بُعيد منتصف ليل الخميس - الجمعة، دوّى في جنوب لبنان واحد من أضخم التفجيرات منذ وقف إطلاق النار، بالتزامن مع إعلان الجيش الإسرائيلي تدمير شبكة أنفاق تابعة لـ«حزب الله» في منطقة الشقيف باستخدام نحو 700 طن من المتفجرات، في عملية قال المركز الوطني للجيوفيزياء في لبنان إنها ولّدت موجات أرضية تعادل هزة بقوة 3.8 درجات على مقياس ريختر.

وبعد ساعات من هذا التصعيد، شهدت بيروت سلسلة تحركات سياسية وأمنية وإدارية مرتبطة بتنفيذ اتفاق الإطار، في وقت بقي فيه الميدان خاضعاً لعمليات عسكرية إسرائيلية متواصلة.

وأعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس أن الجيش دمّر عدداً من المسارات الرئيسية لشبكة الأنفاق تحت مرتفعات الشقيف، وقالا إن الشبكة كانت تُستخدم كمجمع قيادة رئيسي لـ«حزب الله»، وإن العملية جاءت بعد ما وصفته إسرائيل بخرق وقف إطلاق النار إثر استهداف جرافة عسكرية إسرائيلية غير مأهولة بطائرة مسيّرة الأربعاء الماضي.

وأفادت الوكالة الوطنية للإعلام اللبنانية بأن دوي التفجيرات سُمع في مناطق واسعة من الجنوب ووصل إلى إقليم الخروب وخلدة، فيما أوضحت وزارة الثقافة أن قلعة الشقيف، التي أُدرجت قبل أيام على قائمة «اليونسكو» للتراث العالمي المعرّض للخطر، لم تتعرض للتدمير، لكنها رجحت وقوع أضرار في محيطها نتيجة شدة الانفجارات.

وأضافت أن تحديد حجم الأضرار يتطلب كشفاً ميدانياً مباشراً، وهو أمر متعذر حالياً بسبب استمرار الوجود الإسرائيلي في الموقع، مشيرة إلى أن القلعة تتمتع أيضاً بحماية معززة بموجب البروتوكول الثاني لاتفاقية لاهاي لحماية الممتلكات الثقافية.

وفي أول رد سياسي لبناني على التفجير، دان رئيس مجلس النواب نبيه بري العملية، معتبراً أنها «لا يجب السكوت والصمت عنها والاستسلام لوقائعها».

واستمرت العمليات العسكرية الإسرائيلية خلال النهار، إذ ألقت مسيّرة إسرائيلية قنبلة صوتية على بلدة المنصوري، فيما واصلت القوات الإسرائيلية عمليات النسف في مناطق حدودية جنوبية، بالتزامن مع استمرار تحليق الطائرات المسيّرة فوق بيروت وضاحيتها الجنوبية.

وفي موازاة ذلك، برز دعم أمريكي جديد للمؤسسة العسكرية اللبنانية، إذ بحث السفير الأمريكي في لبنان ميشال عيسى مع قائد الجيش العماد رودولف هيكل آخر التطورات في لبنان والمنطقة، وأكد أهمية الدور الذي يؤديه الجيش ضمن الآلية التنفيذية لاتفاق الإطار، إلى جانب الملفات المرتبطة بمفاوضات روما المقررة بين 4 و6 أغسطس، مشدداً على أهمية جهود الجيش في الحفاظ على استقرار لبنان.

ويأتي ذلك مع انتقال الاتفاق، الموقع في 26 يونيو الماضي بين لبنان والولايات المتحدة وإسرائيل، إلى مرحلة التنفيذ العملي، إذ ينص على انسحاب إسرائيلي تدريجي من مناطق محددة مقابل انتشار الجيش اللبناني ونزع سلاح الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة، بدءاً من مناطق تجريبية في الجنوب.

وفي هذا السياق، ترأس رئيس الحكومة نواف سلام اجتماعاً لإطلاق مشاريع التعافي في المناطق التجريبية، مؤكداً أولوية رفع الأنقاض وفتح الطرق واستعادة الخدمات الأساسية وتأمين البيوت الجاهزة، إلى جانب إعادة إنشاء جسر قعقعية الجسر – فرون، بهدف تهيئة الظروف لعودة السكان بالتزامن مع تثبيت انتشار الجيش.

وعلى صعيد موازٍ، استقبل الرئيس اللبناني جوزيف عون الممثل الخاص للرئيس الفلسطيني محمود عباس، ياسر عباس، على رأس وفد فلسطيني، وشدد على أهمية التزام الجانب الفلسطيني بقرار حصرية السلاح، والتعاون مع الأجهزة الأمنية اللبنانية، وتنفيذ الخطوات التي أقرها مجلس الوزراء في هذا السياق، مع تغليب الخيار الدبلوماسي واستكمال الحوار اللبناني - الفلسطيني عبر اللجنة التي شكلتها الحكومة.

ومن جهته، عرض الوفد الفلسطيني واقع اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، ودعا إلى استكمال تنفيذ التفاهم اللبناني - الفلسطيني بشأن تسليم السلاح داخل المخيمات إلى الجيش اللبناني، تنفيذاً لقرار الدولة القاضي بحصرية السلاح.

وتعكس هذه التطورات دخول اتفاق الإطار مرحلة تنفيذية تتقدم فيها بالتوازي ترتيبات انتشار الجيش، وإطلاق مشاريع التعافي، ومعالجة ملف السلاح خارج سلطة الدولة، بينما تستمر العمليات العسكرية الإسرائيلية في الجنوب، بما يبقي نجاح المرحلة الأولى من الاتفاق مرتبطاً بقدرة الأطراف على ترجمة التفاهمات السياسية إلى واقع ميداني أكثر استقراراً.