يجد لبنان نفسه مجدداً أمام لحظة سياسية وأمنية دقيقة، مع تزايد الضغوط الداخلية والخارجية المرتبطة بملف سلاح «حزب الله»، حيث تُقدَّم نهاية الشهر كأفق أخير لاتخاذ قرارات كبرى جرى تأجيلها لسنوات، ما يضع البلاد أمام سباق قاسٍ بين الاستجابة لشروط الخارج ومنع التصعيد أو مواجهة مزيد من الانهيار، إذا ما رفض «حزب الله» التنازل عن السلاح.

وما بين الجهود الدبلوماسية التي تسابق الوقت والمهل، والرامية لـ«فكفكة» اللغم الأساسي، أي حصر السلاح بيد الدولة كشرط لنزع فتيل الحرب، وترقب التقرير الرابع للجيش في 5 يناير المقبل، بشأن انتهاء مهمته جنوب الليطاني .

واستعداده للمرحلة الثانية في شمال النهر بالتزامن مع تصعيد إسرائيلي متواصل وغارات مكثفة خلال الأيام الأخيرة، وبين احتمالات التصعيد المفتوح ومحاولات احتواء الانفجار، فإن ثمّة دفعاً نحو هدنة من شأنها أن تجعل السلطة السياسية تشرع في مراجعة الاحتمالات التي ستترتب على نهاية المهل التي مُنحت للبنان بعد نهاية السنة.

دوامة التعطيل

على الرمق الأخير من عام مثقل بالأحداث السياسية منها والأمنية، وعلى موعد ووعد بفجر سياسي جديد متغير، أشرقت شمسه في 9 يناير الفائت، خلال ملء الشغور في سدة الرئاسة الأولى، طوى اللبنانيون سنة 2025 التي حملت إليهم تداعيات حرب سابقتها.

سنة انطلقت مثقلة بتركة الأزمات المتلاحقة العالقة في دوامة التعطيل، وبانتهاء فترة الـ60 يوماً من أجل إنجاز الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب، في 27 يناير، بموجب الاتفاق المبرم لوقف الحرب في 27 نوفمبر 2024، وما بينهما تشديد القيود على دخول اللبنانيين إلى سوريا، من بوابة «إشكالية الحدود» الشرعية وغير الشرعية، معطوفةً على ملف النزوح الذي سجل تقدماً ملموساً على صعيد العودة.

وأقفلت على مشهد مترنح بين «هبة ساخنة» على وقع طبول الحرب التي تتوعد بها إسرائيل لنزع سلاح «حزب الله»، وعلى «هبة باردة» من بوابة «اجتماع باريس»، الذي انعقد تحت «راية» الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للسلام والاستقرار في الشرق الأوسط.

وما خلص إليه لناحية دعم الجيش اللبناني، عبر مؤتمر ينظم لهذا الغرض في فبراير المقبل من حيث المبدأ، بدعم أمريكي ـ فرنسي ـ سعودي، كما من بوابة «الميكانيزم» (لجنة مراقبة وقف إطلاق النار) المطعمة مدنياً، بعد تحولها من مجرد إطار لمراقبة اتفاق وقف النار إلى طاولة تفاوض بين لبنان وإسرائيل.

أما المؤشرات المتعاقبة التي صدرت عن الجهات الخارجية المنخرطة في الإشراف أو الرعاية أو التوسط في الملف اللبناني، فلم تكن سلبية حيال مسار الأمور بين لبنان وإسرائيل، وخصوصاً أن ما كان يدار خلف الأبواب المغلقة بات على طاولة النقاش الأمني العلني.

اللاحرب واللاسلم

وعلى الوضع القائم بين اللاحرب واللاسلم، على امتداد مساحة بلد تاريخه أزمة تمسك بيد أزمة حتى بات محصناً من الحلول لا المشكلات، وفي ظل تحديات أمنية واجتماعية واقتصادية غير مسبوقة، طوى عام 2025 أوراقه على إشارات، ظاهرها إيجابي وباطنها مجمد، في انتظار الاستحقاقات المؤجلة إلى ما بعد إطلالة العام المقبل، تاركاً في سجله محطات بارزة.

وذلك، على وقع جهوزية الدولة للانتقال إلى المرحلة الثانية من حصرية السلاح شمال نهر الليطاني، تبعاً لتقديرات الميدان والمؤسسة العسكرية، ومقاربة تفاوضية من 4 أهداف أساسية، مرتبة ضمن سلم أولويات واضح:

وقف الأعمال العدائية وعمليات القتل باعتبارها شرطاً إلزامياً لفتح أي نقاش جدي، ثم معالجة ملف الأسرى والعمل على إطلاق سراحهم، يليه انسحاب القوات الإسرائيلية إلى ما وراء الخط الأزرق، تمهيداً لاستكمال ترسيم الحدود البرية.

كما في ملف التحضيرات الفعلية للانتخابات النيابية في مايو المقبل، والتي تتخبط حيالها أيضاً كل الحسابات والاحتمالات. وذلك، وسط سلسلة تطورات متزامنة، أبرزها:

إدخال تمثيل مدني إلى لجنة «الميكانيزم» المعنية بمتابعة الوضع جنوب الليطاني، إحكام الجيش اللبناني سيطرته بشكل كامل جنوب الليطاني باستثناء النقاط الـ5 التي ما زالت تحتلها إسرائيل، وهذا ما تعوّل عليه الدولة اللبنانية في تظهير صورة الواقع الجنوبي أمام المجتمع الدولي.

والتي تم إرسالها بواسطة الحقيبة الدبلوماسية من خلال جولة السفراء في الجنوب مؤخراً، عودة النقاش الدولي حول مستقبل الوجود الأممي بعد انتهاء ولاية قوات «اليونيفيل» نهاية العام المقبل، إلى جانب زحمة موفدين واتصالات أعادت بيروت إلى صدارة الاهتمام الدبلوماسي.

إنهاء الشغور

وبعد شغور استمر سنتين وشهرين و9 أيام، و12 جلسة آخرها كانت في 14 يونيو 2023 وأولها في 29 سبتمبر 2022، وفي مشهد بدا أقرب إلى «انقلاب» ضخم في الوقائع السياسية والدبلوماسية، أدى إلى تثبيت اسمه بلا منافس أو بديل مرشحاً حصرياً لرئاسة الجمهورية، اعتلى قائد الجيش العماد جوزيف عون (1964) سدة الرئاسة الأولى في لبنان، بأصوات 99 نائباً من أصل 128 (عدد أعضاء المجلس النيابي)، ليصبح الرئيس الرابع عشر للجمهورية ما بعد الاستقلال والسادس ما بعد اتفاق الطائف.

أما قصر بعبدا، الذي احتفى بانتهاء حقبة الفراغ التي استحكمت بالموقع الرئاسي الأول منذ 31 أكتوبر 2022، ففتح أبوابه لخامس قائد للجيش اللبناني منذ الاستقلال يصبح رئيساً للجمهورية.

علماً أن عون كان القائد والمهندس الفعلي على الأرض، ما بعد العدوان الإسرائيلي على لبنان في سبتمبر 2024، إذ خاض التحدي الثاني لإثبات قدرة الجيش على بسط نفوذه وعلى حماية لبنان في وجه القوات الإسرائيلية.

استحقاق رئاسي

وفي 13 يناير، وبأصوات 84 نائباً من أصل 128، اعتلى رئيس محكمة العدل الدولية، القاضي نواف سلام (1953)، سدة الرئاسة الثالثة في لبنان تكليفاً. وفي 8 فبراير، أبصرت حكومته النور تحت تسمية «حكومة الإصلاح والإنقاذ» (حكومة تكنوقراط من 24 وزيراً).

وهي الحكومة الـ78 بعد الاستقلال والـ21 بعد اتفاق الطائف. وبعدما بدا بيانها الوزاري واعداً، منح مجلس النواب حكومة الرئيس سلام الثقة بدرجة مرموقة (95 صوتاً من أصل 128)، في ضوء تشريح الفقرات الحساسة في بيانها، لا سيما المتصل منها بسلاح «حزب الله» ومصيره، وإعادة إعمار ما هدمته آلة الحرب الإسرائيلية.

وفي لحظة عبور الدولة من الحقبة السابقة إلى الحقبة الجديدة، بدا لبنان أمام إشكالية ثلاثية: تحرير الأرض ونزع السلاح وإعادة الإعمار. وعلى سارية اتفاق وقف إطلاق النار، رفع لبنان الصوت على المنابر الدولية والعربية مراراً، بعدما طفح كيل الاعتداءات الإسرائيلية على سيادته، براً وبحراً وجواً.

واستهداف المواطنين على امتداد مساحته، وبعدما اتسعت حلقة النار من الضغط بالميدان إلى الضغط الدبلوماسي على لبنان، وهو الذي لا يزال يعيش حرب استنزاف، من الوريد الجنوبي إلى الوريد البقاعي مروراً بقلب العاصمة بيروت، ويخشى حرباً جديدة.

«بين النهرين»

وفي حصيلة العام الراحل على وقع المسيرات الإسرائيلية شبه اليومية، دخل مصطلح «بين النهرين» عنواناً للعام الجديد، إذ كشف رئيس الحكومة قرب الانتهاء من مرحلة جنوب الليطاني، في ما يخص نزع السلاح، والاتجاه صوب الشمال من ضفة نهر الأولي.

فيما ستشمل المرحلة الثالثة العاصمة بيروت وجبل لبنان، قبل الانتقال بقاعاً في المرحلة الرابعة، تليها بقية المناطق، على أن تكون بداية العام محطة لتقييم مجلس الوزراء المرحلة الأولى من الخطة.

هم الحدود.. جنوباً وشرقاً

ومن الجنوب بدأ الامتحان الأكبر. وأول استحقاق حقيقي واجهته الحكومة في هذا الإطار كان في 18 فبراير، موعد انتهاء الهدنة الممدد لها، أي الموعد الثاني لانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية.

ذلك أنه، وعلى مشارف انتهاء مهلة الـ60 يوماً على الموعد الذي كان مقرراً لانسحاب القوات الإسرائيلية من القرى والبلدات التي تحتلها في جنوب لبنان، بموجب اتفاق وقف إطلاق النار، وتحديداً في 27 يناير، أعلنت إسرائيل رفضها الانسحاب بذريعة أن الجيش اللبناني «لم يفِ بالتزاماته»، وأبلغت واشنطن نيتها البقاء في جنوب لبنان لمدة شهر إضافي على الأقل، واستبقت سريان وقف إطلاق النار.

ودخلت إلى قرى وأودية وجرفت تربتها واقتلعت أشجارها، فيما حذر الناطق باسمها أفيخاي أدرعي 64 قرية من دخول الأهالي إليها حتى إشعار آخر، وهو الإشعار الذي لم تحدد له إسرائيل آخر، وأمعنت في «تفخيخ» ساعاته على وقع مناورتها المستمرة في المنطقة الفاصلة بين «أقل من حرب، وأكثر من تصعيد».

«جلستا السلاح»

وهكذا، بدأ العد العكسي لقرار حاسم بشأن ملف السلاح، فكانت جلستا 5 و7 أغسطس، المفصليتين في هذا الشأن، واللتين ثبت من خلالهما مجلس الوزراء الجدول الزمني لحصرية السلاح بيد الشرعية، وتكليف الجيش وضع خطة لحصر السلاح بحدود نهاية العام. وفي 5 سبتمبر، «رحب» المجلس بالخطة.

وكان هذا هو المخرج الذي توصل إليه، فنفذ من قطوع «أقر مجلس الوزراء» وتفادى الانفجار، ولعل ما أعاد الوهج إلى هذه الأولوية تمثل في الإعلان عن تخصيص واشنطن دعماً للجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي، بمجموع 230 مليون دولار، تتوزع بين 190 مليون دولار للجيش و40 مليون دولار لقوى الأمن.

وذلك في إطار سعيها لنزع سلاح «حزب الله». وهكذا أيضاً، بدا «خميس الورقة الأمريكية» مكملاً لـ«ثلاثاء وخميس السلاح»، في خضم المأزق الذي واجهه لبنان حينها تحت لاءات ثلاث:

«لا» تجديد لـ«اليونيفيل»، و«لا» مؤتمر للإعمار، و«لا» استقرار أمنياً، في حال عدم المبادرة لإقرار حصرية السلاح بيد الدولة. أما إسرائيل، فلا تزال تضع دولة لبنان على «خرائط النار»، وتختار منها ما يناسب المجزرة وتوسيع رقعة الدم وضرب المدن وتهجير سكانها جمعاً كـ«زلزال» نزوح.

وما بين «التشرينيْن» (أكتوبر ونوفمبر) بفارق نحو عام على اتفاق وقف الأعمال العدائية، سجل العداد آلاف الغارات ومئات الضحايا وتدمير ما سلم من منازل في حرب الـ66 يوماً، حتى باتت يوميات اللبنانيين.

والجنوبيين تحديداً، تؤرخ بالمسيرات وبالإنذارات والدوائر الحمر على خريطة الاعتداءات، ومعها لم يعد الليطاني بضفتيه الجنوبية والشمالية هو الحد الفاصل، بل وسعت إسرائيل العدوان نحو حدود الأولى، فاستهدفت في 18 نوفمبر «عاصمة الشتات» (مخيم عين الحلوة)، بلا إنذار.

ووصلت ليل العدوان بنهاره بسلسلة إنذارات أتبعتها بجولة غارات من الطيران الحربي استهدفت قرى وبلدات جنوبية، ما أنذر باقتراب «ساعة الصفر» المضبوطة وفق توقيت تل أبيب.

مبادرة رئاسية

في 22 نوفمبر، أطل رئيس الجمهورية على قضية الأمن في الجنوب، وتالياً في كل لبنان، بمبادرة من 5 بنود. وذلك، بدءاً من جهوزية الجيش اللبناني لتسلم النقاط المحتلة على الحدود الجنوبية.

مروراً بتكليف اللجنة الخماسية بالتأكد في منطقة جنوب الليطاني من سيطرة القوى المسلحة اللبنانية وحدها وبسط سلطتها بقواها الذاتية، ووصولاً إلى جهوزية الدولة للتفاوض، برعاية أممية أو أمريكية أو دولية مشتركة، على أي اتفاق يرسي صيغة لوقف نهائي للاعتداءات عبر الحدود.

التفاوض مع إسرائيل

في 3 ديسمبر، تم تعيين السفير السابق سيمون كرم رئيساً دبلوماسياً مدنياً للوفد اللبناني إلى اجتماعات لجنة «الميكانيزم» (لجنة مراقبة وقف الأعمال العدائية)، لقيادة التفاوض مع إسرائيل، بعد استحصال الجانب الأمريكي على موافقة الطرف الإسرائيلي بضم عضو غير عسكري إلى وفده المشارك في اللجنة.

والمواجهة التفاوضية الأولى عبر «الميكانيزم» كانت في 19 ديسمبر، وتم الاتفاق على عقد اجتماع جديد للجنة في 7 يناير المقبل، غداة تقرير الجيش حول ما حققه على صعيد حصر السلاح في جنوب نهر الليطاني.

والبحث في الخطة التي سيتم وضعها للعمل على سحب السلاح في شمال النهر. علماً أن إسرائيل لا تزال تسعى إلى «التفاوض تحت النار»، فيما لبنان يعول على المفاوضات ذات الطابع السياسي، وسيكون مضطراً لـ«السير على الجمر» في هذا المسار التفاوضي.

«فجوة» مالية

سجلت الأيام الأخيرة أزمة مالية لم تكن طارئة على المشهد الداخلي، إنما استعصت خلال السنوات العجاف على المقاربة وحتى الاقتراب منها، إلى أن غادرت الحكومة الحالية منطقة إدارة الأزمة إلى اجتراح الحل لها بمشروع قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع، وطرحته للنقاش على طاولة مجلس الوزراء.

إلا أن حساب المشروع الحكومي لم يتلاءم مع «بيدر» جمعية المصارف، وإن هو أعطى حلاً بالتراضي ووزع الخسائر بالثلاثة على الحكومة والحاكمية والحاكم بأمر المال، فانقسمت خليتها على نفسها، بين مصارف لوحت بالإضراب، وبين من ينتظر ليبني على الشيء مقتضاه.

ذلك أن الحكومة وقفت على عتبة الوفاء بوعد إصدار قانون الفجوة المالية، كخطوة في طريق استعادة الانتظام المالي المفقود وردم الهوة بين ضفتي الانهيار والإصلاح. وبعد أسوأ أزمة مالية ضربت لبنان، أعلن الرئيس سلام الخطوط العريضة لقانون الفجوة المالية.