا تزال هناك مصلحة مشتركة تمنع الانفجار الفوري. فنتنياهو يحتاج إلى وقت لاستكمال تعيينات أمنية وقضائية حساسة قد تؤثر في شكل الدولة العميقة خلال السنوات المقبلة.

فيما تحتاج الأحزاب الحريدية إلى تجنب الظهور بمظهر المسؤول المباشر عن إسقاط الحكومة خلال فترة حرب. لكن هذه المصلحة المشتركة تبدو أقرب إلى هدنة مؤقتة منها إلى تحالف مستقر، خصوصاً مع تصاعد الضغوط القضائية والعسكرية لإلزام الحكومة بفرض التجنيد على الحريديم.

السيناريو الأقرب حالياً لا يتمثل في سقوط دراماتيكي فوري للحكومة، بل في انتقال تدريجي نحو انتخابات مبكرة يحاول خلالها كل طرف تحميل الآخر مسؤولية الانهيار. فهل يستطيع نتنياهو إعادة إنتاج ائتلاف مشابه بعد الانتخابات، أم أن أزمة التجنيد ستفتح شرخاً أعمق داخل معسكر اليمين الديني والقومي يصعب ترميمه؟