مع دخول خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لوقف إطلاق النار في قطاع غزة المدمر مرحلتها الثانية، يجد القطاع المدمر نفسه على أعتاب مرحلة انتقالية معقدة، بلا خرائط واضحة، وحتى بلا أهداف مطمئنة للفلسطينيين، بشأن مستقبل القطاع وعلاقته بالجغرافيا الفلسطينية، حيث من المفترض ـ حسب خطة ترامب ـ أن ينتقل القطاع من حكم حركة حماس، إلى إدارة لجنة تكنوقراط فلسطينية، وتحت إشراف ما يسمى «مجلس السلام الدولي».
ويتوقع أن يتولى الدبلوماسي البلغاري نيكولاي ملادينوف مبعوث الأمم المتحدة لعملية السلام في الشرق الأوسط، من مطلع 2015 حتى نهاية 2020، قيادة العمليات الميدانية لمجلس السلام.
لجنة التكنوقراط التي شُكلت الأربعاء، بدأت اجتماعها الأول في القاهرة الجمعة، غداة إعلان ترامب تشكيل «مجلس السلام»، الذي سيشرف على شؤون القطاع. وتم تشكيل هذه اللجنة المكونة من 15 شخصية فلسطينية، الأربعاء، ومن المقرر أن تدير مؤقتاً القطاع، تحت إشراف «مجلس السلام».
وتنص خطة الرئيس الأمريكي على أن «تُحكم غزة بموجب سلطة انتقالية موقتة للجنة فلسطينية تكنوقراطية، وغير مسيسة، تكون مسؤولة عن تسيير الخدمات العامة والبلدية اليومية لسكان غزة»، في ظل دمار هائل ترك ثلاثة أرباع السكان بلا مأوى.
رئيس اللجنة، علي شعث، وهو مهندس مدني فلسطيني من مواليد خان يونس في جنوبي القطاع، صرح بأن «الإسكان مهم جداً، بعد دمار أكثر من 85 في المئة من المنازل» في غزة. وأضاف وكيل الوزارة السابق في السلطة الفلسطينية «بالتالي، نحن نعتمد في الأساس على الخطة المصرية العربية الإسلامية التي اعتمدت، والتي تضع أطراً واضحة من الناحية الإغاثية، وناحية البنية التحتية وناحية الإسكان».
وبين التزام «حماس» بتسليم الإدارة للجنة التكنوقراط الفلسطينية، والضغوط الدولية لحمل الحركة على التخلي عن سلاحها، تتداخل الحسابات الإسرائيلية والأمريكية والانقسامات الفلسطينية، ما يجعل مواصلة تنفيذ اتفاق وقف النار معركة سياسية، لا تقل تعقيداً عن الحرب نفسها.
وكان المبعوث الرئاسي الأمريكي الخاص، ستيف ويتكوف، أعلن إطلاق المرحلة الثانية من خطة ترامب، المكونة من 20 بنداً، لإنهاء الصراع في غزة، والتي تشمل التحول من وقف إطلاق النار، إلى نزع السلاح، وإدارة تكنوقراطية وإعادة الإعمار. وتضع هذه المرحلة أسس إدارة فلسطينية انتقالية، تحت اسم «اللجنة الوطنية لإدارة غزة»، لتباشر عملية نزع السلاح، وإعادة الإعمار على نحو كامل.
وأبدت حركة حماس استعدادها لتسليم إدارة غزة للجنة التكنوقراط، وفق ما يرى محللون، بسبب الحرب المستمرة والدمار الشامل الذي أصاب القطاع، إضافة إلى الرقابة الأمريكية والإقليمية على مسار الأمور، لكن بعض المحللين يعتقد أن الحركة تراهن على الاحتفاظ بالسلاح ورقة سياسية تمكنها من العودة للمشهد مستقبلاً.
محللون وصفوا الحكومة التي كانت تديرها «حماس»، بأنها «انتهت عملياً»، بفعل الحرب الطويلة والتصفية الواسعة لقادتها، ليبقى القطاع معتمداً على لجنة تسيير أعمال محدودة، بينما رأى آخرون أن الحركة تجاوزت قدراتها الإدارية بسبب الدمار الشامل. واعتبر مراقبون أن الحركة تتخلى عن حكم غزة «اضطراراً لا اختياراً»، تحت الضغوط الأمريكية والإقليمية.
مخاوف الفصل
من جهة أخرى أثارت لجنة التكنوقراط مخاوف حركة فتح من أن تصبح مدخلاً لتكريس الفصل بين غزة والضفة الغربية، واستمرار الانقسام، ورغم هذه المخاوف تدعم السلطة الفلسطينية اللجنة، أملاً في استعادة نفوذها في القطاع.
ويشير محللون إلى أن أعضاء اللجنة يسمون «مفوضين» لا وزراء، ما يعكس محدودية صلاحياتهم، في ظل غياب الموازنات وقوة أمنية تحميهم.
ويشير مراقبون إلى أن إسرائيل ترغب في الإبقاء على سيطرتها الأمنية، بينما تترك الخدمات للجنة، وأن أكبر تحدٍ سيكون العلاقة مع «حماس»، من حيث بروز تناقضات في الميدان. كما أن اللجنة لا تمتلك تفويضاً سياسياً محلياً، والاعتماد على المرجعية الدولية قد يضعف فرص إعادة الوحدة الوطنية.
«حماس» قالت إنها تدعم المرحلة الثانية، بشرط وقف شامل للقتال وانسحاب إسرائيلي، بينما تلح إسرائيل على نزع سلاح الحركة، ويرى المحللون أن التنفيذ العملي سيكشف حدود التزام الطرفين، خصوصاً مع استمرار إسرائيل بالسيطرة الأمنية، وتأجيل أي انسحاب، واستخدام أي سلاح متبقٍ، ذريعة لعرقلة إعادة الإعمار.